Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

تركيا تريد الجلوس إلى الطاولة مع اليونان

أنقرة تجني عواقب "دبلوماسية الزوارق" التي انتهجتها مع جيرانها في الاقليم

تركيا تعود إلى لغة التزلف بعد التلويح بالحرب (رويترز)

خططت أنقرة منذ البداية لاصطناع "أزمة مسيطَر عليها" مع اليونان عبر شرق البحر الأبيض المتوسط. لكن يبدو أن الأحداث لم تتطور كما أرادت تركيا، سوى أنها نجحت (!) في إضافة مشاكل جديدة لها، ليس فقط مع أوروبا بل أيضاً مع الدول المجاورة.

لم تؤدِ الدبلوماسية لحكومة أردوغان في السنوات الأخيرة إلى زيادة المشاكل فحسب، بل إلى تعقيد حل القضية القبرصية، وأصبحت قضايا شرق البحر الأبيض المتوسط ​​أكثر صعوبة وخطورة. كما أن هذا الموقف المتعنت من حكومة حزب العدالة والتنمية دفع بدول المنطقة إلى تطوير تحالفات مشتركة همَّشَتْ تركيا في مجالَي الطاقة والدفاع وغيرهما.

وفي حين كان من المتوقع أن تدرك أنقرة هذا الوضع وتتخلى عن أسلوبها المتشدد وتلجأ إلى دبلوماسية الحوار، اختارت تصعيد الأزمة. ولم تحصد من سياستها الخارجية تلك واستخدامِها قدراتها العسكرية كوسيلة للضغط على جيرانها إلا مزيداً من التعقيد في علاقاتها الدولية، واستبعاداً عن المشاريع الكبرى في المنطقة.

دبلوماسية الزوارق

إن الاستراتيجية التي تتبعها تركيا والتي تعرف في العلاقات الدولية بـ"دبلوماسية الزوارق الحربية" (GUNBOAT DIPLOMACY) أي استخدام السفن الحربية البحرية لتحقيق مكاسب دبلوماسية من خلال الضغط على الجهات الأخرى؛ أوشكت أن تُقحمها في هاوية صراع مسلح خطير في شرق البحر المتوسط، إذ ظل أردوغان يستخدم لهجة شديدة، أشبه بلغة الحرب، ضد اليونان التي هي أضعف نسبياً من تركيا اقتصادياً وعسكرياً، ما دفع بدول الاتحاد الأوروبي إلى التحرك.

حتى إن بعض أعضاء الاتحاد الأوروبي، مثل بولندا، الذين يُعتَبرون أكثر تسامحاً مع أنقرة، وكانوا يرون أن اتخاذ موقف أكثر إيجابية تجاهها أقرب إلى العقلانية، بدأوا الآن يعتقدون أنهم قوبلوا بالخذلان. 

وأصبح الأوروبيون يتساءلون: إلى أي مدى سنسمح لأردوغان بالمضي في هذا الموقف؟ ونحن على مشارف قمة قادة الاتحاد الأوروبي التي ستعقد في 10 ديسمبر (كانون الأول)، حيث من المتوقع أن تناقش العقوبات المحتملة ضد أنقرة.

لا ننسى أن قرار البرلمان الأوروبي باتخاذ عقوبات ضد تركيا، بالإضافة إلى تصريحات الرئيس الأميركي المنتخب جو بايدن، جعلت أنقرة تتراجع عن مواقفها تلك. بحيث إن أردوغان صرح بعد ذلك "نحن نرى أنفسنا في أوروبا وليس في غيرها، وبناء مستقبلنا مع الاتحاد الأوروبي".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وقد صُدم الجميع بما في ذلك أعضاء حزبه الذين لم يكونوا يتوقعون هذا التحول -بل التقهقر- السريع من "خليفتهم". نعم، قلت: "خليفتهم" لأنه حتى يوم أمس كان قد أعلن على شاشات وصحائفِ الإعلام الموالي له أن هناك "حرباً صليبية"، شُنّت من قبل الغربيين.

