Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

لا اعتراف صيني بانتفاضة "تيانانمن" بعد ثلاثة عقود من اندلاعها

أفادت وثائق لوزارة الخارجية البريطانية بأن القمع أسفر عن مقتل 10 آلاف شخص على الأقل

في مثل هذا اليوم قبل 25 عاماً، سيطر الجيش الصيني بالقوة المفرطة على ساحة تيانانمن في بكين، حيث كان المحتجون الصينيون المطالبون بتغييرات جذرية في نظام حكم الحزب الواحد اعتصموا لأكثر من شهر ما بين 15 أبريل (نيسان) 1989 و4 يونيو (حزيران) 1989. البعض يصف هذه الأحداث بالمجزرة وآخرون يسمّونها "أحداث تيانانمن" تخفيفاً، كما هي الحال في انقسام وسائل الإعلام حول حدث معيّن، بينما وصفها آخرون بأنها الأحداث التي غيّرت وجه الصين إلى ما هي عليه اليوم، وبأنها كانت مجزرة ضخمة وقع خلالها آلاف القتلى. 

بالطبع فإن المعلومات الحقيقية حول الحدث كانت شحيحة حينها بسبب التشدّد الصيني في منع تسرّب المعلومات إلى الخارج. وحتى اليوم، أي بعد ما يقارب ثلاثة عقود، لا يزال جهاز الرقابة التابع للحكومة الصينية يمنع نفاذ المعلومات حول الاحتجاج عبر شبكة الإنترنت، ويخضع مصطلح البحث "ميدان تيانانمن" للرقابة وكل الكلمات والعبارات ذات الصلة. 

قبل وبعد 

وحظيت التظاهرات في ميدان تيانانمن بالاهتمام العالمي كونها تجري في العاصمة وفي أحد ميادينها الأساسية المسمّى "قلب المملكة الوسطى"، فهناك تظاهر الطلاب عام 1919 خلال الثورة الصينية الأولى بعد الحرب العالمية، ومن هذا الميدان وبعد انتصار الحزب الشيوعي في الحرب الأهلية عام 1949، أعلن ماو تسي تونغ قيام "جمهورية الشعب".

تزامنت احتجاجات الميدان الشهير مع زيارة زعيم الاتحاد السوفياتي ميخائيل غورباتشوف إلى الصين، وكانت الزيارة الأولى من نوعها لزعيم شيوعي سوفياتي بهذا المستوى، ما سبّب إحراجاً للسلطات الصينية التي كانت تعتبر طوال عقود أنها تتبع النهج الشيوعي اللينيني الصحيح على عكس الاتحاد السوفياتي. وتأثير زيارة غورباتشوف على الشباب المنتفض مرتبط بإصلاحات هذا الزعيم داخل الاتحاد السوفياتي نفسه، الذي يدور حول تخفيف قبضة الحزب الشيوعي على كل تفاصيل البلاد والعمل على تحرير الاقتصاد رويداً في ما يُسمّى "بيريسترويكا" التي يعتبرها كثيرون المسمار "الغورباتشوفي" في النعش الشيوعي السوفياتي. وكانت تلك الزيارة مناسبة لاحتدام الاحتجاجات خلال المأدبة التي أقيمت على شرف الضيف الزائر في قاعة الشعب الكبرى، على حافة ميدان تيانانمن في مايو (أيار) 1989، ما أرغم السلطات على تغيير مخطط الزيارة وإخراج غورباتشوف من باب خلفي.

لم تترك السلطات الصينية الأمر للقدر أو للحوار أو للوقوف على مطالب المنتفضين، إذ سرعان ما دخلت في 4 يونيو 50 شاحنة وما يصل إلى 10 آلاف جندي إلى الشوارع المحيطة بالميدان وبدأوا بإطلاق النار على المعتصمين، فأردوا منهم المئات. ولم يكُن رد فعل المتظاهرين أقل حدة، إذ قاموا بضرب بعض الجنود من مطلقي النار حتى الموت، بحسب روايات لشهود كانوا حاضرين في هذا اليوم المثقل بالعنف الشديد، في حين بدت السلطات الصينية والحزب الشيوعي وأفراده قرروا إنهاء الانتفاضة بأي شكل ومهما كان الثمن.

