Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الجاز... "تعويذة" السود السرية في بحثهم عن الحرية

موسيقى أصبحت ثروة قومية أميركية وكسرت الحواجز بين الثقافات وعززت الارتجال

لوي أرمسترونغ أشهر عازف جاز (غيتي)

يحتفل العالم اليوم – الثلاثين من أبريل (نيسان) - بـ"اليوم الدولي لموسيقى الجاز"، وهو تقليد تبنّته هيئة الأمم المتحدة للتربية والثقافة والعلوم (اليونيسكو) منذ عام 2011، وصار احتفالاً عالمياً منذ ذلك الوقت. وجاء هذا ثمرة لجهود مكثفة وقفت وراءها "مؤسسة هيربي هانكوك للجاز" وصاحبها الموسيقي العملاق هيربي هانكوك (1940 -) من أجل إلقاء الضوء على المكانة السامية التي يتبوأها هذا الشكل الموسيقي الراقي في التراث الإنساني. واليوم يصل هذا المهرجان إلى ذروته بفعاليات موسيقية وتعليمية حول العالم سيكون معظمها "افتراضياً" بسبب جائحة الكورونا التي فعلت به الشيء نفسه العام الماضي. ومع ذلك فلن تتأثر الاحتفالات سواء من ناحية الكم أو النوع وإن تأثر الكيف.

يوم عالمي لماذا؟

جاء في بيان الهيئة الدولية قبل عشر سنوات أن هذا اليوم "يهدف إلى إذكاء الوعي بمزايا الجاز كأداة للتوعية وقوة للتعاطف والحوار وتعزيز التعاون بين الشعوب. وفي هذا اليوم تسهم الحكومات ومنظمات المجتمع المدني والمؤسسات التعليمية إضافة إلى الجمهور في الترويج لموسيقى الجاز، ليس فقط من أجل الموسيقى بل أيضاً من أجل المساهمة التي يمكن أن تقدمها هذه الموسيقى في بناء مجتمعات شاملة". ويمضي البيان ليعدد الأسباب التي حدت بكل من الأمم المتحدة وفرعيها "اليونيسكو" لتخصيص يوم دولي للجاز فيصفها بأنها موسيقى:

ـ تكسر الحواجز بين الثقافات وتوفر فرصاً للتفاهم والتسامح بينها،

ـ أداة تتيح تحقيق حرية التعبير،

ـ تلطّف أسباب التوتر بين الأفراد والجماعات والمجتمعات،

ـ تعزز الابتكار الفني والارتجال وأشكال التعبير الجديدة وتشجع على دمج الأصناف الموسيقية التقليدية في الجديدة منها،

ـ تحفز الحوار بين الثقافات وتضع القدرة على الخلق والإبداع في أيدي الشباب المنتمين إلى الفئات الاجتماعية المهمشة.

واليوم الأخير من أبريل من كل عام هو تتويج لفعاليات على مدى هذا الشهر تهدف لنشر الوعي بين جماهير العالم بالمضامين الفنيّة والسياسية والاجتماعية والتاريخية الهائلة التي يحملها جميعاً هذا الفن في طياته.

شاهد هنا جانباً من حفلة أقامتها "مؤسسة هيربي هانكوك" في خضم مهرجان اليوم الدولي لموسيقى الجاز بجامعة كاليفورنيا لوس أنجليس UCLA العام الماضي:

 

وشاهد هنا صاحب المؤسسة نفسها ورئيس مجلس إدارتها، هيربي هانكوك، (على الكيبورد المحمول) في مهرجان الجاز مونتريال (2014):

 

الجذور...

حري بنا – لفهم أصول الجاز وجذوره – أن نلقي نظرة سريعة على تاريخ الموسيقى السوداء في الولايات المتحدة منذ أن بدأ أميركيو الجنوب يستجلبون العبيد من غرب أفريقيا منذ منتصف القرن السابع عشر.

