اجتماعات المجلس العسكري والمعارضة في السودان… الطريق مسدودة؟

تضارب في المواقف بشأن الاتفاق على فتح الطرق الحيوية التي يسيطر عليها المعتصمون وتحالف نداء السودان يشهد أول الخلافات

متظاهرون سودانيون بالقرب من مقر وزارة الدفاع في العاصمة الخرطوم الاثنين 29 أبريل (أ.ف.ب)

تمضي المشاورات بين المجلس العسكري الانتقالي في السودان وقوى إعلان الحرية والتغيير بشأن تكوين المجلس الرئاسي إلى طريق مسدودة وخطى تصعيدية. هذا ما يشي به ما أعلنه الطرفان عقب الاجتماع الثالث بينهما، الذي عقد مساء الاثنين 29 أبريل (نيسان) في القصر الرئاسي بالعاصمة الخرطوم.

وأعلن المجلس العسكري، في اختتام الاجتماع، عدم التوصل إلى اتفاق بشأن نسب التمثيل في المجلس السيادي. وأوضح المتحدث باسم المجلس شمس الدين كباشي، في مؤتمر صحافي، أن اللجنة المتخصصة في المجلس تقدمت باقتراح لتشكيل مجلس سيادي يتكون من 10 أشخاص، سبعة عسكريين وثلاثة مدنيين. وذكر أن قوى إعلان الحرية والتغيير قدمت اقتراحاً بأن يكون المجلس السيادي مؤلفاً من 15 شخصاً، ثمانية مدنيين، وسبعة عسكريين.

وأضاف "اتفق الجميع على أن يقوم كل طرف بدراسة رؤية الآخر وتقديم الخلاصة للتقرير بشأنها". وأشار إلى أن المجلس نبه خلال الاجتماع إلى التفلتات الأمنية، وجنوح البعض إلى انتهاك حقوق المواطنين وأخذ الحق باليد، إلى جانب عمليات النهب والسرقة والتفتيش في الطرقات من دون وجه حق.

وتابع "ردت قوى إعلان الحرية والتغيير بأن من يقوم بمثل هذه التصرفات (الانتهاكات) لا يمثلها، وشجبتها وأكدت أنها ممارسات مرفوضة".

وأكد كباشي موافقة "قوى الحرية والتغيير والتزامها فتح المسارات للقطارات، وفتح الشوارع أمام حركة المرور وفتح الجسور بأسرع ما يمكن، وإزالة الحواجز والمتاريس من أمام مقر دار الشرطة في حي بري شرق الخرطوم، الذي يقع بالقرب من مقر اعتصام آلاف المحتجين".

غير أن مصادر في قوى المعارضة أشارت إلى أنه لم يتم الاتفاق على تلك النقاط المتعلقة بفتح الطرق الحيوية والجسور، التي يسيطر عليها المحتجون بوضعهم المتاريس عليها، في حين تشرف على تأمينها ومراقبتها دوريات مكونة من لجان المعارضة، لعدم السماح للمدنيين والعسكريين بإزلتها أو تخطيها. كما تعتبرها قوى الحرية والتغيير إحدى عوامل قوتها، التي تضمن استمرار الاعتصام أمام مقر الجيش وعدم تعرضه لمحاولات فض غير متوقعة.

وأكد تجمع المهنيين السودانيين، من جهته، عدم صحة وجود اتفاق على إزالة المتاريس. وأوضح في بيان أن "الحواجز ولجان الأحياء وجميع الثوار هم الضامن لتحقيق كل شروط الثورة والوصول بها إلى غاياتها. نؤكد أن هذه المتاريس بُنيت بعرق الثوار ودمائهم، ولن تُزال أو تُمس إلا بقرار من الثوار أنفسهم".

وتعد مدة الفترة الانتقالية من أبرز نقاط الخلاف بين الجانبين. إذ سبق أن أعلن المجلس أن هذه الفترة تمتد إلى سنتين، غير أن المعارضة تتمسك بأربع سنوات كحد أقصى لإعادة هيكلة بناء الدولة.

