Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

لبنى عبد العزيز تسرد مواقف وأسرار سيرتها بجرأة

تروي إعجاب أم كلثوم بها والحرب التي تعرض لها فريد الأطرش وطمع عبد الحليم في حبها

لبنيى وعبد الحليم في لقطة سينمائية (دار سما)

تتنحى الفنانة المصرية الكبيرة لبنى عبدالعزيز، عن رواية قصة حياتها بضمير المتكلم في الكتاب الصادر حديثاً عن دار سما في القاهرة، تحت عنوان "لبنى... قصة امرأة حرة"، وموضوعه سيرة حياتها. كأنها تتخلى بذلك عن عبء ثقيل، من النجومية والتاريخ ومعارك إثبات الذات، تاركةً إياه للصحافية الشابة هبة محمد علي. توقع الأخيرة الكتاب باسمها، تنقل ذكريات لبنى التي تعهد بها إليها بصدق، حافزه الصداقة التي تشكلت بالتدريج بينها وبين النجمة الكبيرة. تكتب لبنى بخط يدها، على صفحة، مما يشبه الكشكول، تحيةً لهذه الصداقة، "لم أفكر يوماً أن أبوح بذكرياتي، بل اعتذرت مراراً عن عروض كثيرة في السنوات الماضية فأنا خجولة، وأشعر أن حياتي الخاصة ملكي فقط، وأجد في الكلام عن نفسي غروراً لا أمتلكه وجاءتني هبة فشعرت براحة شديدة جوارها".

مع تمسكها بضمير الغائب في المذكرات، وهو الذي يناسب أكثر خجلها، أو بالأحرى تحفظها، وتخليها الطوعي عن أضواء النجومية، لا يبدو أن هذه الأضواء ترضى مفارقتها. إنها ليست فقط نجومية تصدرها لبطولات أفلام من كلاسيكيات السينما المصرية (19 فيلماً بحساب فيلمها الأخير "جدو حبيبي")، من بينها "أنا حرة" و"الوسادة الخالية" و"غرام الأسياد" و"العيب" و"رسالة من امرأة مجهولة" و"إضراب الشحاتين". لكنها أيضاً نجومية الالتزام بالصدق، والتقدير أو شبه التقديس لقيمة الكلمة، (مازالت لبنى عبد العزيز تكتب مقالاً أسبوعياً بالإنجليزية في جريدة "الأهرام ويكلي"). عندما تتكلم لبنى هنا فهي تقول الحقيقة، تروي ما حدث فعلاً، من دون مجاملة لأحد، ولا رغبة في تجميل الوجوه، ولا حتى وجهها. هذه صفة ربما تغيب عن الكثير من كتب سِير النجوم التي تصدر مؤخراً.

عالم البدايات

الحقيقة التي تعرفها لبنى وتخبر عنها، في هذه الذكريات لا تهدف إلى الصِدامية، ولا لفت الانتباه. مثل "أمينة" بطلة فيلمها الشهير "أنا حرة" 1959 عن رواية لإحسان عبد القدوس وسيناريو نجيب محفوظ ومن إخراج صلاح أبوسيف، يلفت هذا الكتاب أنظارنا إلى الطبيعة الباحثة، التي لا تمل التجريب، عند لبنى- أمينة، الفضول الذي يعرف أن لكل شيء ثمناً، ولا يتخطى قيماً أساسية زرعت منذ الطفولة.

تأتي هندسة هذه القصة أو السيرة عفوية تماماً. وتنطلق من البدايات، حيث تأثير الجدتين اللتين عاشتا في المنزل نفسه بحي جاردن سيتي مع الأسرة. إحداهما بمرضها الطويل فلم تكد تغادر غرفتها، والأخرى بتمكسها بالعادات والتقاليد وإصرارها على تعليم لبنى طقوس الدين. هناك رابطة حنان، تنشأ بين الصغيرة والجدتين. وبالطبع بينها وبين الأم. تلك الرابطة تغرس ميلاً إلى العطاء سيؤهل النجمة الكبيرة منذ سن مبكرة لاستيعاب الاختلافات، وتحويل عثراتها وأحزانها الشخصية إلى نقاط قوة.