فلنبدأ حين كان الطبل "الناطق" هو شيفرة العبيد... يفهمون معاني إيقاعه بينما تغيب هذه المعاني على السادة البيض. وعندما صار الطبل وسيلة أساسية في معظم حركات التمرد الأولى، حُظر عليهم فلجأوا للتشفير في الغناء والأهازيج وأغاني الحب الحزينة ولاحقا الترانيم الكنسية في ديانتهم الجديدة. وكان طبيعياً أن يلجأوا إلى وسيلة أخرى لتبادل الرسائل في ما بينهم باستخدام كل ما من شأنه أن يخلق إيقاعاً: من التصفيق أو النقر على قطعة خشب أو صفيح مروراً بنقر ملعقتين وصولاً إلى تعلّم الآلات الموسيقية الغربية نفسها.

وصارت أغنية العبيد - الشيفرة هي الجذر الذى نما منه جذع الموسيقى الآفروأميركية وهو "البلوز" Blues (وهي كلمة تشير في معانيها إلى الاكتئاب والغبن) في الثلث الأخير من القرن التاسع عشر. وهي نتاج التفاعل المبدئي بين الموسيقى الأفريقية التي أتى بها الوافدون مع ما التقطته آذانهم من الموسيقى الغربية الكلاسيكية التي كانت سائدة في ذلك العصر.

شاهد هنا سام (لايتنينغ) هوبكينز يؤدي أغنية The Blue المعروفة أيضاً باسم That Woman Named Mary وهي أحد أفضل الأمثلة لهذا الشكل الموسيقي:

 

...والشجرة

الجاز أحد أفرع عدة للبلوز... الشجرة الأم التي أثمرت – مع موسيقى الراغتايم - أشكالاً أخرى أهمها الغوسبيل (الأغاني الكنسية) والسول والريذم أند بلوز والفانك والهيب هوب والراب. وكانت هذه - وتظل - هي الأشكال "السوداء" التي استعارتها الموسيقى "البيضاء" لتخلق منها الروك أند رول والبوب والديسكو. وعلى هذا الأساس يمكن القول إن الموسيقى الغربية بسائر تياراتها الرئيسية اليوم (إضافة إلى جميع التيارات الرئيسية غير الغربية التي إما تأثرت بالاستعمار الأبيض مباشرة أو كنتيجة للعولمة الحديثة) تجد جذورها الشعبية في موسيقى البلوز وجذورها الصفوية في موسيقى الجاز.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ما هي موسيقى الجاز؟

يجد الجاز أصوله في نيوأورلينز ولويزيانا بالولايات المتحدة في نهايات القرن التاسع عشر وأصبح ثروة قومية أميركية منذ عشرينات القرن الماضي. وإذا كانت البلوز هي تفاعل الموسيقى السوداء مع الموسيقى الكلاسيكية الغربية، فإن الجاز بحق هو الرد الأسود عليها. فالبلوز في نهاية المطاف شكل شعبي عفوي خرج به السود ليستعينوا على نير العبودية في مزارع القطن والتبغ وغيرها. لكن الجاز قصة أخرى. فهو – مثل الموسيقى الكلاسيكية - تركيب موسيقي معقّد التشابك. ومن أهم سماته:

- أنه يعتمد على أشكال الهارموني الأكثر تعقيداً بين عدد من الآلات الموسيقية.

- بينما تجد أن الموسيقى الكلاسيكية لا تخرج مطلقاً عن الشكل الذي أُلّفت وكتبت به قيد أنملة، فإن الجاز يعتمد أولاً وأخيراً على الخلق الفوري والارتجال الذي قد يبدو فوضوياً للسامع العابر.

- أنه حوار حي متجدد بين العازفين سمته الأخذ من الآخرين والرد عليهم.

- العزف ليس على نبضات الإيقاع وإنما في منتصف المسافة الزمنية بين كل نبضة وأخرى.

- الخروج المتعمد على السلّم الموسيقي ولكن بمهارة العارف الذي يحوّل النشاز إلى تناغم.