اقتراحات المعارضة

قالت قوى الحرية والتغيير، في بيان، إنها لم تتفق بعد على النسب في المجلس السيادي. لكن البيان شدد على ضرورة اتفاق الطرفين على أن الأولوية هي لتحديد الهياكل الانتقالية كافة وصلاحيات كل منها.

وذكر البيان أن تقديم الاقتراحات من قبل الطرفين سيتم خلال الـ 24 ساعة المقبلة، وهو ما سيعمل على تحديد الصلاحيات والعلاقة بين الهياكل في المؤسسات الانتقالية المختلفة.

وأكدت المعارضة أن الاعتصام أمام مقر القيادة العامة للجيش السوداني، في وسط الخرطوم، مستمر، وأنها "ستواصل تسيير المواكب الاحتجاجية حتى تحقيق أهداف الثورة والتغيير كافة"، مشيرة إلى أن أهمها "مدنية السلطة الانتقالية بصلاحياتها التنفيذية والتشريعية كافة". وأضافت "لن يثنينا عن ذلك لا زمان ولا مكان ولا طقس وترتيباتنا قائمة على هذا الأساس".

ويُعد اجتماع الاثنين، الثالث للجنة المشتركة، التي شُكلت قبل حوالي أسبوع عقب تعليق قوى إعلان الحرية والتغيير التفاوض مع المجلس، قبل أن تعلن عودتها لاحقاً. وهو‎ الرابع بين الجانبين‎ منذ عزل الرئيس السابق عمر البشير في 11 أبريل الحالي.

بوادر خلافات المعارضة

يواجه تحالف نداء السودان، أحد التحالفات السياسية الثلاثة المكونة لقوى الحرية والتغيير التي تقود الاحتجاجات، بوادر خلافات بين مكوناته التي تضم أحزاباً سياسية وفصائل عسكرية مسلحة. إذ قالت الجبهة الثورية، التي تضم حركات دارفور المسلحة، إن الوفد الذي يفاوض المجلس العسكري باسم قوى الحرية والتغيير لا يمثلها، كمؤشر على أول بوادر التصدّع بين التحالفات السياسية والعسكرية، التي أسقطت نظام البشير.

ورفضت الجبهة الثورية، في بيان، ما سمّته "تجاوز المؤسسية داخل نداء السودان وتغييب الجبهة الثورية عن المفاوضات مع المجلس العسكري".

وتضمّ الجبهة الثورية حركة تحرير السودان، بقيادة مني أركو مناوي، وحركة العدل والمساواة بقيادة جبريل إبراهيم والحركة الشعبية- قطاع الشمال، بقيادة مالك عقار.

وتخوض حركتا مناوي وجبريل قتالاً مع القوات الحكومية في دارفور منذ العام 2003، فيما تخوض الحركة الشعبية- قطاع الشمال حرباً في ولايتَي النيل الأزرق وجنوب كردفان.

وأشارت الجبهة الثورية، في بيانها، إلى أنه منذ بدء العملية التفاوضية مع المجلس العسكري، سعت بعض القوى إلى تغييب متعمد للجبهة من الاجتماعات المنعقدة كافة، عدا اجتماعاً واحداً، ولم تعرض أي من نتائج لقاءات لجنة الاتصال على مجلس رئاسة نداء السودان ولا على أمانته العامة.

وقالت إن بعض الأطراف في قوى الحرية والتغيير سعت إلى تقديم ترشيحات لشغل المناصب من دون وضع معايير، ومن دون الاتفاق حول شكل التمثيل ونوعه ومن دون إستراتيجية واضحة المعالم في ما يتعلق بالمحاصصة بين الأجسام المكونة لقوى الحرية والتغيير.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وأضافت أن "الرؤية السياسية التي قُدّمت إلى المجلس العسكري وما ترتب عليها من ترشيحات ومقترحات أمر غير متفق عليه ولا يمثل نداء السودان ولا الجبهة الثورية".

