اللصوص والقتلة في الدراما... الجمهور يقع في قبضة الخارجين عن القانون

"جعلوني مجرماً" و"ملاك وشيطان" و"‏‎Ozark‏" و"‎ La casa ‎de papel‏"... لماذا ينجذب الجمهور إلى الشر؟

مشهد من المسلسل الإسباني "لاكاسا دي بابل" (أ.ف.ب)

للشاشة سحرها، تخطف الأبصار، وتسلب الجمهور العقول، وتجعلهم يتورطون في التعاطف ومحبة اللصوص والقتلة، وأحياناً يذرفون عليهم الدموع إذا أصابهم مكروه، ويقررون الوقوف في صف ‏الخارجين عن القانون؛ ربما من باب الجري وراء المغامرة، ربما ‏لاكتشاف عالم مختلف، وربما لأن كل هذا العنف وكل هذا الضجيج وكل ‏هذه الجرائم تم تغليفها وتبريرها بشكل درامي مثير.

قصص المجرمين والقتلة التي تحمل بعداً ‏إنسانياً وخلفيات تجعل المشاهدين يتعاطفون مع أصحابها، شائعة منذ ‏بدايات السينما، وأخيراً بات هناك غرامٌ خاصٌ وهوسٌ بتقديم تلك ‏النوعيات من الأعمال على الشاشة، زاد حضوره بالإنتاج المتوالي لـ"نتفيلكس" التي بدورها حققت نجاحاً ملحوظاً ‏في دراما الجريمة.‏

هوس بدراما الجريمة
كانت القاعدة خصوصاً في الأفلام العربية أن المجرم يجب أن يبدي أسفه ‏وندمه على ما اقترفه، وعلى ما قدمته يداه من أذى، كشرط أساسي لأن ‏يربح عطف الجمهور، بالتالي كان يجب أن يبكي فريد شوقي معترفاً بذنبه ‏في "جعلوني مجرماً" قبيل خمسينيات القرن الماضي، وكان يجب أيضاً ‏أن يظهر رشدي أباظة ضعيفاً ومغلوباً على أمره ومصاباً ومهدداً بفقدان ‏حياته، كي يسامحه المشاهد على وضعه السم في اللبن في محاولة منه ‏لقتل "سوسن" الطفلة الصغيرة التي تنادي ببراءة "أونكل عزت" في فيلم ‏‏"ملاك وشيطان" إنتاج عام 1960، الجمهور أيضاً تعاطف مع اللص سعيد مهران، ‏الذي كان ينتقم ممن خانوه في "اللص والكلاب" إنتاج عام 1962.

 

لكن الأمر ‏بات أكثر رحابة بعد الاختفاء التدريجي لصورة البطل المثالي التقليدية، ‏الذي يمتلك شخصية ذات وجه درامي واحد، فلم يعد الجمهور يرحب به، وباتت العيون تترقب الشخصيات التي تؤدي أدوار الشر، خصوصاً إذا كان يمتلك كاريزما عالية، أو يتمتع بخفة ظل، أو تجبره الظروف النفسية والاجتماعية على خوض الأزمات والمغامرات، هنا سيحظى بمحبة الجمهور دوماً، وهو النموذج الذي يتسيد الشاشة منذ فترة، ويجسده تجار السلاح والمخدرات، إضافة إلى القتلة المأجورين والسارقين على نحو ما وقع مع مسلسلات مثل،  "‏La casa de papel‏ و"Peaky Blinders‎‏ و‎ Breaking Bad‏و‏The Fall و‏Ozark‏".‏

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

اللصوص يربحون حب الجمهور
لا يزال الجمهور ينتظر من "توماس شيلبــي" استكمال سلسلة جرائمه في ‏الجزء الخامس المنتظر من مسلسل "بيكي بلايندرز"، الذي تدور أحداثه في مدينة برمنغهام ‏الإنجليزية في أعقاب الحرب العالمية الأولى، حيث العائلة التي لا تتورع ‏عن ارتكاب كل أنواع الجريمة في سبيل الحفاظ على تماسكها ‏وسيطرتها على المحيط، وحقق العمل نجاحاً ساحقاً.‏