ولذا صار الجاز - بكل تعقيداته الهائلة هذه - يستدعي في المستمع أذناً مرهفة وذوقاً رفيعاً قد لا يتسنى إلا بالعشق والمداومة. وعلى هذا الأساس فإن الجاز هو الجوهرة الكبرى التي خرجت من معطف البلوز... ليست في متناول الجميع لكنها من بين أغلى ما يمكن أن يُملك.

عمالقة يتوجب سماعهم

قائمة موسيقيي الجاز ذوي الشأن طويلة حقاً. لكن ثمة أسماء تحتل مكانتها في المقدمة بفضل ما أضافته من معالم مهمة هي التي تضع الجاز في صدارة الإنجازات الإنسانية الفنية الجميلة. واليوم الدولي لموسيقى الجاز فرصة أيضاً للاستماع لبعض أعمال عمالقة لا يكتمل الحديث عن هذا الفن الجميل إلا بذكرهم ويصح اعتبارهم نظراء لعمالقة الموسيقى الكلاسيكية من وزن بيتهوفن وهايدن وشتراوس. وإليك بعض هؤلاء مثالاً وليس حصراً:

- تشارلز (بادي) بولدين Charles “Buddy” Bolden: يعتبر البعض هذا الموسيقي الذي عاش في نيوأورلينز "أبو الجاز" لأنه خرج في أواخر القرن 19 وأوائل الـ20 بخلطة جديدة ألّفها من البلوز والراغتايم والغوسبيل يمكن اعتبارها حجر الجاز الأساسي.

- ثيلونيوس مونك Thelonious Monk: عازف البيانو هذا هو "أبو الجاز الحديث" الذي نعرفه اليوم، إذ اتكأ على أعماله في عقد الأربعينيات موسيقيون مسؤولون عن تيارات جديدة مثل الـ"بي بوب"  bebop، وعادة ما يشار إليه بـ"العبقري" بسبب الأعالي الشاهقة التي طارت إليها مؤلفاته.

- ديوك إلنغتون Duke Ellington: اشتهر في مسيرته الفنية بين 1923 ومماته في 1989 بابتداعه أوركسترا الجاز الكبيرة وفرع الجاز المسمى "سوينغ" Swing المعتمد على الإيقاع الراقص.

- تشارلي باركر Charlie Parker: في حياته القصيرة بين 1920 و1955 صار هذا الموسيقي الملقّب Bird (الطائر) أعجوبة في عرف الساكسوفون وأحد أعمدة البي بوب.

- بيلي هوليداي Billie Holiday الملقّبة Lady Day (ليدي داي): عاشت حياة عاصفة بين مهنتها كإحدى أعذب مغنيات القرن العشرين وشجنها على محنة السود في الولايات المتحدة وإدمانها المخدرات نتيجة لذلك، فصارت سيرة حياتها الثرّة مادة لعدد من الأفلام والأعمال التلفزيونية.

- لوي آرمسترونغ Louis Armstrong: أحد أشهر الأسماء في دنيا الجاز بفضل مهاراته المدهشة في عزف الترومبيت (الطرمبة) وصوته الأجش الأبح. واتسع نطاق صيته في العالم بفضل تهافت هوليوود عليه وظهوره في عدد كبير من الأفلام المعروفة.

- إيلا فيتزجيرالد Ella Fitzgerald: بسبب موهبتها الصوتية الفريدة التي جمعت النقاء وإتقان مخارج الحروف إلى شبه الكمال، لقّبوها "سيدة الغناء الأولى" و"ملكة الجاز" و"ليدي أيلا". وقيل أيضاً إنها الدليل على أن الصوت البشري هو أفضل الآلات الموسيقية على الإطلاق.

- مايلز ديفيز Miles Davis: استطاع هذا المؤلف الموسيقي وعازف الترومبيت الفذ أن يضفي على هذه الآلة - التي تصبح "فظّة" إذا تناولتها الأصابع الخطأ - نعومة أقرب ما تكون إلى أنغام الكمان. اشتهر بشكل خاص بألبومه Kind of Blue (1959) وأيضاً Sketches of Spain (1960)، الذي يحوي تأويله "كونشيرتو أرانخويث" الشهير للمؤلف الإسباني خواكين رودريغو.

