Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"قلعة المينقة" تماهي الهندسة والجغرافيا في اندماج فريد

واحدة من مجموعة قلاع شكلت مركزاً مهماً للإسماعيليين في سوريا

قلعة المينقة لم تحظ باهتمام وشهرة يوازيان أهميتها التاريخية (اندبندنت عربية)

ستدرك حالاً وأنت على الطريق من مدينة اللاذقية السورية إلى قلعة المينقة، أنك على وشك خوض مغامرة استثنائية، إذ يشكل الوصول إلى القلعة، بالنسبة لمحبي الطبيعة والاستكشاف، تجربة خاصة ذات بعد مختلف، يعزز جمالتيها خصوصية منطقة وادي القلع وتضاريسها الجغرافية الغنية بالإشباع البصري، والإطلالات الرائعة على مدرجات ووديان جبلية وجروف صخرية بتكوينات عشوائية غير منتظمة نحتتها أزاميل الطبيعة.

وما إن تصل إلى مقصدك ويتراءى لك هذا الحضور المفعم بالسمو والرفعة، حتى تعلم مباشرة أنك أمام واحدة من القلاع التي لم تحظ باهتمام وشهرة يوازيان عظمتها وأهميتها التاريخية.

قرية وادي القلع

تحتل القلعة موقعاً مهماً على الجبال الساحلية الزاخرة بالحضارة الهندسية العسكرية، متربعة على الخط الفاصل بين جبال مدينتي البحر، اللاذقية وطرطوس، ومجاورة "قرية القلع" التي تتوسط بدورها مجموعة قرى تتميز بغناها بمواقع أثرية تعود إلى حقب تاريخية متنوعة، وتشتهر ببيئتها ذات القدرات الاستشفائية الطبيعية، والغنية بالموارد والعناصر المائية من ينابيع باردة، كنبع العسل وظهر الشقيف واسترلا ، وطواحين ومساقط مائية غزيرة، كما تحتوي واحداً من أجمل شلالات سوريا "شلال وادي القلع" الذي يقودك إليه طريق معبد ملتو ينتهي إلى جوف كهف مرتفع، تنسدل من أعلاه مياه الشلال لتسقط على صخرة كبيرة مدببة شكلتها عوامل الطبيعة بشكل عشوائي ملفت.

تاريخها

تذكر المراجع أن البناء الأساسي للقلعة قد بني على يد العرب المحليين في القرن الـ 11، لكن سرعان ما استولت عليه القوات البيزنطية، ثم في مرحلة ما من القرن الـ 12 سيطر عليها الصليبيون، وسميت في تلك الفترة حصن مليكاس أو حصن المالغانس، ولكن عاد الإسماعيليون للتحصن فيها عندما وصل رشيد الدين إلى الزعامة ونشط في المنطقة، ثم وبطريقة ما، عادت السيطرة إلى أيدي الصليبيين، ربما كجزء من توافقهم مع الإسماعيليين ضد أعدائهم المشتركين، ثم إلى فرسان الأسبتارية الذين حافظوا أيضاً إلى حد كبير على علاقات ودية مع الإسماعيليين، وربما بقيت القلعة فعلياً تحت سيطرتهم في تلك الفترة وما تلاها من فترات.

 

مر على القلعة الزنكيون والأيوبيون والمملوكيون والمغول وصولاً إلى العثمانيين، ثم ظلت بعدها مهجورة ومنسية حتى فترة الانتداب الفرنسي، إذ اتُخذت القلعة عام 1918 كمعقل للثوار بقيادة الشيخ "صالح العلي".

يذكر أن القلعة كانت واحدة من مجموعة قلاع (الخوابي والرصافة والقلعة والعليقة والمينقة)، شكّلت في منطقة القدموس مركزاً مهماً للإسماعيليين في سوريا، بنوها في منطقة جبلية يصعب الوصول إليها لتكون ملجأ آمناً لهم، وقد ولد فيها ولقب باسمها واحد من أعلام المدرسة الإسماعيلية الفكرية، شهاب الدين المينقي، واتخذها مقراً له و لأسرته حتى وفاته.
 
هندستها

تقع القلعة على سلسلة تلال تمتد من الشمال الشرقي إلى الجنوب الغربي، بهندسة تتماشى مع تضاريس المنطقة والعناصر الطبيعية المحيطة بها، مُشكلة حالة من الرفعة والزهو تتسق مع وظيفتها الأساسية، فالقلعة تجسد في تكوينها الجيولوجي عنصراً بارزاً، نظراً لتموضعها على قمة توفر لها حماية طبيعية وتعزز صورتها كموقع دفاعي مهم، إذ تحيط بجهاتها أودية شديدة العمق تتولى مهمة تحصينها، باستثناء الجهة الشمالية الشرقية التي تتركز على هضبة وترتبط بها، الأمر الذي جعل منها ثغرة أمنية يسهل اختراقها، فكان لا بد من حل هندسي محكم أفضى إلى تعزيزها بأبراج دفاعية مزودة بمرامي سهام، إضافة إلى حفر خندق ضخم بعمق كبير، وكذلك أضيفت تحصينات أخرى في فترات لاحقة في القرن الثالث والرابع الميلادي، وبشكل خاص في الفترة المملوكية، حيث تُلاحظ بشكل واضح مراحل البناء والترميم المتتالية التي مرت بها عملية البناء خلال العصور الوسطى.

 

وتذكر مراجع مديرية دائرة آثار جبلة بأن القلعة بنيت على ثلاث فترات تاريخية، بحسب ما تبينه طبيعة الحجر في الأسوار، فالأبراج الداخلية بنيت بالفترة الأيوبية، يليها أبراج وأسوار بنيت في فترة إسلامية متأخرة ، كما نجد بعض الأسوار مبنية بحجر بيزنطي.

تكوينها المعماري

نظراً لأبعاد الهضبة التي جاءت أكثر ارتفاعاً في الجهة الجنوبية نسبة إلى الشمالية، فقد اعتُمد في هندسة القلعة على تركيز الطوابق المتعددة في الجهة الشمالية وتوزيع باقي فعاليات القلعة على امتداد الخندق وصولاً إلى نهاية الجزء الجنوبي في محاولة لخلق نوع من التوزان البصري في الكتلة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)


ويُلاحظ توضع غالبية المباني في القسم الشمالي الشرقي، وكذلك الأقبية، ويظهر إلى جانب أحدها بقايا حمّام لم يتم التنقيب عنه بشكل كامل، أما أبنية القسم الجنوبي فتهدمت بمعظمها بسبب طبيعة مواد البناء والأحجار المستخدمة في تشييدها، إذ لم تساعدها في الصمود في وجه التحديات الطبيعية منها والبشرية، لكن مازال بإمكاننا رؤية بقايا الأبراج الأساسية وغرف المراقبة بوضوح.
أما التكوين الأجمل فنراه في الجهة الغربية، حيث استُثمرت الكتل الصخرية الطبيعية في حفر مغاور وأقبية شكلت وحدة متكاملة مع المحيط، واستخدمت غالباً كمستودعات.
كما كشفت عمليات التنقيب عن وجود العديد من الكِسر الفخارية القرميدية المحلية التي تعود للقرن الـ 13 الميلادي، وكذلك الفخار المزجج، وأظهرت أعمال الحفريات التي قامت بها مديرية دائرة آثار مدينة جبلة عن وجود بئر وخزان حجري مشكّل بالصخر، وفخّارات تعود بأغلبيها إلى العصر الإسلامي.

المزيد من منوعات