Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

حادث البحر الأسود يدل على أن التوتر مع روسيا لم يخمد

 لا مفر من خلافات دبلوماسية لكن الحذر واجب لتفادي التصعيد

المدمرة البريطانية "أم أتش أس ديفندر" قبالة ساحل القرم (رويترز)

صحيح أن بريطانيا ليست حالياً الفيصل في عالم البحار. غير أنها لا تزال قادرة تماماً على إثارة غضب الروس. كانت المدمرة "أتش أم أس ديفيندر" تجوب البحر الأسود في رحلة توقفت خلالها في ميناء أوديسا [الأوكراني]، وذلك قبل أن تصبح موضوعاً لتراشق حاد وغريب بين لندن وموسكو.

تقول موسكو في روايتها للأحداث ذات العلاقة، إن قواتها وجهت طلقات تحذيرية للمدمرة فيما كانت تبحر بالقرب من الساحل الجنوبي لشبه جزيرة القرم، وهي المنطقة التي ضمتها روسيا إليها قبل سبع سنوات في خطوة شجبتها الدول الغربية بشدة. في المقابل، تؤكد الرواية التي قدمتها لندن أن المدمرة "أتش أم أس ديفيندر" كانت تبحر "في رحلة روتينية من أوديسا إلى جورجيا في مياه البحر الأسود" عبر "ممر ملاحي معترف به دولياً" حين وجدت نفسها تمر في منطقة مجاورة لميدان مناورات عسكرية روسية تم التخطيط لإجرائها مسبقاً.

ويوحي هذا الحادث الغريب من نوعه بأن الروس يريدون أن يشددوا على أنهم قد استهدفوا المدمرة البريطانية فعلاً بطلقات تحذيرية، بينما  يصر البريطانيون على نفي تعرض السفينة الحربية إلى أي نوع من إجراءات عدوانية روسية، وكأن الأمر بمجمله لم يكن أكثر من واقعة تسببت فيها الفوضى في وقت يسوده التوتر الجيوسياسي الشديد. وأياً كانت حقيقة ما شهده البحر الأسود في تلك المناسبة، فقد كان هناك تراشق بالتصريحات الغاضبة، واتهم بين والاس وزير الدفاع البريطاني الروس بالترويج لمعلومات "مضللة"، فحسب، وليس بأي بشيء آخر أشد خطورة.

والواقع أن الـ"أتش أم أس ديفيندر" لم تخرق قانوناً أو تنتهك سيادة أحد، فقد كان لها كل الحق في أن تبحر كما تشاء في مياه يعترف العالم أجمع أنها أوكرانية. وكان من شأن امتناع السفينة الحربية البريطانية عن المرور من هناك أن يوجه رسالة خطأ للروس مفادها أن الغرب مستعد للقبول بضمهم غير المشروع لشبه جزيرة القرم. لكن على الرغم من هذا كله، فإن الخطوة كانت استفزازية من دون أدنى شك.

ليس هناك من مبرر كي نبالغ في إبداء الحساسية تجاه فلاديمير بوتين. مع ذلك، لا شك أن ثمة عواقب لخطوات من هذا النوع ولا يمكننا توقع أن تمر مرور الكرام. وينبغي بنا أن نأخذ ذلك في عين الاعتبار عندما نرسل سفن صاحبة الجلالة لخوض عباب البحار حول العالم.

هكذا علينا ألا ننسى أن بمقدور موسكو أن تنتقم بالطرق التي تراها مناسبة، وينبغي أن نفترض أن الحكومة البريطانية قد عززت الدفاعات البريطانية إلى درجة تستطيع معها قواتنا وقطعنا البحرية أن تتوقع أي إجراء انتقامي وتعالجه معالجة ناجعة. ليس الرئيس بوتين من النوع الذي يحب أن يُعامل باستخفاف وبقلة احترام وكأنه شخص ضعيف، وهو قد صنع أمجاده كزعيم من خلال إظهار روسيا بمظهر ضحية إساءات الغرب وخداعه وتطويقه لها. بالتأكيد لا يطيق بوتين الاستماع إلى محاضرات الغرب ولا أن يُقابل باحتقاره.