بعد مرور عقود على تلك الأحداث تم الكشف عن وثائق لوزارة الخارجية البريطانية، رفعت عنها السرية، وهي برقية دبلوماسية سرية كان أرسلها السفير البريطاني في الصين آنذاك، تفيد بأن قمع انتفاضة تيانماين أسفر عن مقتل 10 آلاف شخص على الأقل.

وكتب السفير البريطاني حينها "لقد أُبلغ الطلاب أن أمامهم ساعة للمغادرة ولكن بعد خمس دقائق بدأ الهجوم". وكتب أيضاً أن العربات المدرعة فتحت النار على الحشود ومرت فوق أجساد القتلى، ثم أُحرقت الجثث لاحقاً.

تغييرات بلا اعتراف

اعتقد بعض القادة في مجلس إدارة الدولة الصينية، وهو بمثابة الحكومة التي تدير البلاد، أن هذه الأحداث ستؤدي إلى حرب أهلية بين المستفيدين من نظام الحزب الواحد والذين أثّروا على حساب بقية الصينيين بعد وضع اليد على ثروة البلاد وإدارتها بحسب رغبة هذه القيادات التي كانت كلمتها داخل الحزب الأضخم في العالم لا تُردّ، والصينيين المتعلمين من الشباب الذين واجهوا البطالة وسوء استخدام السلطة و"ديكتاتورية العمال والفلاحين" التي فصّل الحزب الشيوعي مقاسها على قياس قياداته، والتي تتم كلها تحت أشكال عميقة من القمع. 

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وكانت أصوات الشباب نفسها مستقاة من تجربة هو يوبانغ، الأمين العام للحزب الشيوعي الصيني منذ عام 1980، الذي حارب من داخل الحزب ومن ضمن إدارات الدولة لتحقيق الإصلاحات الديمقراطية والاقتصادية ومنح الشباب الفرص التي تسمح لهم بالمشاركة في إدارة البلاد. لكن دولة الحزب العميقة كانت تخاف من مثل هذه التغييرات الكبرى على مصالحها ومسيرة الحكم الشيوعي، فطردت يوبانغ وأجبرته على الاستقالة عام 1987.

بعد عقود على أحداث ساحة تيانانمن، ما زالت نتائج تلك الانتفاضة والمجزرة التي لحقتها تثير الجدل في الصين. فعلى الرغم من أن الرئيس الصيني الحالي شي جينبينغ ينادي بشعارات تلك الثورة، من دون أن يشير إليها بالطبع، ومنها العودة إلى جذور أفكار التغيير الصينية من طلب المساواة والتقدم والتعليم وتأمين حياة كريمة للصينيين وإفساح المجال أمام حرية التعبير والحريات الاقتصادية الفردية، وهي الشعارات التي اعتبرته رجل التغيير والثورة داخل المنظومة الحزبية الشيوعية، إلا أن الحزب الشيوعي والمؤسسة الرسمية ما زالا يمنعان نشر المعلومات حول تلك المجزرة أو توجيه الاعتذار إلى الضحايا أو الاحتفاء بحركتهم. فالحزب الشيوعي الصيني على الرغم من تبدّله العقائدي خلال عشرات الأعوام، يتصرّف على أساس أنه الحزب ذاته الذي أطلقه ماو تسي تونغ. بالتالي، فإن الأحداث التاريخية التي جرت منذ تأسيسه تخضع لمسؤوليته وهو لا يتراجع عنها، وهذا ما يجعل أي تعبير ديمقراطي من قبل الصينيين ممنوعاً حتى اليوم إلا في إطار مؤسسات الحزب الذي يخضع لتوازنات كبرى بين رجال الأعمال الجدد والحرس العقائدي القديم.

المزيد من تقارير