Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الدستور الإيراني في خدمة السلطة المطلقة (4 من 4)

الانتقال من الجمهورية إلى التمكين

الرئيس الإيراني السابق محمود أحمد نجاد (أ ف ب)

بعد أكثر من ثلاثة عقود من الانتظار، يبدو أن المرحلة المقبلة من تاريخ الثورة والنظام الإيرانيين تتجه نحو مزيد من المركزية وتجميع السلطات في يد المرشد الأعلى الذي يملك صلاحيات مطلقة دستورية كـ "ولي لأمر المسلمين". 

فبعد التجربة الفاشلة التي خاضها النظام مع رئاسة محمود أحمدي نجاد على رأس السلطة التنفيذية والتي كان يتوقع أن تساعده في تمهيد الطريق لفرض سيطرته وإحكام قبضته على مراكز القرار في مؤسسات الدولة، إلا أن الدولة العميقة التي دعمت وصوله (أحمدي نجاد) إلى هذا الموقع اصطدمت بالطموحات الكبيرة غير المتوقعة لهذا الرجل الذي بات يشكل لها تحدياً من داخل صفوفها، ومحاولته التمرد عليها والخروج عن إرادتها، والعمل على تأسيس توجه جديد أخذ في بعض الأحيان طابعاً قريباً من طابع الفرق الدينية أوالمذهبية، خصوصاً بعد محاولات التنظير التي قام بها مع فريقه المقرب لنظرية "المدرسة الإيرانية في الإسلام" وأن الحكومة التي يرأسها لا تعود في مرجعيتها إلى ولي الفقيه والمرشد الأعلى للنظام، بل تتجاوزه لتتصل بالإمام المهدي، الإمام الثاني عشر للشيعية الإمامية، إلى حد الادعاء بالتواصل المباشر معه ومشاركته في اجتماعات الحكومة والجلوس إلى جانب الرئيس الذي أفرد له مقعداً خاصاً بالقرب منه. 

الإرباك الذي أحدثه أحمدي نجاد في مسار الدولة العميقة، فرض عليها نوعاً من التعديل في آليات تحقيق وتطبيق ما تريده وتسعى له، خصوصاً أن الأوضاع الدولية ودخول النظام في مواجهة مفتوحة مع المجتمع الدولي على خلفية أزمة الملف النووي فرض عليها اللجوء إلى مرحلة انتقالية ما بين مشروعها والخروج من الأزمة، فكان انتخاب حسن روحاني لرئاسة الجمهورية بمهمة واحدة هي العمل على فتح باب التفاوض مع الإدارة الأميركية وعقد اتفاق معها حول البرنامج النووي، من دون أن يكون له الحق في استثمار هذا الإنجاز لتكريس واقع سياسي يتعارض مع الواقع الذي تسعى له هذه الدولة العميقة. لذلك حاولت بقوة منع عملية التجديد له في رئاسة الجمهورية في انتخابات عام 2017 وعملت لإيصال مرشحها إبراهيم رئيسي في محاولة لاستثمار نتائج الاتفاق النووي وتعزيز قاعدتها الشعبية بحيث تكون قادرة على فرض التوجه السياسي الذي تريده من منطلق أنها صاحبة الإنجاز والأقدر على توظيف نتائجه الإيجابيةـ وإلا فأنها على استعداد لإفراغه من محتواه، ومحاصرة المدافعين عنه، وهذا ما حصل خصوصاً بعد الخطوة التي قام بها الرئيس الأميركي السابق دونالد ترمب بالانسحاب من الاتفاق والعودة إلى فرض عقوبات اقتصادية خانقة، إذ حملت روحاني وفريقه الدبلوماسي مسؤولية الاتفاق وما اعتبرته تنازلات استراتيجية عن حقوق إيران النووية. 