 يبدو أنه بعد هذه التصريحات ستنتهي "الحرب الصليبية" بشكل مفاجئ وبالتالي ستنتهي "الخلافة" أيضاً. فبينما كان بالأمس يلوّح بالحرب - بالأحرى كان يتظاهر بذلك- كأنه على وشك الحرب مع اليونان، إذا به اليوم يبحث عن إمكان الجلوس مع أثينا إلى طاولة المفاوضات. وصرح وزير الخارجية مولود تشاووش أوغلو "خيارنا واضح، باب تركيا مفتوح على مصراعيه للحوار، هناك مَخرج للأزمة، وعقدُ مؤتمر شرق المتوسط ​​فرصة للتعاون وخلق بيئة مناسبة، هذه هي توصيتنا".

التلويح بالحرب ثم التزلّف

علاوة على ذلك قال المتحدث باسم وزارة الخارجية (هامي آكْسُويْ) في 1 ديسمبر(كانون الأول) "إن بلادنا تؤيد، منذ البداية، فكرةَ الحوار غير المشروط مع اليونان" في محاولة للتزلّف إلى الاتحاد الأوروبي.

إن الأمر أقرب إلى المزح منه إلى الجد، لكن هذا هو واقع الدولة التي أسقطوها في هذا الوضع المزري، إذ تعيش حالة فقر مدقع من حيث العقل الدبلوماسي، ويتصرف المسؤولون كأنهم ليسوا هم الذي أدلوا بتلك التصريحات المناقضة قبل شهر.

لا نشك في أن الاتحاد الأوروبي، وبخاصة اليونان، سيندهشان. والواقع أنهما لن يثقا بهذه التصريحات ولن يهتما بها.

بالفعل، وصف وزير الخارجية اليوناني نيكوس ديندياس تصريحات تركيا "الرامية إلى تخفيف التوتر في شرق البحر المتوسط"، بأنها "غير مقنعة." وطالب بتطبيق العقوبات ضدها لعدم اغتنامها الفرصة التي قدمها لها الاتحاد الأوروبي في قمة أكتوبر(تشرين الأول) الماضي، ولم تأخذ التحذيرات التي أطلقها في الاعتبار، وقال إن تجاهل الاتحاد هذا الأمر سيلقى بظلاله على صدقيته.

وكان رئيس المجلس الأوروبي شارل ميشيل صرح بأن على أنقرة "إنهاء لعبة القط والفأر مع الاتحاد"، مشيراً إلى أزمة شرق المتوسط.

الحواري ضروري

نعم، إن معظم الخطوات التي اتخذتها تركيا في السنوات الأخيرة تتعارض مع قيم الاتحاد الأوروبي ومصالحه. ويمكننا القول إنه لا زعيم أوروبياً يأخذ قول أردوغان على محمل الجد، ويجده ذا ثقة أو جديراً بالملاحظة. علماً أن موقف أنقرة قبل هذه الأزمة كان أقوى.

آمل أن يدرك المسؤولون في تركيا، التي تطالب بالعودة إلى الطاولة وتريد التخلص من العقوبات، أن الحوار ضروري لإيجاد حلول قانونية لهذه المشكلات. إلى ذلك، هناك قضايا كبيرة تنتظر الطرفين على الطاولة، لم يتم حلها منذ عقود؛ في مقدمها حدود المياه الإقليمية، الجرف القاري، مناطق الصلاحية البحرية، نزع سلاح جزر بحر إيجيه الشرقية، والنزاع حول المجال الجوي له.

عندما نضيف إلى ذلك، أزمة النزاع على مصادر الطاقة في شرق المتوسط​​ يمكننا القول إننا أمام عملية حوار طويلة المدى.

يبدو أن تهديد الاتحاد الأوروبي تركيا بفرض عقوبات عليها، في طريقها إلى النجاح، فهم يقولون لأردوغان "بما أنك قلبت الطاولة، عليك أن تقيمها أنت أيضاً". هيَّا افعلها!

المزيد من تحلیل