يتعرض الكتاب، لا سيما في فصوله الأولى لتأثير عمل الأب حامد عبد العزيز كصحافي شهير بعلاقاته بأهل الفكر والأدب، على تكوين لبنى الثقافي، هي التي ستلتصق بها صفة الثقافة، لتميزها ربما عن نجمات أخريات في جيل الأبيض والأسود، "لذلك، لا تذكر لبنى أنها امتلكت في طفولتها دمية مثل الأطفال في عمرها، فهديته لها دائماً كتاب، وحكايات قبل النوم التي كان يقصها عليها كل ليلة كانت ل "شكسبير، وموليير...". الثقافة الأجنبية وإجادتها للغة الإنجليزية، ستؤهلانها للعمل مبكراً في الإذاعة، وتحقيق نجاح باهر، تستعيده النجمة الكبيرة بفخر في أكثر من موضع بالكتاب.

تروي لبنى أن إخلاصها الشديد لعملها واهتمامها بتفاصيله، دفعها إلى الاصطدام ذات مرة بالسيدة أم كلثوم. وعلى الرغم من أن الأخيرة معروفة بقلة تسامحها إزاء مواقف تحديها، تروي لبنى أن أم كلثوم أعجبت برفضها الاستحواذ على ستديو التسجيل خارج المواعيد المحددة سلفاً. تقول هبة، "كانتْ تظن أن أم كلثوم ستثور من فعلتها، لكن المفاجأة أنها لم تغضب، بل قالت لها وهي تهم بالرحيل عن الاستديو برفقة فرقتها، "على فكرة أنتِ صح، أوعي تخلي حد يجي عليكِ في يوم من الأيام، أو يأخذ منك حقك".

صفعة الخال

هذا الطموح الكبير والتوق إلى معنى أعظم باستمرار، دفع لبنى منذ سن صغيرة باتجاه الفن، لكن ذلك لم يكن ليمر، على الرغم من أرستقراطية العائلة التي تنتمي إليها، من دون اصطدام مباشر بالعادات والتقاليد. عندما سألها خالها ذات مرة عما تحب أن تعمل حين تكبر "قالت بلا تردد، "عايزة أطلع ممثلة"، فصفعها على وجهها صفعة لا تنساها، وهي الصفعة الوحيدة التي تلقتها في حياتها". تركت هذه الصفعة على لبنى تأثيراً سلبياً، فالذي يستدعي الصفع لا بد أنه يرتبط بالمذلة والعار.

يبدو السفر هو الذي رسخ التغيير الحقيقي في حياة لبنى، تقول هبة عن السفر إلى لندن، "وتأثرتْ كثيراً بما رأته من تقدير ومحبة للفن هناك، لدرجة أن الفنان الإنجليزي كان يحصل على الألقاب التي تمنح لطبقة النبلاء". تعلق على هذه الزيارة بعبارة قصيرة لكنها دالة، "فعرفتْ وقتها أهمية الفن للشعوب، وزالت فكرتها القديمة عنه، كما زالت آثار صفعة خالها من داخل نفسها".

تسافر لبنى مرة ثانية، لكن لفترة أطول هذه المرة ضمن منحة "فولبرايت" الجامعية، وهناك لن تستكمل دراستها فقط، لكنها ستتعلم الاعتماد الكامل على نفسها، والاستقلالية الفكرية قبل الحياتية. "فقد كانت تفكر كثيراً في قرارتها، وتصرفاتها، وقد درست في جامعة كاليفورنيا في لوس أنجلوس فن التمثيل بمفهومه الأوسع، وليس فقط الأداء". بعودتها من هذه السفرة، ستصبح لبنى جاهزة أخيراً للاستجابة لعرض إحسان عبد القدوس، بتمثيل الشخصية الرئيسية في روايته التي خضت الأوساط المحافظة آنذاك "أنا حرة"، كما سيكون الحب أيضاً بانتظارها.

رمسيس نجيب... حب وألم

ولأن الكتاب يمثل حديثاً بين صديقتين كما قلت في بداية المقال، تتكلم لبنى عبدالعزيز عن ذكرياتها مع رمسيس نجيب، المنتج السينمائي الذي أصر على أن توقع معه عقداً يلزمها بتقديم ثلاثة أفلام. من بينها فيلم "الوسادة الخالية"، الذي اختير ليكون بدايتها في السينما إلى جانب عبدالحليم حافظ، حين كان يبحث عن وجه جديد لأداء دور البطلة. تروي لبنى اهتمام عبد الحليم بها، شخصياً، وانتباهها إلى هذا الاهتمام، الذي أخذ يتحول إلى صداقة، عندما عرف الأخير عن الحب الذي يجمعها برمسيس.