- أوسكار بيترسون : Oscar Peterson بلغ شأو هذا الموسيقي الكندي أن ديوك إلنغتون لقّبه "مهراجا البيانو" لأنه نقل الجاز بهذه الآلة إلى آفاق لم تصل إليها من قبل. وفي فترة نشاطه الموسيقي بين 1945 و2007 أصدر أكثر من 200 أسطوانة ونال سبع جوائز "غرامي". ويعتبر أيضاً من أنشط الذين نشروا فن الجاز بفضل آلاف الحفلات الموسيقية التي أقامها بمختلف أرجاء الدنيا.

- وينتون مارساليس Wynton Marsalis: يضنّف ضمن قلّة العمالقة الباقين على قيد الحياة اليوم (59 سنة). وهو عازف ترومبيت ومؤلف ومايسترو ومعلّم ويشغل حالياً منصب المدير الفني لـ"مركز لينكون للجاز". يتلخص إنجازاه الكبيران في، أولاً، أنه سعى بنجاح باهر لإدخال هذا الفن في قلوب الشباب، وثانياً، في مزجه "الكيميائي" بين الجاز ومختلف أشكال الموسيقى حول العالم.

شاهد هنا مشروعه المشترك مع فرقة Sachal Studios (استديوهات ساتشال) الباكستانية في مقطوعة جاز شهيرة باسم Take Five:

 

وكما هي الحال مع الموسيقى الكلاسيكية فقد تجد الجاز مقدماً من أوركسترا كاملة - ديوك إلنغتون كمثال – أو من خماسي أو رباعي – على طراز ثيلونيوس مونك.

شاهد هنا مقطوعة Round Midnight يؤديها رباعي مونك المؤلف منه على البيانو إضافة للساكسوفون والكونترباص والطبول:

 

وشاهد هنا أوركسترا ديوك إلنغتون (يعزف على البيانو) وهي تؤدي It Don't Mean A Thing – إحدى أشهر أغاني الجاز:

 

ثم شاهد المغنية البيضاء بيغي لي تؤدي أغنية Fever الرائجة التي أُلّفت فقط لثلاثي الصوت البشري والكونترباص والطبل:

 

وبالطبع لا يكتمل العقد إلا باحتواء الرسالة الأصلية التي فجّرت الجاز كأحد أرقى التعابير عن محنة السود في أرض جردتهم بالكامل من إنسانيتهم. فها هي المغنية العظيمة بيلي هوليداي تشجو في وصفها لأجساد العبيد معلقة على مشانق الأشجار في أغنيتها Strange Fruit. شاهدها هنا:

 

نفاذ عالمي

يبلغ من اتساع نطاق الجاز أنه يتخذ لنفسه أكثر من عشرين تياراً فرعياً لكل منها أفرعه الخاصة، وبعدما كان نتاجاً موسيقياً أسود خالصاً، اكتسب له لبوساً جديداً في مختلف ثقافات العالم. بل إن الجاز اللاتيني نما بحيث صار أحد الأعمدة الرئيسية التي يقوم عليها الصرح الموسيقي في عموم أميركا الجنوبية صعوداً إلى المكسيك. وفي الغرب الأبيض نفسه احتضنه موسيقيون بيض وبرعوا فيه حتى تأهلوا للانضمام إلى نادي عمالقته، أمثال بادي ريتش وكيث جاريت وسام ريفرز وستيفن بيرنستين. وحتى إن أغلق العالم العربي الطريق أمام الجاز ليصبح جزءاً من ثقافته، تجد أنجماً عربية تتلألأ على خشبة المسرح الدولي مثل التونسييْن ظافر يوسف وأنور إبراهيم واللبناني إبراهيم معلوف. لا غرو إذن أن يحتفي العالم كله بعيد الجاز في مثل هذا اليوم من كل عام.

شاهد ظافر يوسف هنا وهو يؤدي مؤلفه Les Ondes Orientales الذي يجمع فيه – كما حال بقية أعماله - بين العود وآلات الجاز الغربية:

 

المزيد من فنون