Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

هل سرق إلفيس بريسلي الموسيقى السوداء؟

أسمع المغني الأبيض اليافع الوسيم الجماهير صوتا موسيقيا لم يخطر جماله على بالهم من قبل

إلفيس بريسلي في آخر حفلاته عام 1977(غيتي)

هل نخطئ إذا زعمنا أنه لا يوجد على ظهر الكرة الأرضية اليوم من لم يسمع بالمغني الأميركي الفيس بريسلي حتى وإن كان لا يعرف بالضبط السبب في قيام الدنيا وقعودها بشأنه؟

ربما كان أفضل تلخيص لسبب شهرة إلفيس (الملقب "ملك الروك آند رول" أو "الملك") المدوية هذه ما أوردته "موسوعة (مجلة) رولينغ ستون للروك آند رول" من وصفها لإلفيس بأنه "عملاق أميركي استطاع منفرداً في منتصف القرن العشرين أن يغير مسار الموسيقى والثقافة" (في الغرب وما ومن تأثر به... أي في بقية رقاع العالم).

لكننا نجد أنه لا مناص من التوقف عند هذا الزعم من لدن الموسوعة المرموقة، وتحديداً أن إلفيس تمكن "منفرداً" من تغيير مسار الموسيقى والثقافة في العالم. هذا ليس صحيحاً. وحجتنا في ذلك هي أن ما أتى به هذا المغني من جديد لم يكن جديداً، وإنما هو موسيقى السود التي ظلوا يضخونها في مزارع العبودية على مدى قرون. وكل ما في الأمر هو أنها كانت موسيقى "غير مسموعة" للأذن البيضاء... إلى أن أتى إلفيس بريسلي وتغنى بها.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

اللص!

نتناول هنا، إذن، إلفيس من زاوية أنه كان سارقاً منتظماً للموسيقى السوداء وصعد على أكتافها إلى آفاق شهرته الشاهقة العلو.

واقع الأمر أن إلفيس تلقى جرعات هائلة من الموسيقى السوداء منذ صباه عندما كان يرتاد كنائس السود مع رفيق أسود له ويستمع مذهولاً لجمال أناشيد "الغوسبيل". ولكونه نشأ في مجتمعات تكاثر بها السود فقد زرعت موسيقاهم وإيقاعاتهم في وجدانه وخصوصاً البلوز. لا غرو بالتالي أن تحمل أغانيه تلك النكهة التي لا مراء فيها. بل إن ثلاثة من تسجيلاته الأولى كانت من تأليف وألحان المغني الأسود أوتيس بلاكويل. وكانت بين هذه الأغنية الشهيرة "Return to Sender" التي يمكنك سماعها هنا مرة من صاحبها الأصلي ومرة من إلفيس. استمع هنا لبلاكويل:

ثم شاهد إلفيس يؤدي الأغنية نفسها ولاحظ تقليده طريقة أداء بلاكويل:

بالطبع، لم يكتف إلفيس بأغاني أوتيس بلاكويل بل مضى "يستعير" أغاني السود يمنة ويسرة فأخذ من فنانين سود أمثال آيك تيرنر (زوج تينا تيرنر الأول) وعملاق الروك آند رول، تشاك بيري، وفاتس دومينو، على سبيل المثال وليس الحصر لأن الحصر مستحيل.

اللص النبيل

عموماً، كانت أغاني إلفيس في بداية مشواره الفني (منتصف الخمسينيات) من الجدة بحيث تعذر قبولها بسبب طبيعتها غير المألوفة. فقد كانت خليطاً جديداً من الموسيقى العابرة للحدود بين العرقين الأبيض والأسود، فأثارت قدراً من الغبار الأيديولوجي والسياسي كافياً لأن يحجب جمالها وأن يكبح انطلاقه الخلاق. وعلى سبيل المثال قيل عن أغنيته "Mama That's All Right" إنها "أقرب إلى إيقاع الريذم آند بلوز الملون بموسيقى الجاز الزنجية"، بينما قيل عن "Blue Moon of Kentucky" إنها تتدثر بنكهة الموسيقى السوداء على الرغم من أنها في صميم الكنتري (أغاني الريف البيضاء) فكأن صانعها أبيض- أسود في الوقت نفسه. وبلغ الأمر حد أن عدداً كبيراً من الإذاعات الأميركية البيضاء امتنعت عن بث أغاني إلفيس لأنها ليست "كنتري" بما يكفي، بينما امتنعت إذاعات الموسيقى السوداء عن بث هذه الأغاني لأنها "أقرب إلى أغاني الهيلبيليز (البيض الأجلاف)". على أن الجديد المختلف هو ما كان يبحث عنه المستمع بالضبط، خصوصاً إذا التف بسحابة من الجدل الاجتماعي السياسي.

