Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

تركيا تبحث عن وسيلة لتحسين العلاقات مع مصر

أنقرة أصبحت تدرك مدى فداحة عزلتها التي تعيشيها في منطقة البحر الأبيض المتوسط

الرئيس التركي رجب طيب أردوغان (أ ف ب)

هناك علاقة تاريخية وثقافية قوية تربط بين تركيا ومصر، اللتين تحظيان بأهمية البالغة في الشرق الأوسط، وشرق البحر المتوسط. 

ويعد هذا الرابط اليوم من أهم العوامل المؤثرة على العلاقات بين البلدين، ولكن ذلك لا يعني أن العلاقات التاريخية والثقافية تكون فاعلة في جميع الأحوال. 

بالفعل، عندما استخدم حزب العدالة والتنمية مفهوم "العثماني الجديد، الخليفة"، وما شابه ذلك، قوبل برد فعل سلبي من القاهرة، لأنه من المعروف أن هذا الخطاب من الحكومة كان يشي بالرغبة في تصدير الأيديولوجية إلى الأراضي التي كانت تحكمها الإمبراطورية العثمانية، ولا تزال لديّ مخاوف عميقة حول ما إذا كان من المحتمل أن يواصل حزب العدالة والتنمية موقفه هذا.

لكن، يبدو أن أنقرة أصبحت تدرك مدى فداحة عزلتها التي تعيشها في منطقة البحر الأبيض المتوسط، ما جعلها تجد نفسها مضطرة إلى مراجعة بعض سياساتها أملاً في ترميم علاقاتها مع أصدقائها القدامى.

فلا تكاد توجد دولة في المنطقة لم تشهد أنقرة معها أزمة في الفترة القربية الماضية، فكان عليها أن تبادر بخطوات إيجابية نحو أصدقائها السابقين. وبالفعل، اتخذت الخطوة الأولى نحو السعودية من خلال إرسال رسائل سياسية إيجابية.

ونأمل أن تكون قد أدركت، في الوقت نفسه، أنه لن تنجح أي استراتجية في الشرق الأوسط بمعزل عن مصر أيضاً.

من ناحية أخرى، كان لإنهاء القطيعة بين قطر من جهة، والسعودية والإمارات ومصر من جهة أخرى، تأثير مباشر على التخفيف من دور تركيا التي وقفت بجانب قطر في أزمتها مع هذه الدول. ولعل هذا أيضاً كان من ضمن المحفزات التي جعلت أنقرة تحاول مد الجسور مع القاهرة.

من جانبها، قامت مصر أيضاً بخطوة إيجابية تجاه تركيا في الأسبوع الماضي، عندما تبين أنها راعت حساسيات أنقرة أثناء إعلانها عن مناقصة للبحث عن الطاقة الهيدروكربونية، وقد تم تفسير ذلك بأن مصر تفتح باب التفاهم وتلطيف الأجواء مع تركيا بمنطقة شرق البحر المتوسط، بحسب المراقبين.

وقد انعكس ذلك بالفعل على تصريحات وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو الذي رحب بالموقف الإيجابي الذي أبدته مصر باحترام الجرف القاري لتركيا، مشيراً إلى أن القاهرة اتخذت الموقف نفسه عندما وقعت في العام الماضي مع اليونان اتفاقية الترخيص البحري.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وفي الوقت الذي كانت هناك أزمة سياسية بين أنقرة والقاهرة، لم تكن العلاقات التجارية والاستخباراتية والعسكرية منقطعة تماماً.

ونعلم تماماً أن الرئيس رجب طيب أردوغان كان يحاول إيجاد حل وسط مع مصر منذ ما يقرب من خمس سنوات. فكانت الخطوة الأولى هي الدبلوماسية التجارية. وفي هذا الإطار تحققت اتصالات عديدة بين رئيس اتحاد الغرف التجارية والبورصات التركية، رفعت حصار جيكلي أوغلو، مع نظيره المصري أحمد الوكيل، حسب ما نقلته الصحف، ولكن وجود السفراء المتقاعدين والجنرالات في هذه الاجتماعات كان يضفي عليها طابعاً سياسياً أيضاً.

كما أنه كانت هناك لقاءات عديدة بين رئيس المخابرات التركية، هاكان فيدان، وفريقه والذي سماه أردوغان "مستودع أسراري"، وبين مسؤولين مصريين. وكانت النقطة الأكثر لفتاً للانتباه في هذه الاجتماعات هي وضع الخطاب الرسمي لحكومة حزب العدالة والتنمية جانباً.

وقد حضر هاكان فيدان هذه الاجتماعات بصفته ممثلاً للدولة، وليس عن حكومة حزب العدالة والتنمية. وبطبيعة الحال لقي هذا الأسلوب ترحيباً لدى الجانب المصري.

وقد جلب السير الإيجابي للاتصالات معها إشارات إيجابية متبادلة في تهدئة العلاقات، انعكست على عدم تضارب البلدين في المحافل الدولية.

وكانت الخطوة الأبرز عندما لم تستخدم تركيا حق النقض ضد مشاركة مصر في اجتماعات حلف شمال الأطلسي. فكانت البادرة الإيجابية من مصر بمثابة الرد على بادرة أنقرة.

ومن الواضح أن أنقرة هي الطرف الأكثر تحمساً للتهدئة مع القاهرة، ولذلك قلت في العنوان، إن "تركيا تبحث عن وسيلة لتحسين العلاقات مع مصر".

ومن المفرح أن القاهرة أيضاً تنظر - من حيث المبدأ -  بإيجابية إلى هذا الجسر السياسي الجديد، والتواصل مؤشر واضح على ذلك. غير أن القاهرة تعتزم تقييم التطبيع بناءً على الخطوات العملية التي ستتخذها أنقرة. وستتوقع القاهرة من أنقرة أيضاً استيفاء الشروط التي طلبتها سابقاً، وأهمها أن يوقف مسؤولو الدولة التركية، وخاصة أردوغان، خطاباتهم التي تحتوي على انتقادات شديدة للرئيس المصري عبد الفتاح السيسي. 

وأعتقد أن هذا لن يكون صعب التنفيذ. والشرط الثاني هو عدم السماح للمصريين المقيمين في تركيا والمرتبطين بجماعة الإخوان المسلمين بالعمل ضد الحكومة المصرية.

ومن المؤكد أن هذه واحدة من أكثر القضايا التي يتم الحديث عنها بين أجهزة الاستخبارات التركية والمصرية. وأنا متأكد من أن الحكومة التركية ستحاول إيجاد مخرج في هذه النقطة بطريقة ما.

والعنصر الثالث المهم أيضاً هو الوجود العسكري التركي في ليبيا؛ فمن المعلوم أن تركيا، التي تدعم الحكومة في طرابلس، جلبت عناصر ليست من الجيش التركي فحسب، بل نقلت عديداً من المسلحين الراديكاليين السوريين إلى ليبيا المجاورة لمصر. وهذا من البنود الأكثر إشكالية في النزاعات بين القاهرة وأنقرة.
إذا تم إنشاء بيئة داخل الأمم المتحدة لحل الأزمة الليبية، فأنا متأكد من أن كلا الجانبين سيتعامل مع الموقف بشكل إيجابي.

ومن الواضع أنه إذا تصالحت تركيا مع مصر فستكون لها إسهامات جيدة في حل قضايا شرق البحر الأبيض المتوسط، والقضية الفلسطينية، وعديد من المشاكل الأخرى في الشرق الأوسط.

مشكلتنا الوحيدة هي أن لدينا رئيساً ينكر اليوم ما قاله بالأمس.

المزيد من تحلیل