Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

أزمة الحدود بين السودان وإثيوبيا تراوح مكانها

الخرطوم توافق على مبادرة إماراتية لحل الخلاف وأديس أبابا تؤكد أنها لا تريد الانخراط في أي حرب

لاجئ إثيوبي هارب من النزاع في إقليم تيغراي عند وصوله إلى مخيم في شرق السودان (أ ف ب)

ما زالت جهود حل أزمة الحدود بين الجارتين السودان وإثيوبيا حول أراضي (الفشقة) تراوح مكانها، من دون وجود بارقة أمل تلوح في الأفق، وكل طرف متمسك بموقفه، فالسودان أكد على لسان رئيس مجلس السيادة عبد الفتاح برهان، بأنه ما لم يحصل أي اعتراف من الجانب الإثيوبي بأن هذه الأراضي سودانية ووضع العلامات الحدودية لن يتم التفاوض مع أي جهة.

في حين ربطت أديس أبابا في وقت سابق، قبولها الدخول في المفاوضات بشرط سحب الخرطوم جميع قواتها إلى مواقعها في حدود ما قبل نوفمبر (تشرين الثاني) 2020. 

لكن رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد أكد الثلاثاء 23 مارس (آذار) الحالي، أمام البرلمان الإثيوبي، أن بلاده لا تريد الانخراط في حرب مع السودان، وأن لدى إثيوبيا كثيراً من المشكلات، ولا استعداد لديها للدخول في معركة. منوهاً بقوله "لا نحتاج حرباً، من الأفضل تسوية المسألة بشكل سلمي، فالسودان بلد شقيق يحب شعبه إثيوبيا". 

وفي هذه الأثناء غادر وفد وزاري سوداني الخرطوم أمس الجمعة، برئاسة وزيرة الخارجية مريم الصادق المهدي، متوجهاً إلى العاصمة أبوظبي للتباحث مع القيادة الإماراتية حول مبادرتها للوساطة بين السودان وإثيوبيا في قضية الخلاف الحدودي بين الدولتين.  

وبحسب بيان صادر من الخارجية السودانية، فإن استجابة السودان لهذه المبادرة، تأتي إبداء منه لحسن النوايا، ومراعاة لحسن الجوار، والتمسك بالحلول السلمية عبر الحوار، في ما لا يمس السيادة الوطنية، وحق الخرطوم في أراضيها. 

حرب نفسية 

وتعليقاً على تطورات الأحداث على صعيد هذه الأزمة، أوضح المتحدث السابق باسم الجيش السوداني اللواء ركن معاش الصوارمي خالد سعد، في حديثه إلى "اندبندنت عربية"، "أعتقد أن العبارات التي بدأت تطلقها القيادة الإثيوبية بأنها لا ترغب حرباً مع السودان لحسم خلافها الحدودي، تدخل في دائرة الحرب النفسية، لأن الحرب لا تعلن بصورة مباشرة، فدائماً ما يخفى توقيتها، وكذلك تخفى وجهة الجيش، بالتالي أي حديث من هذا القبيل يتعامل معه العسكريون بحذر شديد، ولا يأخذ محمل الجد إلا إذا تبعته الأفعال، أما إذا كان مجرداً من الأفعال فيصبح لا قيمة له عسكرياً". 

وواصل الصوارمي، "سبق أن وافقت حكومة الخرطوم على أربع وساطات قدمتها جهات ودول مرموقة، وقابلتها إثيوبيا بالرفض، لذلك ليس من السهل أن تقبل أديس أبابا الوساطة الإماراتية المطروحة حالياً، التي أعلن السودان موافقته عليها، وهذا إن دل على شيء إنما يدل على عدم حسن النية لقبول مبدأ الوساطة من قبل الجانب الإثيوبي، وتفضيله خيار الحلول العسكرية التي يمضي نحوها بخطى حثيثة، فإثيوبيا تشعر أن الوساطة ليست في صالحها، لأن الاتفاقيات والمعاهدات الدولية القديمة منذ عهد الاستعمار الإنجليزي تشير إلى أن أراضي الفشقة محل الخلاف سودانية، حتى الاتفاقيات التي تمت بين الجانبين السوداني والإثيوبي في عهد نظام الرئيس الأسبق عمر البشير خلال فترة تسعينيات القرن الماضي، تفيد بالسماح للعمال والمزارعين الإثيوبيين بممارسة النشاط الزراعي فقط في منطقة الفشقة السودانية، بالتالي إن أي جهة تقدمت بوساطة بما فيها مجلس الأمن ستلجأ إلى تلك الاتفاقيات والخرائط التي اعتمدت في هذا الخصوص". 

وأبدى المتحدث السابق باسم الجيش السوداني، استغرابه بأن اتفاقية 1902 الموقعة في أديس أبابا بين إمبراطور إثيوبيا منليك الثاني، وبريطانيا نيابة عن السودان، التي حددت حدود البلدين بوضوح تام، هي ذات الاتفاقية التي قبلت بها أديس أبابا مع الصومال وأريتريا، لافتاً إلى أن الجانب الإثيوبي يلجأ إلى أسلوب المراوغة والاستنزاف العسكري، فضلاً عن كسب الوقت، حيث أن الحكومة الإثيوبية المنتهية ولايتها تعاني من مشكلات داخلية بخاصة في إقليم تيغراي، وهي يفترض أن تجري انتخابات عامة في البلاد، لكن لا تريد إبرام اتفاق ينفذ خارج إطارها. 