ولعل من الغريب أن الحادث الذي تعرضت له المدمرة  "أتش أم أس ديفيندر" وتتجلى فيها هذه التوترات بين روسيا والغرب بوجوهها المختلفة، قد جاء بعد نحو أسبوع من إجراء الرئيس جو بايدن اجتماع قمة كان له نصيب لا بأس به من النجاح مع نظيره الروسي بوتين. من جانبه، حاول الرئيس الأميركي التقليل من التوترات مع روسيا، موضحاً في الوقت نفسه ما يمكن للغرب أن يتحمله وما لا يمكنه أن يقبل به. ولذلك ربما فوجئ الروس بتصرف البريطانيين الذين جاءوا إلى البحر الأسود على هذا النحو الواثق، على ما يقال في اللغة الدبلوماسية.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وتتجلى الثقة البريطانية في النفس أيضاً في رغبة لندن الجديدة بوجود الأسطول الملكي في شرق آسيا. وأن الرحلة التي ستقوم بها حاملة الطائرات "أتش أم أس كوين إليزابيث" التي طال انتظارها إلى هناك برفقة طائرات نفاثة تابعة لسلاح الجو الأميركي، تهدف بصوة مباشرة إلى تحدي النزعة التوسعية الصينية الصارخة في بحر الصين الجنوبي، والتي أزعجت جيرانها وأثارت مخاوفهم منذ بعض الوقت. وهذه واحدة من نقاط ساخنة عدة في العالم يمكن للنزاعات المتأججة فيها أن تأخذ أشكالاً أكثر فظاعة قد تؤدي إلى عواقب وخيمة. لا شك أن هناك مبررات كافية لنشر سفن حربية غربية، بما فيها تلك القطع التابعة للأسطول الملكي البريطاني، وذلك لتوجيه رسالة واضحة لا لبس فيها للصين. وإذ تخوض الولايات المتحدة مع الصين حرباً تجارية لم ترتفع سخونتها كثيراً للآن، فإن لدى الغرب كثيراً من الأسباب الكافية للدخول في خلافات مع الصين، التي لا تختلف كثيراً عن روسيا من هذه الناحية.

بيد أن المنطق يقتضي من الغرب أن يتصرف مع الصين بالطريقة التي يتعامل بها مع روسيا، فيعد العدة لـ[مواجهة] ما قد تبادر إليه على سبيل الانتقام، وذلك في مناطق لعل أكثرها خطورة هي هونغ كونغ وتايوان. وكذلك تتمتع بكين بثقل اقتصادي وتكنولوجي لا يستهان به وبوسعها أن تستغله [لإلحاق الأذى بخصومها والانتقام].

هكذا قد تؤدي هذه المناورات البحرية ذات الطابع الجيوسياسي الواضح على دفع الصين وروسيا مجدداً إلى التقارب، وهو وضع لم نشهده منذ نهاية عقد الخمسينيات في القرن الماضي حين حصل الشرخ العميق بين الصينيين والسوفيات. وحتى إذا لم يجد العالم نفسه على قاب قوسين أو أدني من صراع عسكري حقيقي، فإن الحروب بالوكالة، والمناوشات السيبرانية والحروب الاقتصادية يمكنها أن تتفاقم وتتسارع وتيرتها مع مرور الزمن خلال العقد الحالي. والسؤال الجوهري الذي لا بد منه هو هل تستطيع أميركا والغرب، بما فيه الاتحاد الأوروبي المتردد في التورط بصراعات على هذا المستوى، أن يجدا أسباب القوة العسكرية والمالية والسياسية، ويوحدا الصفوف لمواجهة القوى العظمى في الشرق؟ علينا أن نجد إجابة أوضح وتدعو إلى قدر أكبر من الثقة، مما يتوفر لدينا حتى الآن.

© The Independent

المزيد من آراء