ويُعد ذلك الخلاف الأول بين فصائل المعارضة، الذي يخرج إلى العلن منذ بدء موجة الاحتجاجات في البلاد قبل حوالي أربعة أشهر. ويكتسب وجود حركات دارفور المسلحة في تحالف الحرية والتغيير أهمية بالغة لكونه ضامناً لمعالجة ملف الحرب المستمرة في الإقليم دارفور منذ 15 عاماً.

وتنضوي الجبهة الثورية داخل تحالف نداء السودان، الذي يضم حزب الأمة القومي بقيادة الصادق المهدي وحزب المؤتمر السوداني بقيادة عمر الدقير، وأحزاباً وتكوينات أخرى صغيرة.

وإضافة إلى تحالف نداء السودان، تضمّ قوى الحرية والتغيير تحالف الإجماع الوطني، الذي يضم أحزاباً أبرزها الشيوعي والبعث، وكذلك التحالف الاتحادي المعارض والقوى المدنية وتجمع المهنيين السودانيين.

خلافات مكبوتة

يشير المحلّل السياسي البشير عبد القادر إلى أن تحالف نداء السودان له هيكلة داخلية محفزة على الدخول في خلافات أو تقاطعات بين مكوناته. ويضيف "زعيم النداء الصادق المهدي كان يشدّد قبل بدء موجة الاحتجاجات على وضع مسارَين للتحالف. الأول يقوم على المسار السياسي، الذي تتبناه الأحزاب المكوّنة للنداء وأبرزها حزب الأمة والمؤتمر السوداني. والثاني يقوم على المسار العسكري، الذي تقوده الفصائل المسلحة التي تخوض النزاع العسكري مع الحكومة".

ويوضح عبد القادر أن التحالف يعتمد مسارين متعارضين. إذ يشدد زعيمه على أن النضال المدني هو الطريق الأمثل لتحقيق تطلعات المواطنين، وفي الوقت ذاته يضع يده بيد فصائل ترى أن الحل العسكري هو الأنجع لحالة الاحتقان التي يعيشها السودان.

ويمضي بالقول إن "مسألة تقاطع مصالح المسارين داخل التحالف الواحد واردة. وعلى الرغم من أن موجة الاحتجاجات أفضت إلى متغير سياسي كبير تمثل في عزل البشير، إلا أن ذلك يمثل الخطوة الأولى لعدد من المراحل، التي ستتباين فيها وجهات النظر بين المتمردّين العسكريين والمعارضين السياسيين".

وينبّه مراقبون محليون إلى أن قضية السلام والديمقراطية لا تجد حظها في النقاشات المفتوحة الآن بين المجلس العسكري والمعارضة. وهذا بدوره يضع حملة السلاح في خانة المراقب المتحفز والمتخوف من الطرفين، خصوصاً أن النقاشات تتطرق بصورة دائمة إلى شكل هياكل الدولة والسلطة التنفيذية والتشريعية، والمجلس الرئاسي واختصاصاته، من دون أن تتحدث بوضوح عن قضية الحرب والسلام، التي أضرت بأجزاء واسعة من غرب البلاد وجنوبها. كما أن مصير تلك القوات وقادتها لم يفتح للنقاشات العلنية حتى الآن.

ويذكر عبد القادر أن التفاصيل المتعلقة بقضية الحرب والفصائل العسكرية، ينبغي توضيحها. "صحيح أن إعلان الحرية والتغيير تطرق إليها في عدد من جزئياته، كما تناولتها التحالفات المعارضة في وثائق متعددة، لكن طرحها الآن له أهميته الكبيرة، من أجل تحقيق توافق سياسي وضمان تحقيق استقرار في المرحلة المقبلة في حال تم التوافق على شروط الانتقال السياسي في السودان"، كما قال.

المزيد من العالم العربي