اضراب المصرف المركزي... يقلق السوق اللبناني

يعزو خبراء اقتصاديون مخاوفهم من عودة الحكومة إلى إقحام السياسة في الملف الاقتصادي

اتصالات لتسيير بعض الاقسام في المصرف المركزي لتأمين السيولة (أ.ب)

استفاقت بيروت في أول أيام الأسبوع على أجواء بلبلة عكست قلق المتعاملين في الأسواق المالية من استمرار التصعيد الناتج من المواجهة الحاصلة بين الحكومة اللبنانية وموظفي القطاع العام، بعدما أوردت الحكومة في مشروع قانون الموازنة العامة للسنة الحالية إجراءات تقتطع أجزاء من مكتسبات هذا القطاع. وعاودت الحكومة اجتماعاتها المخصصة للبحث في مشروع قانون الموازنة العامة على وقع تظاهرات وإضرابات عمت أكثر من قطاع رسمي في المؤسسات والمصالح المستقلة، فيما سجل القطاع المالي والمصرفي تفاقماً في وضعه نتيجة استمرار إضراب موظفي المصرف المركزي الذي أدى إلى إحداث بلبلة في السوق المالية كما لدى الصرافين وعلى شبابيك المصارف، نتيجة عدم وجود مقاصة وتوقف سوق القطع، مما انعكس توقفاً في حركة التحويلات المالية. وأدى هذا المناخ المتشنج إلى تهافت المواطنين إلى ماكينات السحب الآلي، ومحال الصيرفة للحصول على الدولار. فيما أتى قرار بورصة بيروت بالإقفال ليفاقم الوضع، راسماً صورة ضبابية حول الأوضاع المالية والمصرفية إذا استمر الوضع على ما هو عليه. 

خوف من السياسة

ويعزو خبراء اقتصاديون مخاوفهم من عودة الحكومة إلى اقحام السياسة في الملف الاقتصادي، مشيرين إلى أن ما يحصل اليوم على الأرض من تظاهرات لا يعود إلى تحركات بمبادرات فردية، بل نتيجة خلفيات سياسية تحرك النقابات. وتساءل الخبراء عن الأسباب الكامنة وراء تحريك الشارع على الرغم من أن القوى السياسية بغالبيتها مدركة لما يرتبه الشارع من انعكاسات سلبية وخطيرة في ظل الظروف الدقيقة التي تمر بها البلاد، ليس على المستوى السياسي والأمني فحسب، وإنما على المستوى المالي والاقتصادي، حيث تغرق خزينة الدولة في عجوزات تمنعها من تأمين حاجاتها التمويلية. لكن مصرفين مواكبين للتطورات الأخيرة، استبعدوا امتداد الأزمة أكثر. ويقول في هذا المجال المصرفي نجيب سمعان "إن كل الأرقام والمؤشرات والمعطيات الاقتصادية والمصرفية لم تتغير بين ليلة وضحاها وهي لا تزال على حالها، بالتالي، فإن ما يحصل يدخل في إطار حرب الإشاعات والحملات التي تستهدف القطاع المصرفي".  ولا يبدي سمعان أي خوف على العملة الوطنية أو على القطاع المصرفي، كاشفاً أن لدى هذا القطاع ما يكفيه من السيولة لتحريك الاقتصاد، لكن المهم أن تهدأ الأوضاع وتخف حدة التوتر التي تؤثر في ثقة المتعاملين والمستثمرين.  ويؤكد أن المصارف مستعدة للمساهمة في أي اكتتابات ترمي إلى خفض كلفة الدين العام، مشيراً إلى أن عودة الهدوء والثقة كفيلان بتراجع بنية الفوائد.

