Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

قراءة في الذرائعية (الحلقة الرابعة)

يعد ريتشارد مكاي رورتي أول من قام بتطوير هذه الفلسفة

الفيلسوف الأميركي ريتشارد رورتي (أ ب)

بينا في الحلقة السابقة التغيير الفعال الذي أحدثه القطب الثالث في الذرائعية جون دوي، خصوصاً بعد ملامسة المجتمع الأميركي في الجانبين العلمي والسياسي في تماثل صدقية الفكرة وتطبيقها. فالمعرفة الإنسانية ليس لها واقع خارجي، بل إن الواقع نحن نصنعه بوجودنا.

الذرائعية المحدثة

يعد ريتشارد مكاي رورتي (1931-2007) أول من قام بتطوير الفلسفة الذرائعية التقليدية، التي شيدها المؤسسون بيرس وجيمس وديوي، لتواكب المعطيات والمتغيرات الحياتية والعلمية والاجتماعية، لا سيما أن بنية هذه الفلسفة مرتبطة بالواقع العملي أصلاً، فجاء كتابه "الفلسفة ومرآة الطبيعة" (1979)، إيذاناً بانبثاق الذرائعية المحدثة، إذ يقول إن "هذا الكتاب هو استقصاء لبعض التطورات الحديثة في الفلسفة، وبخاصة الفلسفة التحليلية، من وجهة نظر الثورة المناهضة إلى الديكارتية والكانتية التي وصفتها للتو. الهدف من الكتاب هو تقويض ثقة القارئ في 'العقل' كشيء يجب أن يكون لدى المرء وجهة نظر 'فلسفية'، في 'المعرفة' كشيء يجب أن تكون هناك 'نظرية' وله 'أساس'، وفي 'الفلسفة' كما تم تصورها منذ كانت. وبذلك، فإن القارئ الذي يبحث عن نظرية جديدة حول أي من الموضوعات التي يتم وصفها سيصاب بخيبة أمل. على الرغم من أنني سأبحث عن حل لمشكلة العقل والجسد، فإن هذا ليس من أجل تقديم فكرة واحدة، ولكن لتوضيح سبب عدم اعتقادي بوجود مشكلة. بعبارة أخرى، على الرغم من أنني أناقش 'نظريات مرجعية'، فإنني لا أقدم واحدة، ولكني أقدم اقتراحات فحسب، حول سبب تضليل البحث عن مثل هذه النظرية. الكتاب، مثل مؤلفات الفلاسفة الذين أفتخر بهم أكثر، هو كتاب علاجي وليس بناء. ومع ذلك، فإن العلاج المقدم هو طفيلي على الجهود البناءة للفلاسفة التحليليين، الذين أحاول وضع إطار مراجعهم موضع تساؤل. ولذلك، فإن معظم الانتقادات الخاصة للتقليد التي أقدمها مستعارة من فلاسفة نظاميين مثل، سيلار وكوين وديفيدسون ورايل ومالكوم وكوهن وبوتنام". (طبعة إنجليزية).

إن الفلاسفة المشار إليهم أعلاه، خصوصاً بوتنام وديفيدسون وكوين من الذرائعيين التحليليين المهمين في تجديد هذه المدرسة الفلسفية، ثم تبعهم إسحق ليفي وسيدني هوك وسوزان هاك وآخرون، حتى صارت الذرائعية الأميركية المعاصرة لها أتباع من خارج الولايات المتحدة، منهم عالم الاجتماع البرازيلي روبرتو أنجرو، وفي فرنسا برونو لاتور وميشيل كروزنييه ولوك بولتانسكي ولوران يتفنو وغيرهم، وفي بلدان غربية أخرى، وأصبح المفهوم الأوسع للذرائعية يرتكز محوره على "الفكر الإنساني" بإقامة المؤتمرات والندوات والمنفعة والتقدم الاجتماعي، والابتعاد عن المفهوم التقليدي المألوف في تعريف "الحقيقة الموضوعية" كما نصت عليها فلسفة العصر الحديث بمختلف مدارسها، من ديكارت وكانت وهيوم ومَن بعدهم. 

ولا يخفى أن الثقافة الأميركية وما تمثله من نموذج الحضارة الغربية لعبت دوراً واضحاً في مختلف أرجاء العالم، خصوصاً بعد انهيار الاتحاد السوفياتي في 1991، وتلاشي المنظومة الاشتراكية من شرق أوروبا في 1992، وتراجع الشيوعية في أميركا اللاتينية وشرق آسيا، وانفتاح الصين الاقتصادي بعد تعديل المفهوم الاشتراكي، إذ أسهمت في تمدد الذرائعية بصور أو أخرى، على الرغم من سلسلة الحروب وممارسات القمع الوحشية التي تنتهجها السياسة الأميركية. 

