Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الحدادة العربية "لا تشيخ" في طرابلس لبنان

ارتفعت كلفة الأدوات بسبب غلاء المواد الأولية فيما استمرت أجرة اليد العاملة على حالها

كأن الزمان توقف داخل ورشة وليد الحاج يوسف في منطقة السويقة عند الضفة الشرقية لنهر أبو علي في شمال لبنان. فهناك، دبت الحياة على أكتاف القوة منذ 60 عاماً، عندما بدأ الحرفي وليد مسيرة لَي أعناق الحديد، وإبداع الأدوات التي تعين المزارع والصناعي في أعمالهم اليومية. 

تشكل عيناه الزرقاوان وشعره الأبيض وعفويته في الكلام ولهجته الطرابلسية المحببة عناصر جذب إلى هذا الشيخ الكبير. ويزداد منسوب الإعجاب عندما يبادر "الحرفي" للبدء بعمله "دق الحديد". يثبت الحاج وليد من خلال جهده ومرونة حركته، أن العمر مجرد رقم، لهذا لا يمكن للإنسان الاستسلام لعداد الزمن، واعتبار الشيخوخة والتقاعد قدراً محتماً لا يمكن مقاومته. 

مدرسة الطفولة

في محترف وليد الحاج يوسف "معزوفة" لا تتغير، تلك الناجمة من "دق الحديد". بدأ "النحات" كما يسميه معارفه مسيرته المهنية في عمر 13 سنة، حيث تعرف باكراً على مهنة "الهدادة" على حد تعبيره، فهذه الحرفة تنهك الجسد وتضنيه بسبب صعوبتها. هذه المصلحة هي "مصلحة تعب"، و"القيمة ليست للحديد وإنما للجهد الشخصي والعرق الذي يبذله الحرفي". 

شعر وليد ببعض الزهو والإعجاب بالذات عندما شاهد في أيام الشباب أحد أفلام فريد شوقي، عندما كان يروي قصة شاب محكوم بالأشغال الشاقة، وكانت العقوبة بـ "دق الحديد"، وليس تحطيم الصخور، فوجد أنه مارس لسنوات طوال مهنة لا يطيقها الناس لأوقات قصيرة.  

يؤكد وليد أنه قديماً لم تكن هناك أدوات نفخ كهربائية، لذلك تعلم العمل وفق الطرق التقليدية القديمة التي تعود إلى آلاف السنين، وهو يستمر باعتمادها حتى الآن لأنها تعطي نتائج مميزة. 

 

يقصد الزبائن الحاج وليد من المناطق البعيدة، يأتيه المزارعون من عكار، والهرمل، وأقاصي جرود الضنية من سير والسفيرة. فهو يمتاز بالصناعة اليدوية لكافة الأدوات الزراعية "المعدور، المهدّة، الفرّاعة، سكك الفلاحة، سكك الجرارات الزراعية، مقارص، مخالع صخر، والأسافين". كما يمتهن صناعة السيوف والحديد المنزلي المزخرف، ويتعهد بصناعة أي قطعة نفيسة، معتمداً شعار "لا تقل أنه لا يمكنك إنجاز الأشياء الجديدة، ويمتاز الحرفي بالإصرار على التجربة"، لأن "الحرف كلها تقوم على النظر وتشغيل العقل وكمبيوتر الإنسان".

ارتفعت كلفة الأدوات بسبب "غلاء المواد الأولية، الحديد والفولاذ"، فيما استمرت أجرة اليد العاملة على حالها. يرفض الحرفي الماهر تقييم سلعته على ضوء حجمها وقياسها، لأن الأهمية للوظيفة والخدمة التي تقدمها للإنسان، يرشدنا إلى "البانسة المعدّلة" - الملقط الذي ابتدعه من أجل إمساك الأدوات الحارقة. كما أن الهامش الزمني ليس جامداً في هذه المهنة، حيث تتفاوت مدة الإنتاج "حسب تيسير الأمور".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

حرفة القوة

على وجهه وجسده، حفرت مهنة "الحدادة العربية الدق" آثاراً عميقة، وتركت رجلاً صلباً، لا يكل ولا يمل من العمل، يبدأ نهاره منذ السادسة صباحاً، وتصحبه المهنة حتى ساعات متأخرة، إذ يقول إنه "عندما تواجهه مشكلة صعبة في العمل، يستمر في التفكير في كيفية حلها، ويستمر في تقليبها في رأسه حتى يصل إلى حلها، وفي الصباح يعود إلى الورشة لتنفيذها". وتفاجئ الحلول والتصاميم التي يبتدعها وليد زبائنه، لأنه لم يحصّل علومه النظرية في أقسام الدراسات العليا للجامعات الرصينة، وإنما نتاج خبرة وجهد طويلين. 

اكتسب وليد مناعة تجاه الأمراض، فقد اكتسب جلده مناعة من مزيج النار، والحديد. كما أن رئتيه تقاومان رائحة الفحم التي تعلق بحنايا الأنف والجسد.    

ذاكرة المدينة

يعد وليد أحد الوجوه الحرفية المشهورة في مدينة طرابلس، يبادر المارة والزوار بتشبيهه بـ "أبو النار" الذي يلعب دور الحداد في مسلسل باب الحارة. 
يستذكر الحاج وليد أنه بدأ مسيرته الحرفية "عندما طاف نهر أبو علي"، حيث عاد في اليوم الثاني الحرفيون إلى دكاكينهم، ليجدوها دفنت بالطين، كما تغيرت معالم المنطقة، اختفت البيوت، وغرق كثير من الناس، كما انجرفت الأدوات المستخدمة في العمل. ويلفت أن "صورة الطوفان ما زالت في ذهنه، حيث تبعثرت خزنات التجار، وسحبتها المياه إلى مصب النهر عند شاطئ البحر". 

يشير وليد إلى أنه آنذاك كان يوجد نحو عشرة محلات، أما اليوم تقلص عددهم، وبات هو "أكبر الحدادين عمراً وخبرة". ويأسف للحال التي بلغها المواطن اللبناني، الذي أحرقته "نار الغلاء"، مترحماً على "أيام الخير" وعهد الرئيس كميل شمعون.  

بين جيلين

يساعد أحمد والده في إنجاز أعماله الصعبة و"الدق"، ويصر الحاج وليد على ابنه من أجل إعطاء الأهمية لأدق التفاصيل. يعثر الرجلان على حلول "ابنة ساعتها"، وهذا ما يميّز "الحرف اليدوية التقليدية" فهي ليست مهن جامدة، تقوم على إرشادات استخدام جاهزة، وإنما تعتمد على مخيلة وذكاء الحرفي. 

يعترف وليد أن هذه المهنة تعكس بعض القسوة والعناد على شخصية من يمارسها، لأنها تنمي القوة الجسدية للرجل، وتضعه على احتكاك مباشر مع صلابة الحديد، وقوة النار.  

يستغرب وليد إقبال الشباب على نوادي "الحديد" وكمال الأجسام لتنتفخ أجسادهم وتتضخم، فيما يعجزون عن "دق الحديد الحقيقي"، لأن هذه الحرفة تعد بمثابة مدرسة للإرادة. 

لن يتقاعد الحداد وليد الحاج يوسف عن حرفته التي دخلت في تفاصيل حياته كلها، قائلاً "سأستمر في العمل حتى الموت"، ويصر على الاستمرار في مهنة الأشغال الشاقة لأننا "مقبلون على أيام صعبة، ومن لا يشتغل في موسم الغلاء يتبهدل". 

المزيد من تقارير