الإضرابات مستمرة بانتظار الحكومة

على الأرض، استمر الإضراب في المؤسسات العامة والمصالح المستقلة الخاصة ومصرف لبنان، على على الرغم من الأجواء الإيجابية والوعود التي تلقتها الاتحادات والنقابات المعنية من السلطات الرسمية حيال عدم وجود نية بالمس بحقوق موظفي القطاع العام ومكتسباتهم.  ومنذ الصباح، شهد مرفأ بيروت حركة اتصالات حثيثة شارك فيها سياسيون ونواب وهيئات اقتصادية لتسهيل إخراج البضائع، إلا أن ذلك لم يسفر عن نتائج إيجابية كاملة بل عن حلحلة جزئية اقتصرت على إخراج القمح والماشية والبرادات التي تنقل مواد غذائية في خطوة إيجابية من الموظفين، وشكا تجار من توقف بضائعهم على المرفأ أو عدم تفريغها وعودة البواخر المحملة بها، مع ما يرتبه ذلك من خسائر مالية وأضرار.

إضراب

كما شهد المركز الرئيسي للضمان الاجتماعي اعتصاماً أمام مدخله، بدعوة من نقابة مستخدمي الصندوق الوطني للضمان. وطالب المعتصمون الحكومة بسحب المادة 61 من الموازنة (التي تقضي بوقف العمل بتوزيع أنصبة الأرباح والرواتب الإضافية) للعودة عن إضرابهم المفتوح. وقال رئيس مصلحة القضايا في الضمان الاجتماعي: "نتيجة لاجتماع الجمعية العمومية في نقابة مستخدمي الضمان تقرر الاستمرار بالإضراب في الضمان الاجتماعي".

توقف البورصة

من جهتها، علٌّقت بورصة بيروت التداول حتى إشعار آخر، معلنة في بيان أصدرته أنه "لا يمكن تنفيذ عملية المقاصة والتسوية في موعدها خلال فترة إضراب موظفي المصرف المركزي". وأدى إضراب موظفي البنك المركزي لليوم الثالث على التوالي إلى أزمة سيولة نقدية بالليرة اللبنانية، لدى العديد من المصارف الذي اضطر بعضها إلى توقيف ماكينات الـ ATM.
لكن مصدر مصرفي، أكد أن الوضع طبيعي على ماكينات السحب الآلية التي تلبي في غالبيتها السحوبات، لكن المشكلة أن مخزون المصارف من البنكنوت بدأ يتراجع، فيما أكد مصرفي آخر أن مصرفه عمل على تأمين النقد من الخارج لتلبية السحوبات، مشيراً إلى أن هذا الأمر سيعالج فور فك الموظفين لإضرابهم.

جلسة طارئة

في المقابل، أكدت نقابة موظفي مصرف لبنان، في بيان أنه "بعد لقاء مجلس النقابة مع حاكم مصرف لبنان رياض سلامة، حيث بُحث بخلاصة الاتصالات التي جرت على ضوء قرار الجمعية العمومية لموظفي مصرف لبنان والتي أوصت بالإضراب والإقفال التام المفتوح، لوقف الإجراءات وشطب بنود مشروع الموازنة المتعلقة بمصرف لبنان وحقوق موظفيه، ما يخالف قانون إنشاء المصرف كونه سلطة نقدية مستقلة له استقلاليته المالية والإجارية". وورد في البيان: "وبناء على طلب وتمنٍ من الحاكم على مجلس النقابة وقف الإضراب والإقفال الذي أحدث شللاً في الأسواق المالية وبات يؤثر سلباً في حركة التحاويل الخارجية وحياة المواطنين، وبعد التطمينات التي تلقاها من رئيس الجمهورية العماد ميشال عون، ومن دولة رئيس مجلس الوزراء سعد الحريري بعدم تضمين مشروع الموازنة أية بنود تمس حقوق موظفي مصرف لبنان. وبعد انتهاء الاجتماع، عقد مجلس النقابة جلسة طارئة واتخذ قراراً بعقد جمعية عمومية، غداً صباحاً في مركز النقابة في بيروت لشرح آخر المستجدات وأخذ القرار المناسب على ضوء ما يصدر عن مجلس الوزراء بالنسبة لشطب البنود المتعلقة بمصرف لبنان وحقوق موظفيه".
ودعا "جميع الموظفين من المركز والفروع كافة إلى "الحضور لاتخاذ القرار المناسب". لكن رئيس النقابة أعلن لاحقاً أن النقابة ستظهر حسن نية بتعليق الإضراب ليوم واحد إذا تبين أن ثمة حسن نية مماثلة لدى الحكومة. 