على أي حال، يتميز عمل رورتي الجديد في نقل مركزية الذرائعية من التجربة إلى اللغة، كونها متغيرة عرضية وليست ثابتة ومقدسة، فهي الوسيط بين الذات والموضوع، أو الإنسان والعالم، فاللغة تقوم بتمثيل الواقع ونسخه في الذهن، إضافة إلى أنها أداة يتم الحكم عليها بمقدار منفعتها من ناحية، وبالمرونة التي تبديها حيال الذات لتمكنه من الابتكار في استخدامها من ناحية أخرى. كما أن اكتساب اللغة يقترن دوماً باستخدام الكلمات بغية توصيل المعنى وفق الأساليب المعروفة. وعلى هذا الأساس يرى رورتي، أنه لا يمكن تطبيق الأسلوب الدراسي في موضوع العلوم الإنسانية على موضوع العلوم الطبيعية، إذ لكل منهما أسلوبه الدراسي الخاص، وطريقة توصيل المعنى. 

والهدف من هذه الرؤية التحليلية تبيان المفهوم الذرائعي الجديد إلى الإنسان والعالم. فالماهية، يعدها رورتي، وهماً زائفاً ينبغي علينا ألا نخوض فيه، والأجدر التخلي عنه، وبذلك يقف ضد الفكرة التي تتفق عليها معظم الفلسفات، مثل العقلانية والوجودية والوضعية وغيرها، من أن ماهية الإنسان تعكس العالم الخارجي بشكل مطابق لانعكاس الشيء في المرآة. وبحسب رأي رورتي، فإن ما يدعيه الفلاسفة في معرفة الماهية، غايته حصر واحتكار المعرفة عندهم من دون سواهم. كما أن هذا الاتجاه في اللاماهوية يروم إلى استبعاد مفهوم الماهية تماماً من كل أنواع المعرفة، إذ ليس للمعرفة الفلسفية أو اللغة أو الأخلاق أو كل ما يتصل بالإنسان والعالم والكون أي ماهية تذكر، وعلى الإنسان أن يهتم ويركز على لغته وذاته وحياته، ويترك البحث عن "الحقيقة والمعرفة المطابقة"، وما يتعلق باللغة الكونية الصادقة أو مفهوم الأساس اليقيني. 

ومن دحض الماهية إلى تنكر التماثل، وفق رأي رورتي، فإن استمرار المشكلات التقليدية في نظرية المعرفة، وعبر تاريخ الفلسفة، يكشف أنه ليس فيه أجوبة نهائية بخصوص البحث في الحقيقة والتماثل، وبذلك علينا أن نتجاوز مثل هذه المفاهيم التي لا وجود لها خارج أذهاننا أو لغتنا. ولهذا أشار في الصفحة الأولى من كتابه "النسبية الموضوعية والحقيقة" إلى أن "كل من لا ينظر إلى المعرفة بوصفها امتلاكاً للواقع امتلاكاً حقيقياً، وإنما هو مجرد امتلاك لعادات في العمل تستهدف التلاؤم مع الواقع" (طبعة إنجليزية).

ويشير رورتي في نزعته اللاتماثلية، إلى أنه "ليس بمقدور أذهاننا أو لغتنا أن تنفصل عن الواقع" وتكون مستقلة أكثر مما تقدر عليه أجسامنا أن تفعل. وبذلك، ليس باستطاعة عنصر معين أن يمثل البيئة أو يتطابق معها بطريقة يعجز عنها عنصر آخر غيره. ويؤيده في هذا الاتجاه دونالد ديفيدسون (1917-2003)، الذي يرى، أن مجمل "المعتقدات سواء كانت صحيحة أو خطأً"، فإنها لا تمثل شيئاً البتة. ولهذا يدعو ديفيدسون إلى التخلص من التمثلات والتطابقات تخلصاً نهائياً. وهذا يعني، أن الذرائعية المحدثة تولي اهتماماً خاصاً بما يحيط بالإنسان في تشكيل معارفه ومعتقداته وقناعاته، إذ لا يوجد انفصال حقيقي للبيئة عن الإنسان، ويجب عليه أن يمتلك مفاهيم نافعة من أجل التلاؤم معها. 

عموماً، يذهب رورتي في رفضه الماهية والتماثل إلى جعل تأسيسية نظرية المعرفة عملاً باطلاً، وهذا العمل اللاتأسيسي يراد منه تفكيك وتدمير ما كانت تسلم به الحداثة والانتقال إلى ما بعد الحداثة. فكل ما كان يعد يقيناً في الفلسفة والعلم والأدب والتاريخ والقانون... إلخ، تعمل اللاتأسيسية إلى تقويضه وتحويله إلى نزعة لا يقينية تجاه المعايير المجردة وغيرها. وهذه النزعة التفكيكية ترجع إلى جاك دريدا (1930-2004) في كتبه الثلاثة التي نشرها عام 1967، ورورتي نفسه يعترف بتأثير دريدا على الذرائعية المحدثة بخاصة، والثقافة الأميركية عامة. مع أن هذا التفكيك التدميري، بحسبما يبغي رورتي، ليس المراد منه إعادة بناء تأسيسات معرفية جديدة، بل إلى استبعاد المشكلات الزائفة في النزعة التماثلية لا أكثر، فالمعرفة بالقدر الذي لا تنفصل عن سياقها التاريخي، فإنها تنشأ ضمن ممارسات الجماعة في مجتمع بعينه، وبذلك تكون استساغة المعرفة إزاء الأفراد الذين يعيشون ضمن الجماعة نفسها، وكلما كان تسويغ المعرفة أو المعتقد بين الأفراد الذين يتقاسمون الحياة الاجتماعية أدى إلى مزيد من اعتماد الناس على أنفسهم. 