وأشار الصوارمي إلى أن هناك تعقيدات كثيرة داخل إثيوبيا تجعل أي حلول صعبة المنال، فمثلاً الجيش الإثيوبي يتكون من عشر مجموعات جهوية وعرقية وإثنية، ولكل مجموعة أجندة خاصة بها، وهو ما يجعل اتخاذ القرارات والحلول بطيئاً، لكن بشكل عام، إن أي اتجاه أو خطوة للجوء العسكري ليس في صالح أديس أبابا، وهي تدرك ذلك، لذا تعمل على شراء الوقت. 

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

تخدير ومناورة 

في سياق متصل قال المتخصص في إدارة الأزمات والتفاوض اللواء أمين اسماعيل مجذوب، لـ"اندبندنت عربية"، "في تقديري، إن آخر تطورات الموقف الإثيوبي اتجاه أزمة الحدود مع الخرطوم، المتمثلة في التصريحات الأخيرة لرئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد بقوله، إن إثيوبيا لا تريد حرباً مع السودان، تصب في كونها عملية تخدير، ومجرد مناورة وشراء للوقت، ولا تصب في اتجاه حل الأزمة، فأديس أبابا رفضت الوساطة الرباعية، ووساطة كل من جنوب السودان، والاتحاد الأوروبي، وبريطانيا، والآن تقدمت دولة الإمارات بوساطة لحل الخلاف الحدودي بين البلدين، وقد وافقت الخرطوم على هذه الوساطة، ويبقى الأمل في موافقة إثيوبيا عليها، لكن بشكل عام، إن موقف السودان من هذه الأزمة هو أن لا يتم التفاوض مع الجانب الإثيوبي إلا بعد وضع العلامات الحدودية بين الدولتين". 

وتابع مجذوب، "حل هذه الأزمة لا يتطلب المناورة، وإذا كانت القيادة الإثيوبية تريد اتخاذ خطوة إيجابية فعليها القبول بوضع العلامات حسب اتفاقيات 1902، وما حدث من تفاهمات عام 1972 ببقاء كل طرف في موقعه، والسماح للمجموعات السكانية على الأطراف بحرية التحرك والعمل، وتأجيل ترسيم الحدود السيادية حتى التوصل إلى اتفاق نهائي". مؤكداً أن الجيش السوداني متواجد حالياً داخل الأراضي السودانية، وما حدث في المنطقة الحدودية من الجانب السوداني، هو إعادة انتشار للقوات المسلحة السودانية، وليس حشداً للحرب، فهي نفس القوات التي كانت متمركزة في الولايات الشرقية للبلاد، وُجهت إلى منطقة الفشقة المتنازع عليها بين الدولتين، لكن لم يقم السودان بشراء أسلحة لتعزيز إمكانيات وقدرات جيشه لخوض حرب مع جارته إثيوبيا. ومع ذلك فإنه مستعد لكل الاحتمالات، ومنها خوض الحرب إذا أخطأت أديس أبابا وجنحت نحو العنف.  

وتوقع المتخصص في إدارة الأزمات والتفاوض ثلاثة سيناريوهات لحسم هذه الأزمة، أولها الموافقة على بدء عملية التفاوض بين الطرفين بإيجاد تفاهمات كما جاء في اتفاقية 1972، وذلك بأن تكون منطقة الفشقة متاحة للاستثمارات المشتركة بين الجانبين من أفراد وشركات، ثانياً استمرار الوضع على ما هو عليه، وفي هذه الحالة سوف تخسر أديس أبابا ميزات كثيرة جداً من أهمها التجارة البينية في مجال المحروقات والمحاصيل وبعض السلع الأخرى، وعودة نحو ثلاثة ملايين عامل إثيوبي إلى بلادهم، وثالثاً أن يصل النزاع إلى حرب محدودة خاطفة بين الطرفين ستمتد آثارها إلى دول القرن الأفريقي، ولكنه خيار مستبعد. 

توترات ونزوح 

وتشهد العلاقات السودانية الإثيوبية توترات منذ سيطرة السودان في ديسمبر (كانون الأول) 2020 على منطقة الفشقة الحدودية التي تبلغ مساحتها نحو 250 كيلومتر مربع، والتي كانت تسيطر عليها مجموعات من السكان الإثيوبيين بحماية مليشيات إثيوبية تسمى (الشفتة) لأكثر من ثلاثة عقود، ويعتبرها الجانب السوداني تابعة له بموجب اتفاقيات دولية تعود إلى عام 1902، فيما نددت إثيوبيا بهذه الخطوة وحذرت من تبعاتها. 

وأدت المناوشات الحدودية بين الدولتين إلى سقوط ضحايا من المدنيين والعسكريين، ما أثار قلقاً دولياً واسعاً، خصوصاً لتزامن تلك التوترات مع وقوع النزاع الداخلي الإثيوبي في إقليم تيغراي في نوفمبر الماضي، الذي نجم منه نزوح أكثر من 60 ألف إثيوبي إلى الأراضي السودانية. 

وتتميز أراضي الفشقة، التي تقع بمحاذاة إقليم تيغراي بخصوبتها الزراعية الملفتة، وهي مقسمة إلى ثلاث مناطق، هي الفشقة الكبرى، والفشقة الصغرى، والمنطقة الجنوبية. 

ويأتي هذا الخلاف الحدودي، في ظل التوتر بشأن سد النهضة الإثيوبي الذي ترى كل من السودان ومصر أنه يشكل تهديداً لإمدادات المياه لديها. 

المزيد من تقارير