Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

المغاربة يهربون من جحيم الفقر إلى "بحر الموت"

6 آلاف شخص وصلوا إلى جيب سبتة الإسباني بينهم 1500 قاصر سيراً على الأقدام أو سباحة

يشكّل جيبا سبتة ومليلية الإسبانيان شمال المغرب، اللذان يحاول المهاجرون بشكل متكرر دخولهما بطريقة غير قانونية على أمل الوصول إلى الاتحاد الأوروبي، الحدود البرية الوحيدة بين أفريقيا وأوروبا.

وتمكّن حوالى ستة آلاف مهاجر انطلقوا من المغرب من دخول سبتة سباحة أو سيراً بجانب البحر الاثنين 17 مايو (أيار) الجاري، واستمروا في الوصول إليها الثلاثاء، الأمر الذي يمثّل أزمة هجرة لم تشهد إسبانيا لها مثيلاً من قبل، إذ كان معظم المهاجرين يدخلون إلى الجيب بشكل غير قانوني عن طريق عبور السياج البري. 

وبُني السياج المزدوج ويبلغ طوله ثمانية كيلومترات عام 1999 ثم زيد ارتفاعه عام 2005 من ثلاثة إلى ستة أمتار.

أسلاك شائكة

وبدأ العمل عام 2020 لرفعه مجدداً إلى عشرة أمتار في بعض الأماكن. أزيلت الأسلاك الشائكة التي كانت تعلو السياج في الأشهر الأخيرة، واستُبدلت بأسطوانة معدنية للحدّ من الإصابات التي كانت تلحق بالمهاجرين الذين يحاولون عبوره، تلبية لوعد انتخابي قدّمته حكومة بيدرو سانشيز اليسارية.

وتتضمن الأعمال التي تُنفذ بطريقة مماثلة في جيب مليلية الواقع على بعد حوالى 400 كيلومتر إلى الشرق على الساحل المغربي، استبدال الأسوار بواجهة أكثر سلاسة لجعل عملية تسلّقها أصعب.

وتجري بصورة متكررة محاولات لعبور السياج في سبتة بأعداد كبيرة مثلما حدث في نهاية أغسطس (آب) 2019، عندما نجح 155 مهاجراً، معظمهم من غينيا كوناكري، في تلك المحاولة الخطيرة التي تؤدي في بعض الأحيان إلى الموت.

وفي مليلية، يرسم الحدود سياج مؤلف من ثلاث طبقات بطول حوالى 12 كلم تعلوه، مثلما هي الحال في سبتة، كاميرات فيديو وأبراج مراقبة. ويطلق المغرب على الميناءين المزدهرين بفضل التجارة مع أفريقيا، اسم "الحصنين" وهو يعتبرهما جزءاً لا يتجزّأ من ترابه الوطني.

وقبل جائحة "كوفيد-19"، كان آلاف من المغاربة يأتون للعمل أو التسوق فيهما كل يوم. وتمارس إسبانيا سيادتها على سبتة منذ عام 1580 وعلى مليلية منذ عام 1496 حين شكّلتا مواقع متقدمة في مواجهة المغاربة.

وفي نهاية عام 2020، كان عدد سكان سبتة 84 ألف نسمة يعيشون على مساحة تقلّ عن 20 كيلومتراً مربعاً، على بعد حوالى 50 كيلومتراً شرق طنجة، أمام جبل طارق مباشرة. وتقع مدينة مليلية على بعد 150 كيلومتراً من الجزائر وتبلغ مساحتها 12.5 كيلومتر مربع، وكان يعيش فيها نهاية عام 2020 أكثر من 87 ألف شخص من جميع أنحاء العالم.

"الموت لا يخيفني"

أمضت الشابة المغربية أمل (18 سنة) الليل في العراء بمحيط معبر الفنيدق الحدودي، في انتظار فرصة مؤاتية للمرور نحو جيب سبتة الإسباني، كما فعل الآلاف غيرها منذ يوم أمس. لكن القوى الأمنية منعتها من ذلك، وبدت ملامح أمل التي قدمت من مدينة مارتيل الصغيرة المجاورة برفقة شقيقها وأصدقاء، شاحبة.

 تقول لوكالة الصحافة الفرنسية، "نعرف أنها مغامرة، لكن الموت لا يخيفني، ما يخيفني هو أن أموت هنا فقيرة". تضيف بخيبة أمل واضحة، "مجرد ما علمنا عبر فيسبوك أن الناس يعبرون إلى سبتة من دون أن تمنعهم قوات الأمن، جئنا. لكننا للأسف لم ننجح مثلما نجح أصدقاؤنا في العبور أمس".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وعبر المئات من الأشخاص منذ فجر الاثنين وحتى وقت متقدم ليلاً منطقة الفنيدق الحدودية أمام أنظار بضعة أفراد من قوات الأمن المغربية من دون أن يتم صدهم، نحو جيب سبتة الإسباني، في ظاهرة جماعية مفاجئة. وأعلنت السلطات الإسبانية، الثلاثاء، أن ستة آلاف شخص وصلوا إلى سبتة آتين من المغرب، بينهم قرابة 1500 قاصر، وأنها أعادت 2700 منهم، ووصل هؤلاء إما سيراً على الأقدام وإما سباحة. وتوفي أحدهم غرقاً.