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

إن الصياغات الذي وضعها رورتي شملت إعادة تأويل المفاهيم الفلسفية أيضاً، فكما نقل المركز المحوري للذرائعية المحدثة من التجربة إلى اللغة، كذلك نقل الفلسفة من وصفها بحثاً نظرياً في المعرفة إلى قاعدة عملية حيوية تخدم المجتمع الديمقراطي، إذ حاول فيها إعادة ما ذهب إليه ديوي بإسقاط التأمل النظري ورفع الممارسات الاجتماعية عبر تجسيد الديمقراطية. وكذلك في إبراز فكرة المجتمع المكافح الساعي إلى تحقيق الإبداع والاتفاق بين أفراد المجتمع التعددي والحوار الديمقراطي. فإعادة تأويل الموضوعية بوصفها نتاج اتفاق ناجم عن حصيلة التفاعل المتبادل بين الناس ومن خلال الحوارات الديمقراطية، وليس كونها وجود الذهن أو اللغة وجوداً مستقلاً عن الواقع.

بالنسبة إلى رورتي، وعلى نهجه باقي الذرائعيين المحدثين، يرى أن عوامل التنوير والحداثة كونت للفلسفة هالة قدسية مزيفة موروثة من الدين، وعلينا التجرد من هذا الوهم وتحرير الفلسفة بدحض مفاهيم الماهية والتماثل، وبذلك ستقترب الفلسفة من عموم الثقافات الإنسانية المختلفة، والتعايش فيما بينها من خلال التسامح المتبادل واتفاق الذوات والحوار مع الآخر المغاير، ما يؤدي إلى تجاوز الحداثة والاتجاه نحو ما بعد الحداثة كونها الأكثر أهمية للعالم، حيث مجالات الآفاق والانفتاح الثقافي العالمي.   

وعلى حذو رورتي الفلسفي، جاء هيلاري وايتهال بوتنام (1926-2016) في كتابه "الكلمات والحياة" (1994)، إذ يتجه نحو تحديد وتعديد الأفكار التي تقوم عليها المفاهيم الذرائعية الجديدة، وهي: الشكية والتخطيئة واللاثنائية والتجربة. المفهوم الأول، في الفكرة القائلة إن الإيمان بالشك الفلسفي يتطلب كثيراً من المبررات مثل المعتقدات الأخرى. والمفهوم الثاني، الرأي الذي ينص على أنه لا توجد ضمانات غيبية تجاه الحاجة لمراجعة معتقد ما. أما المفهوم الثالث، فيتعلق بالحقائق والقيم. والمفهوم الرابع، في التفسير التجريبي بما ينبغي، ويعد أمراً متقدماً في الفلسفة.

ومن مؤلفات بوتنام، "الذرائعية: سؤال مفتوح" (1995)، و"التنوير والذرائعية" (2001)، وغيرهما، إذ يحاول بوتنام تقديم هذه المدرسة من منظور تحليلي دقيق يهدف إلى كشف عيوب الفلسفة عموماً. وكذلك اهتمامه باللغة كبديل للتجربة، أو أن فلسفة اللغة أكثر أهمية من مهمة فلسفة العقل، كما وضحها ديفيدسون، خصوصاً في مجموعة مقالاته التي نشرها في خمسة أجزاء موسومة "الحقيقة واللغة والتاريخ"، إذ سعى إلى اكتشاف وتبيان العلاقات بين اللغة والعالم، ونية المتحدث والمعنى اللغوي، واللغة والعقل، وكذلك تشابك العلاقة القائمة بين العقل والجسد، والعقل والعالم، والعقل تجاه العقول الأخرى. لذلك كان ديفيدسون يسأل: ما دور مفهوم الحقيقة في هذه الاستكشافات، وهل يمكن لوجهة نظر عالمية أن تفسح المجال للفكر الإنساني من دون اختزاله إلى أي شيء مادي أو آلي؟

كانت أجوبة ديفيدسون تسير بالتوافق مع تنظيرات رورتي وبوتنام في مفاهيم الذرائعية المحدثة، التي خلطت أيضاً بين أفكار ونظريات معاصرة أثرت في الفلسفة الذرائعية بصفة خاصة، والثقافة الأميركية بصفة عامة، سواء مع طروحات دريدا وراسل وغيرهما، لكنها امتلكت عالميتها الأميركية.

المزيد من آراء