وكانت الاتصالات التي تكثفت طيلة النهار بين المصارف وحاكم المصرف المركزي أدت إلى تسيير بعض الأقسام، لا سيما تلك المتعلقة بسوق القطع وذلك بهدف تأمين بعض السيولة التي تحتاجها المصارف لتلبية طلبات زبائنها. 

رفض تعطيل المؤسسات

على الجانب الرسمي، رفض رئيس الحكومة سعد الحريري حركة موظفي المؤسسات الرسمية على الدولة من خلال تعطيل عمل هذه المؤسسات، فأصدر اليوم الاثنين مذكرة رسمية توجه بها إلى موظفي القطاع العام، تقضي بضرورة أن "يستوحي الموظف في عمله المصلحة العامة من دون سواها، وأن يسهر على تطبيق القوانين والأنظمة النافذة من دون أي تجاوز أو مخالفة أو إهمال، وذلك عملاً بالمادة 14 من قانون الموظفين". ودعا الحريري في المذكرة الموظفين إلى الالتزام بالمادة 15 التي تحظر على الموظف القيام بأي عمل تمنعه القوانين والأنظمة النافذة، والتي تحظر أيضاً في فقرتها الثالثة على الموظف أن يضرب عن العمل أو يحرض غيره على الإضراب". ولاقت مذكرة رئيس الحكومة اعتراضاً في أوساط النقابات العمالية، فأعلن الاتحاد العمالي العام (الذي يضم النقابات في لبنان) رفضه لها، ووصفها بأنها "مخالفة لكل اتفاقيات العمل الدولية والعربية، وهي ضرب للحريات العامة وحق الإضراب وخنق الصوت للعمال والنقابات بوجه عام". وكان الاتحاد، وعقب اجتماع مجلسه التنفيذي، قرر تأييد استمرار الإضراب "حتى التراجع عن المواد التي تلحق الضرر بموظفي الدولة والمصالح المستقلة، والعسكريين المتقاعدين". وأعلن رئيس الاتحاد بشارة الأسمر بعد لقائه رئيس الجمهورية في قصر بعبدا أن " الأعم ألا يدفع القطاع العام مسؤولية الوضع الاقتصادي". 

ويتجه الاتحاد إلى طلب مواعيد من رئيسي البرلمان والحكومة لمتابعة الموضوع معهما. 

لا نية لتجاوز الأصول 

في المقابل، ظلت المادة 60 من مشروع قانون الموازنة العامة التي فُسرت بأنها تقترح في شكل غير مباشر وضع المصرف المركزي تحت وصاية وزارة المال مثار ردود فعل وتفاعل في الأوساط السياسية والاقتصادية المستنكرة لمثل هذا التدبير، الذي يحد من استقلالية المصرف المركزي المنصوص عنها في قانون النقد والتسليف (وهو القانون الخاص الذي يرعى وينظم عمل المصرف المركزي). وفي السياق ذاته، قال الوزير علي حسن خليل رداً على أسئلة الصحافيين أن "لا داخل الموازنة ولا خارجها هناك نية لتجاوز الأصول. هناك قوانين تحكم العلاقة بين المركزي ووزارة المال وهو لا يخضع إلى مرسوم انشاء المؤسسات العامة، إنما له نظام خاص يتبع لقانون النقد والتسليف، بالتالي إثارة الموضوع ليس سوى بروباغاندا مشبوهة وكلام سخيف للتغطية على بعض الأمور التي تحصل. فلا أحد يستهدف البنك المركزي ولا الموظفين. أما زيادة الضريبة على الفوائد من ٧ إلى ١٠ في المئة نصرّ عليها وهي جزء أساسي من ترتيب الموازنة وتوازنها".

المزيد من اقتصاد