وعززت القوى الأمنية المغربية صباح الثلاثاء وجودها عند بوابة الفنيدق، المعبر الحدودي البري الوحيد بين أوروبا وأفريقيا، إلى جانب المعبر إلى مليلية شرقاً، واستعملت الغاز المسيل للدموع لتفريق مجموعات من المهاجرين كانت تتوافد من دون انقطاع. على الرغم من ذلك، استمر تدفّقهم، بينما عاد آخرون أدراجهم.

ويقع المعبر الرسمي في نهاية شارع رئيس في المدينة. بموازاته من جهة البحر، يوجد مسلك آخر صغير غير معبّد، ينزل إليه المهاجرون غير القانونيين مستغلين منذ الاثنين جزر مياه البحر الذي يجعل الطريق أوسع بعض الشيء عملياً.

فوق المعبر، مسلك آخر جبلي على هضبة صغيرة مطلة على الشاطئ ومكسوة بالأشجار، يوصل أيضاً إلى سبتة.

"الطريق مفتوحة"

في الساعات الأولى من صباح الثلاثاء، حاولت أمل التي توقفت عن الدراسة ولا تمارس أي عمل، العبور مع الأشخاص المرافقين لها، عبر الطريق الجبلي. لكن قوات الأمن صدّتهم.

ومنذ يوم الإثنين، يتم تداول على مواقع التواصل الاجتماعي أشرطة فيديو تظهر مجموعات من المغاربة يعبرون نحو جيب سبتة الإسباني، ما دفع كثيرين إلى الإسراع إلى المكان وتجربة حظهم، بعد أن بلغهم أن "الطريق مفتوحة".

وبين هؤلاء الشاب محمد محمد (26 سنة)، الذي جاء من مدينة المضيق المجاورة برفقة شقيقه القاصر (15 سنة)، قائلاً، "إنهم لا يرجعون القاصرين". لكنه تراجع في آخر لحظة خوفاً عليه، فأعاده إلى المنزل قبل أن يرجع مرة أخرى إلى الفنيدق حيث قضى الليل "في انتظار طلوع الشمس". ويقول لوكالة الصحافة الفرنسية، "يساورني الخوف طبعاً، لكنني أفضل المغامرة على أن أظل عالة على والدي".

ومنعته قوات الأمن هو أيضاً من العبور. لكن بدا الوضع غير مستقر بعد ذلك، إذ كانت القوى الأمنية تتدخل تارة، وطوراً تبدو وكأنها تغض النظر عن عبور مجموعات من المهاجرين، غالبيتهم شباب يحملون حقائب على ظهورهم. بينما كان البعض يعود أدراجه بعد أن يرجعه حرس الحدود على الجانب الإسباني.

ونبّهت تقارير رسمية في السنوات الأخيرة إلى تفاقم الفوارق الاجتماعية في المغرب. وزادت الأزمة الصحية الأزمة المعيشية وتضاعف معدل الفقر سبع مرات بسببها، وفق دراسة رسمية للمندوبية السامية للتخطيط أواخر مارس (آذار).

وتردّد وقع الأزمة على نطاق أوسع في الفنيدق حيث أوقفت السلطات تجارة التهريب التي كانت رائجة منذ أواخر 2019 قبل أن يفاقمها إغلاق الحدود بسبب الوباء، ما اضطُر آلاف العاملين في جيب سبتة إلى التوقف عن العمل منذ أكثر من عام، وشهدت المدينة احتجاجات في فبراير (شباط) الماضي.

وخلّفت صور الطوفان البشري ردود فعل مستاءة على مواقع التواصل الاجتماعي في المغرب، عبّرت عن "الصدمة" و"الألم" و"الدهشة" و"الاستغراب" لعدم تدخل قوات الأمن. وربط بعض التعليقات "تساهل" قوات الأمن المغربية بالأزمة الدبلوماسية القائمة حالياً بين البلدين وإسبانيا بسبب استضافة مدريد زعيم جبهة "بوليساريو" ابراهيم غالي للعلاج.

واستدعت الرباط، الحليف الرئيس لمدريد في مكافحة الهجرة غير القانونية، في نهاية أبريل (نيسان)، السفير الإسباني المعتمد لديها للتعبير عن "سخطها"، معتبرة استضافة زعيم جبهة "بوليساريو" التي تتنازع معها حول الصحراء الغربية، "فعلاً جسيماً مخالفاً لروح الشراكة وحسن الجوار".

وشاهد فريق وكالة الصحافة الفرنسية فجراً مهاجرين قدموا من مدن بعيدة في المغرب أو يتحدرون من دول في أفريقيا جنوب الصحراء، يسيرون على الطريق المؤدي إلى الفنيدق، وكانوا لا يزالون على بعد حوالى 200 كيلومتر من المنطقة.

ووقفت وردة (26 سنة) عند مدخل الطريق المؤدية إلى المعبر الحدودي، حيث كان يتجمّع المئات من المهاجرين في مجموعات متفرقة. وقالت، "جئت برفقة صديقتي من تطوان (نحو 35 كيلومتراً شرقاً) بمجرد ما رأينا على فيسبوك أنهم يتركون الناس يمرّون".

وأضافت "لم أعُد أملك شيئاً" لإعالة طفلين بعد إغلاق صالون حلاقة كانت تعمل فيه. وقالت صديقتها خديجة (26 سنة)، وهي من الأشخاص القلائل الذين وضعوا كمامة، "لم نتردد في المجيء بمجرد أن رأينا الطريق مفتوحة"، معربة عن عزمها المغامرة بمجرد طلوع الشمس. وقالت وردة "لا أخاف من المغامرة. إما أن نعبر أو نموت".

المزيد من متابعات