استمع هنا إلى Mama That's All Right:

على أن إلفيس اللص كان أيضاً لصاً نبيلاً. فقد اعترف بحق الموسيقيين السود في تشكيل موسيقاه هو. وقد أعلن في لقاء معه أن نوع الموسيقى التي يؤديها "لم تكن جديدة إلا على البيض. هذه موسيقى قديمة ظل السود يضخونها من أزمان طويلة، وربما أنني فقط نبهت الناس إليها".

وعلى هذا النحو فقد كان إلفيس أيضاً لصاً نافعاً. كان سارقاً، نعم ولا مراء في ذلك. لكنه– بهذه السرقة– ساعد الموسيقى السوداء نفسها على الذيوع والانتشار. ففي مجتمع ظل حتى أواخر الستينيات ينكر حق السود في الوجود، دعك من الإبداع، كانت السبل جميعاً مغلقة أمامهم. ثم أتى هذا المغني الأبيض اليافع الوسيم الذي أدى الخدمة العسكرية كبقية الوطنيين من شباب الأمة ليُسمع الجماهير صوتاً موسيقياً لم يخطر جماله على بالهم من قبل. فمهد بذلك الطريق حتى لأولئك الذين سرق أعمالهم كي ينالوا نوع العرفان والشهرة والأمجاد المستحقة لهم. ويمكن القول، إن عظماء من وزن "بيلي هوليداي، وإيلا فتزجيرالد، ولوي آرمسترونغ، ونات كينغ كول، وراي تشارلز، وإريثا فرانكلين"، وغيرهم يدينون ببعض مجدهم في عالم الأسياد لذلك الفتى الذي سرق تراثهم الموسيقي الأسود وقدمه لأميركا والعالم ملفوفاً بغلاف أبيض.

موجز سيرة حياته

ولد إلفيس آرون بريسلي أحد توأمين (أسقط الآخر واسمه جيسي) في الثامن من يناير (كانون الأول) 1935 في بيت من غرفتين في توبيلو، ميسيسيبي، لأبيه فيرنون إلفيس وأمه غلاديس لاف. وعلى الرغم من أن هذين الأخيرين يتحدران من أصول أوروبية، فقد أكدت الأم أن جدتها الأكبر، واسمها مورنينغ داف (حمامة الصباح)، هندية حمراء من التشيروكي. وفي 1948 انتقلت الأسرة إلى بيت من غرفتين أيضاً في ممفيس، تنيسي (التي ستضعها موهبة إلفيس الغنائية لاحقاً على خارطة العالم الثقافية).

وبعد عامين (1950) بدأ هذا المراهق تعلم الغيتار الذي اشتراه من أجره من عدد من المهن اليدوية البسيطة لكنه فشل في تعلم قراءة النوتة الموسيقية. على أن هذا لم يقف أمام إبداعه الذي جمع صوته الحريري ومظهره المختلف الأنيق ورقصاته المعتمدة على هز الحوض لذا لقبوه "Elvis the Pelvis". وعاد عليه كل هذا بعقد مع أستوديو "صن ريكوردز" في 1954، وهو العام الذي يقول مؤرخو الموسيقى، إنه عام مولد "الروك آند رول" مع إطلاق أول أسطوانة لإلفيس وهو في سن 18 لا أكثر. وبحلول 1955 كان قد اشتهر في معظم ولايات الجنوب قبل أن يذيع صيته بُعيد ذلك في عموم البلاد ثم ينطلق ليعم لدنيا بفضل الأسطوانة والراديو والسينما والتلفزيون.