مع البوادر الإيجابية لإمكانية العودة إلى الاتفاق النووي وبدء حوار مباشر مع الإدارة الأميركية، يبدو أن النظام والدولة العميقة معه حسما أمرهما في فرض سيطرتهما على آخر المواقع خارج دائرة نفوذهما واستعادة السلطة التنفيذية من جهات لا تنسجم بالكامل مع توجهاتهما. لذلك لم تتوقع قيادة النظام عند الإجراء الذي قام به مجلس صيانة الدستور بإقصاء جميع مرشحي رئاسة الجمهورية من الصف المعارض أو الذين قد يشكلون خطراً على مرشحهم إلى رئاسة الجمهورية.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وقد يكون الهدف الأول الذي يسعى له النظام بعد استعادة رئاسة الجمهورية هو إخراج القوى الإصلاحية والمعتدلة من دائرة السلطة والتأثير في القرار أو حتى التفكير بالمشاركة، بالتالي إنهاء حالة الانقسام السياسي أو الثنائية التي بدأت تتكرس في الحياة السياسية بين إصلاحيين ومحافظين، والتي لن تشكل تهديداً حقيقياً حتى الآن لعدم تبلور ونضوج التجربة الحزبية في المجتمع الإيراني بالمفهوم الذي يسمح بهذه الثنائية السياسية غير العدائية أو الإلغائية، خصوصاً أن وجودها - الثنائية - يأتي على خلاف الرغبة التي يريدها المرشد الذي وإن كان ملتزماً بالمظهر الديمقراطي وآلياته للدولة، إلا أنه لا يعارض تركيز القرار والمرجعية في جهة واحدة. 

وفي حال سارت الأمور على النحو الذي تخطط له قيادة النظام، فمن المتوقع أن تشهد المرحلة المقبلة في إيران دعوة إلى تعديل الدستور بتوجيه من المرشد نفسه الذي يملك صلاحية إجرائه من عدمها، ومن المحتمل ونتيجة لطبيعية الصراع الذي سيطر على مدى ثلاثة عقود بين موقعي المرشد والرئيس أن يكون التوجه بإلغاء عملية الاقتراع المباشر لرئيس الجمهورية من الشعب، وأن يتولى مجلس النواب هذه المهمة يكون فيها المرشد صاحب الصلاحية في اختيار الشخصية التي ستتولى منصب رئاسة الجمهورية. 

هذا التعديل المتوقع، يفترض أن يترافق مع تعديل آخر، يعيد إنشاء أو استحداث موقع رئيس للوزراء أو الحكومة مع صلاحيات واسعة يكون ممثلاً للكتلة البرلمانية الأكبر في البرلمان. 

هذه الاحتمالات المتوقعة لتعديلات دستورية، سبق أن أشار إلى إمكانية المرشد الأعلى قبل سنوات، ودعا البرلمان لبحث إمكانية إلغاء موقع رئاسة الجمهورية، ما قد يسمح بالخروج من التحدي الذي يواجهه النظام والدولة العميقة مع كل عملية انتخابات رئاسية وما يرافقها من جدل حول صلاحيات هذا الرئيس ودوره في عملية القرار في مقابل صلاحيات المرشد الواسعة وفوق الدستورية. 

هذه الآلية في حال تم اللجوء إليها، ستحدث تغييراً في طبيعة الدولة التي نشأت بعد انتصار الثورة والتي حرص المؤسس الخميني على تلازم بعديها الجمهوري والإسلامي والتوازن بينهما بحيث لا يطغى بعد على الآخر، وتنقلها من جمهورية ناتجة من آليات ديمقراطية بالحدود والسقوف التي رسمها الدستور ومحدداته، إلى حكومة "تمكين" تلتزم هذه الآليات الديمقراطية، ألا أنها تعمل في إطار وتحت سقف توجهات وإرادة القيادة العليا المتمثلة بـ"ولي أمر المسلمين" صاحب الصلاحيات المطلقة دستورياً وتنفذ إرادة الدولة العميقة والمؤسسات التي تقف خلفها، بحيث تكون هذه الجهات قادرة على التحكم بكل التفاصبل وتكون السلطة التنفيذية إن كان ما يتعلق بصلاحيات رئيس الجهورية أو تلك التي تقع في دائرة اختصاص رئيس الوزراء خاضعة لما تمليه هذه الجهات. 

هذه التعديلات ستسمح للمرشد أو لخليفته باختيار كلا الرئيسين الجمهورية والوزراء، الأول عبر اختياره من قبل مجلس النواب الذين يكون اختيارهم أيضاً منسجماً مع توجهات النظام كما هي الحال مع المجلس الحالي باستخدام مجلس صيانة الدستور ولجنة دراسة أهلية كل مرشح، والثاني عبر اختياره مباشرة من قبل المرشد لأن الرئيس حينها لن يكون قادراً أو لا يملك القدرة على المعارضة لأن إمكانية الاستغناء عنه وإقصاءه ستكون سهلة لأن شرعيته ستكون مستمدة من تصويت البرلمان وموافقة المرشد.

المزيد من آراء