كان رمسيس أكبر منها سناً ومختلفا عنها ديناً، وأدى بهما الحب إلى الزواج السري، حتى عن عائلتها، بعد أن أشهر رمسيس إسلامه. صحيح أن العائلة سوف تتصالح مع هذه الزيجة عندما تعرف بها، إلا أن هذا لن ينقذ قصة الحب الكبيرة من العثرات، بسبب غيرة رمسيس العنيفة، ورغبته المستمرة في السيطرة على لبنى النجمة التي تحقق نجاحاً جماهيرياً مميزاً وينتظرها مستقبل واعد في السينما. يقع الطلاق في نهايات عام 1964.

وعلى الرغم من محاولات الانتقام الصغيرة من طرف رمسيس نجيب بعد الطلاق، نشعر في حكي لبنى عنه نوعاً من التسامح الحزين، وكأنها تفهم الدوافع ولا تريد أن تقف طويلاً أمام الغضب. تتكلم لبنى أيضاً عن تقديرها لصداقة عبدالحليم حافظ، والاحترام الذي ظل يكنه لها، وإن لم يمنعها ذلك، لحسن الحظ، من أن تشهد بغيرته الشديدة من فريد الأطرش (وهو ما حاول الفنان سمير صبري نفيه عن صديقه عبد الحليم في الكتاب نفسه المشار إليه سابقاً) ومحاولاته المتواصلة لإفشال عملها مع الأطرش في فيلمهما "رسالة من امرأة مجهولة" 1962، "وعندما شعر بعدم جدوى ما يفعل جعل الصحافة تهاجم الفيلم من قبل تصويره، لدرجة أن كامل الشناوي كتب في إحدى مقالاته (لبنى ليست مسيحاً يحيي الموتى) في إشارة إلى أن لا أمل من فريد الأطرش".

آراء في الفن

تعبر لبنى هنا عن موقفها السلبي من القبلات السينمائية، مع اضطرارها إلى أدائها، لأن المخرجين كانوا يجبرونها على ذلك "فلديها قناعة أن هذا الفعل لا يمكن أن يتم من دون إحساس، ورغبة حقيقية فيه".

وتحكي عن علاقتها شبه المعدومة بزميلاتها من الجيل نفسه، فتتكلم عن غضب سعاد حسني منها لأنها لم تكن تتواصل معها، وعن عدم قدرتها على التعرف على فاتن حمامة التي جاءت وجلست قريبة منها تبتسم وتتكلم، في إحدى الأمسيات، ومحاولتها إصلاح الموقف لكن بعد فوات الأوان. وقد أدى هذا الابتعاد في الكثير من الأحيان إلى اتهامها بالغرور، التهمة التي نفتها عنها الكاتبة الصحافية صافي ناز كاظم، حين التقتها وكتبت عنها، "وقد ساهم مقالها هذا كثيراً في تغيير صورة ذهنية سلبية كانت مأخوذة عن لبنى في بداياتها". وعلى العكس، ارتبطت لبنى بعلاقة ود واحترام متبادل، مع الفنانة الراحلة سناء جميل، وكتبت عنها مقالة تقدر عملها في "الأهرام ويكلي" حين وفاتها.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

في مارس عام 1966 تتزوج لبنى بإسماعيل برادة، الموسيقي والطبيب الجراح "بدون حفل زفاف بالمعنى المعروف، ولم يحضر من نجوم الفن سوى سمير صبري وتحية كاريوكا". تنشغل بعد ذلك بهموم العائلة، وتفاصيل البيت الجديد. وسيؤدي حادث اعتقال الإستخبارات العسكرية لزوجها إسماعيل، على إثر وشاية، إلى قرار الزوج بالخروج من مصر إلى أميركا لبدء حياة آمنة هناك. وسيقود السفر لبنى، مجدداً، إلى تغيير نمط حياتها، وإلى تعلم مهارات مختلفة، هي التي وجدت نفسها هذه المرة بلا مساعدة، مضطرة للطبخ والغسل والاعتناء بكافة تفاصيل البيت.

بعد وفاة الزوج عام 2012، تبدأ لبنى رحلة عكسية من العودة، واستئنافها للعمل، فهو كلمة السر في حياة لبنى عبد العزيز. هذه سيرة ممتعة لامرأة رحالة، ليس فقط  بين البلاد، ولكن أيضاً بين الأفكار والتجارب، نجمة تنتصر دائماً لقيم البساطة والنبل والتسامح.

المزيد من سينما