Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

التهديد الآتي من أفغانستان إلى إيران (الجزء الأول)

التغيير الجوهري حصل بعد 2009 في عهد الرئيس باراك أوباما الذي وقع اتفاقية الانسحاب من العراق

استطاع النظام الإيراني ترميم علاقته مع "طالبان" (أ ب)

بعد إعلان رئيس الوزراء العراقي الأسبق حيدر العبادي نجاح بلاده في تحرير مدينة الموصل في العاشر من يوليو (تموز) 2017 والقضاء على ما يُسمّى بتنظيم "داعش"، بدأ الحديث ضمن الدوائر الأمنية والسياسية عن مستقبل عناصر هذا التنظيم الإرهابي والمناطق التي قد تشكّل هدفاً لأنشطته المستقبلية.

أكثر التقديرات واقعية رجحت أن تكون وجهة هذه العناصر ساحتين: الساحة الليبية التي كانت حينها تعيش حالة من الصراع الدموي الشديد بين حكومة طرابلس القريبة من جماعة "الإخوان المسلمين" وامتداداتها الإقليمية، خصوصاً التركية، وإدارة الشرق أو بنغازي المدعومة من أطراف عربية وأوروبية. والساحة الثانية المرشحة هي أفغانستان وما يمكن أن تلعبه هذه العناصر من دور في إعادة إنتاج المعادلات الأمنية والسياسية في منطقة آسيا الوسطى ومنطقة القوقاز، انطلاقاً من الأراضي الأفغانية، لما توفره من حرية تحرك لعدم وجود دولة مركزية قوية ومسيطرة بسبب استمرار الصراع بينها وحركة "طالبان" التي وقفت في مواجهة مشروع بناء الدولة الأفغانية بالصيغة التي انتجهتها الرؤية الأميركية.

مؤشرات انتقال بقايا تنظيم "داعش" إلى افغانستان استنفرت الدبلوماسية السياسية والأمنية الإيرانية والروسية في اتجاه حكومة كابول. وفي الوقت ذاته، دفعت طهران إلى تفعيل قنوات تواصلها مع قيادات حركة "طالبان" وعقدت عدداً من اللقاءات السرية والعلنية معها إن كان على الأراضي الأفغانية أو في العاصمة طهران. وقد لعب حرس الثورة، لا سيما القائد الحالي لقوة القدس الجنرال إسماعيل قاآني الذي كان يتولى مسؤولية الساحة الأفغانية حينها، مهمة التوصل إلى تفاهمات مع الحركة لمنع تمكّن عناصر "داعش" من بناء قوة عسكرية وشعبية داخل المجتمع الأفغاني. ونتيجة لهذه التفاهمات، دخلت "طالبان" في مواجهات عسكرية مع هذه العناصر ومنعتها من تحقيق هدفها، خصوصاً أن أي دور للتنظيم في المجتمع الأفغاني سيكون على حساب الحركة، وقد يعيد أفغانستان إلى المربع الأول الذي اختلطت فيه طموحاتها السلطوية مع مشروع تنظيم "القاعدة" بقيادة أسامة بن لادن.

العلاقة بين إيران و"طالبان" لم تكن إيجابية، فقد كادت مرحلة السيطرة الأولى للحركة على أفغانستان عام 1998 أن تؤدي إلى مواجهة عسكرية أو دخول طهران في معركة مفتوحة والغرق في المستنقع الأفغاني بعدما تعرّضت قنصليتها في مدينة مزار شريف لهجوم من "طالبان"، أسفر عن مقتل 11 دبلوماسياً إيرانياً. وهي الأزمة التي تفجرت في العام الأول لتولّي محمد خاتمي رئاسة الجمهورية، وشهدت استنفاراً واسعاً وحشداً لقوات الجيش البرية والجوية إلى جانب قوات حرس الثورة استعداداً للهجوم البري والدخول في العمق الأفغاني، إلا أن خاتمي استطاع حينها استيعاب الموقف وإبعاد شبح الحرب، من خلال تفعيل الجهد الدبلوماسي وكبح جماح المؤسسة العسكرية.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

هذه الحادثة هيمنت على التعاطي الإيراني مع "طالبان"، وقد برز ذلك من خلال الدعم الكبير والواسع لقوى تحالف الشمال ضد هذه الجماعة في البداية. ولجأت طهران إلى التعامل مع الهجوم الأميركي بعد أحداث سبتمبر (أيلول) 2001 باعتماد مبدأ "الحياد الإيجابي"، ما سمح لها بالدفع بقوات تحالف الشمال وزجه في المعركة إلى جانب القوات الأميركية وتكريسه شريكاً في تركيبة السلطة والدولة التي نشأت بعد الاحتلال الأميركي، ونتيجة للتسويات التي عقدتها في مؤتمر بون حول أفغانستان، وهي مفاوضات قادها وزير الخارجية الحالي محمد جواد ظريف.

انقلاب موقف الرئيس الأميركي جورج دبليو بوش من الدور الإيراني، وتصنيف طهران في محور الشر، فرضا على طهران تغييراً في استراتيجية تعاملها مع المستجد الأمني والسياسي على الساحة الأفغانية في ظل انتشار أكثر من 170 ألف جندي أميركي على حدودها الشرقية. بالتالي، بدأت تبحث عن قنوات اتصال مع بقايا قادة "طالبان" ودعم بعض الجماعات المعارضة للوجود الأميركي وتحويلها إلى مصدر تهديد لهذه القوات ومنعها من التفكير في أي تحرك ضد الداخل الإيراني.

استطاع النظام ترميم علاقته مع "طالبان" وتوظيف العمليات التي تقوم بها ضد القوات الأميركية والحكومة التي شكلتها واشنطن، خصوصاً بعد عام 2003 واحتلال العراق، وما يعنيه ذلك من وقوع إيران بين فكّي كماشة أكثر من 300 ألف جندي أميركي ينتشرون على حدودها الشرقية في أفغانستان، والجنوبية والجنوبية الغربية في العراق. وقد وجدت إيران نفسها وسط خطر بدأت بوادره تتردد في دوائر العاصمة طهران، في ظل إعلان واشنطن عن استراتيجية واضحة في التعامل مع النظام الإيراني، ترتكز على مبدأ تغييره.

التغيير الجوهري في التعامل الإيراني مع الساحة الأفغانية والتهديد الأميركي في أفغانستان والعراق، لم يحصل إلا بعد عام 2009 في عهد الرئيس باراك أوباما، الذي وقّع اتفاقية الانسحاب من العراق، واعترف بالدور الإيراني المساعد في الحل الأفغاني. وهي المرحلة التي شهدت المشاركة الأولى لطهران في مؤتمر روما بشأن أفغانستان، وضمت من الجانب الإيراني رئيس البرلمان السابق علي لاريجاني، ومن الجانب الأميركي مبعوث الرئيس للمسألة الأفغانية ريتشارد هولبروك. وتحوّلت إيران إلى لعب دور الوسيط بين الحكومة الأفغانية و"طالبان"، بعد أن استطاعت تحويل العراق إلى ساحة نفوذ لها، عملاً بمبدأ ملء الفراغ نتيجة الانسحاب الأميركي.

المزيد من آراء