بيت من ورق
المشاهدون أيضاً على موعد في يونيو (حزيران) المقبل مع الجزء الثالث من قصة ‏‏"بيت من ورق"، المسلسل الإسباني الشهير "لاكاسا دي بابل"، الذي تدور أحداثه حول  ‏عصابة من الهواة، تنجح في السطو على دار صك العملة الإسبانية، ‏ويقودهم زعيم لديه رغبة جارفة في تحقيق حلم والده الراحل بالثراء، ‏انتقاماً من ظالميه. كذلك يتورط بطل "أوزارك" في جرائم غسل أموال ‏إضافية في سبيل الحفاظ على حياة أسرته، وفي "بريكينج باد" نجد ‏الجمهور يتعايش مع البطل المصاب بالسرطان الذي يحترف صنع وبيع ‏المخدرات ليترك لأسرته مالاً كافياً بعدما ظل سنوات يعمل أستاذاً جامعياً ‏وفي مغسلة سيارات، ليجد نفسه يعيش على الكفاف.

 

كل تلك القصص وغيرها تحقق مشاهدات عالية ويجد أبطالها تعاطفاً ‏من الجمهور، وكأن حكايات الخروج عن القانون باتت هي ‏المسيطرة على مزاج المشاهدين، وأيضاً على خطط شركات الإنتاج، حيث ‏الأبطال يدمرون حياة عشرات العائلات، بمبرر أنهم يحافظون على ‏أسرهم.

سر الصنعة
يقول الناقد السينمائي إيهاب التركي لـ"إندبندنت عربية"، "إن فكرة توبة البطل ‏وندمه تكون غالباً فكرة رقابية، سواء الرقابة الذاتية للمؤلف نفسه أو بطلب ‏من جهاز الرقابة، وهو ما حدث في أفلام عربية كثيرة شهيرة، وأشار إلى أن ‏تعاطف المشاهد مع اللصوص والمجرمين أمر تحدده عوامل نفسية ‏وشروط، بينها أن المشاهد يتعاطف مع شخصيات وقصص خيالية ‏وليس مع الواقع، فبالتالي يبدو هنا وكأنه في لعبة، كما أنه يتعاطف مع ‏شخص عرف عنه تفاصيل دقيقة من خلال سير الأحداث قد تجعله معجبا ‏به".‏

أضاف التركي: "هناك فرق بين أن أقرأ خبراً عن شخص ما سرق مبلغاً ‏من المال، وبين أن أكون على علم بتفاصيل الحياة اليومية لهذا ‏الشخص، ومن المعروف أن أشهر وأهم تيمة درامية للتعاطف مع اللص ‏هي تيمة (روبن هود)؛ الأمير المظلوم الذي قرر أن يحارب ظلم السلطة ‏وجشعها بسرقة الأغنياء وإعطاء المال للفقراء، وهي تيمة موجودة في ‏عشرات قصص الموروث الشعبي العالمي، ومنها في مصر ‏حكاية أدهم الشرقاوي".‏

 

يؤكد الناقد إيهاب التركي "أن التعاطف هنا والإعجاب في بعض الأوقات ‏يكون مع قدرة الشخصيات على تحدي السلطة الغاشمة، وانتزاع الحق ‏بطرق غير مقبولة قانوناً، مشددا على أن معظم أعمال الشخصيات ‏الخارجة عن القانون تكون جاذبة للمشاهد بشرط أن يصل للجمهور ‏إحساس أن هذه الشخصيات سارت في طريقة الجريمة تحت ضغط ‏ظروف قاسية، وهو ما حدث في أفلام مثل "جعلوني مجرما" و"اللص ‏والكلاب"، أو أن يكون الشرير جذاباً بتركيبة شخصيته المعقدة، مثل دون فيتو كورليوني في فيلم "الأب الروحي"ـ "‏‎The Godfather‏" في ‏سبعينيات القرن الماضي".

يختتم التركي حديثه بقوله "الأمر ذاته يتحقق أيضا حينما يكون المجرم لديه ‏قدرٌ عالٍ من الذكاء والجاذبية، مثلما حدث في مسلسل ‏La casa de ‎papel، فمن عوامل نجاحه ذكاء الخطة والحبكة وجاذبية البطل ورسم ‏الشخصيات بالطبع".‏

المزيد من فنون