شاهده يؤدي "Hound Dog" (1956) وهي إحدى أشهر أغاني الروك الخارجة من رحم الريذم آند بلوز هنا:

في 1958 خضع إلفيس للتجنيد الإجباري في قاعدة فورت هود التدريبية، تكساس، وتعرض لأحد أكبر أحزان حياته بوفاة والدته بالسكتة القلبية. وبعد إكماله فترته التدريبية، انخرط جندي مشاة في الوحدة الثالثة المدرعة بفريدبيرغ، ألمانيا. وهنا التقى بريسيلا بوليو التي كانت وقتها في سن 14 وتزوجها بعد سبع سنوات. ولدى عودته إلى بلاده في 1960 منح شهادة إكمال الخدمة العسكرية برتبة سارجنت، فاستُقبل استقبال الأبطال ثم عاد إلى عالمه الموسيقي وحصل- بفضل ظهوره في عدد ضخم من البرامج التلفزيونية والأفلام السينمائية– على عضوية نادي الكبار في تاريخ الغناء الأميركي.

شاهده مع فرانك سيناترا هنا:

وشاهده هنا مع آن مارغريت في فيلم "فيفا لاس فيغاس" (1964):

على أن هذا الرجل الذي حصل على شهرة لم تتسن إلا لقلة عبر التاريخ البشري أخذ أيضاً نصيبه من المواجع وجراح القلب. فقد انتهى زواجه من بريسيلا بالطلاق في 1973 بعد ما هجرته إلى صديق مشترك لهما. وكانت هذه السنة هي بداية تدهور حالته الصحية وتزايد وزنه إلى حد السمنة الخطيرة ومعاناته من ارتفاع ضغط الدم العالي وإدمانه على مزيج من الكحول ومختلف العقارات بما فيها المضادة للاكتئاب. فأمضى أوقاتاً ليست قصيرة في مستوصفات معالجة الإدمان ونقل إلى المستشفى في حالة خطيرة مرتين بسبب تناوله جرعة زائدة. وفي تمام الثالثة والنصف من ظهيرة 16 أغسطس (آب) 1977 لفظ نفسه الأخير بعد سكتة قلبية عن 42 عاماً، وعثر في جسده الميت على أكثر من عشرة أنواع من العقارات.

على أن معجبيه– الذين رفضوا قبول موته وهو في أوج مجده وشبابه النسبي- التفوا حول إشاعة أطلقها صحافي بعد موته وتقول، إنه زوّر نبأ وفاته لأنه قرر اعتزال الغناء والعيش بعيداً عن أضواء الشهرة. ولا يزال قدر كبير من أولئك المعجبين يصدقون هذه الإشاعة، فصرت تسمع من حين لآخر أنه شوهد هنا أو هناك، أو أنه ظهر متنكراً في فيلم ما أو... أو... وأضاف هذا الوضع هالة جديدة فوق تلك التي كانت أحاطوه بها أصلاً، وهكذا رفعوا مقامه إلى موضع فوق بقية الناس.

تركة عظيمة

إلى اليوم لا يمكن تصنيف موسيقى إلفيس في خانة واحدة من دون غيرها لأنها اتخذت لها لبوساً مزركشاً واتخذت قوامها من ستة مشارب من الفن الغنائي هي "الروك آند رول، والبوب، والروكابيليتي، والكنتري والغوسبيل، والآر آند بي". وباختصار فإن تركة إلفيس تتمثل في كونه غيّر مسار الموسيقى الحديثة وساعدها في ارتياد آفاق لم تخطر على بال مغن من قبله، ولن ننسى الخدمة التي قدمها للموسيقى السوداء فقط بسرقته من ينابيعها. وهو المغني المنفرد صاحب أكبر عدد من مبيعات الأغاني والألبومات، والحائز على ثلاث جوائز "غرامي" – المعادلة للأوسكار– إضافة الى جائزة غرامي عن الإنجاز الحياتي وهو في سن 36 فقط. ولأنه ولد ونشأ في بيت فقير ثم صار أحد أثرى أثرياء العالم، فهو يعتبر- من وجهة النظر الأميركية على الأقل– أفضل تمثيل لما يسمونه "الحلم الأميركي".

المزيد من ثقافة