Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"روبيرتو زوكو" مسرحية سورية مقتبسة تستعرض طقوس العنف

المخرج أدهم سفر استعاد نص الفرنسي برنارد ماري كولتيس في توليفة درامية شاملة

من مسرحية "روبيرتو زوكو" في اقتباس سوري (اندبندنت عربية)

ذهب الفنان أدهم سفر في عرضه الجديد "روبيرتو زوكو" نحو صيغة درامية بصرية راقصة، مشرفاً على مشروع تخرج طلابه في قسم التقنيات في المعهد العالي للفنون المسرحية، إذ قدم كل من حيدر الحامض، وعبد الرحمن سمسمية، ومحمد الزعبي، ما يشبه مغامرة على صعيد الشكل الفني، ليكون نص برنارد ماري كولتيس (1948- 1989) بيئة ملائمة لحياكة فضاء متعدد المستويات، استلهمه سفر من القصة التي صاغها الكاتب الفرنسي الراحل عن قاتل متسلسل يدعى "روبيرتو زوكو". المجرم الذي قتل أباه وأمه كان بمثابة كابوس للشرطتين الإيطالية والفرنسية ثمانينيات القرن الفائت، وذلك على خلفية هروبه من السجن، وقيامه بعدة جرائم مروعة من اغتصاب، وقتل شاب أمام والدته، وما إليها من أحداث عنيفة، تابعها الجمهور الدمشقي على مسرح فواز الساجر لثلاثة أيام متواصلة.

النص الذي كان قد استقاه ماري كولتيس من شخصية واقعية بناه ضمن خمس عشرة لوحة على الطريقة البريختية، مصوراً عزلة إنسانية ضمن فضاء المدينة المعاصرة، التي جعلت من شخص مطلوب للعدالة أقرب إلى بطل أسطوري، فالمجرم بالأصل كان يدرس اللسانيات كطالب في جامعة السوربون، لكن ما الذي حدث، وكيف استدرج الشاب "زوكو" لأنواع غرائبية من العنف؟

أجواء نفسية

سؤال تجيب عليه النسخة السورية من النص، ولتأتي في مقاربة لا تخلو من رسم أجواء نفسية كثيفة عبر الضوء والصوت والتمثيل والرقص، ومن خلال تعمير سينوغرافيا (صممها هادي جواهري الشيرازي) ناسفاً البناء التقليدي لفضاء المسرح الدائري، ففضاء الفرجة أغلق بالكامل، وإلغاء أماكن جلوس الجمهور، ليتحول إلى ما يشبه سديماً حالك السواد، تتخلله نوافذ بعيدة وغامضة تطل على فضاء اللعب، والذي دمجه المخرج– المشرف مع أماكن متنوعة من مثل المترو، والحانة، ومكتب التحقيق، والسجن، والتي تتداخل هي الأخرى مع كراسي المتفرجين، وذلك في محاولة لدمج فضاء اللعب مع فضاء الفرجة، مما جعل الجمهور في قلب اللعبة الدائرة على مدار خمس وأربعين دقيقة من زمن العرض.

في هذا المقترح الفني المتمايز عن صيغ عروض العلبة الإيطالية، أو ما يعرف بمسرح الإطار، ذهب العرض في تشريح عنف الفرد كانعكاس لعنف المدينة المعاصرة، وعبر حوارات الكاتب الفرنسي الذي اختار مستويات شعرية لمونولوجات شخصياته، فالسجن جدران خلف جدران، أما السقف، فمتصل بالسماء التي لا يمكن لأحد حجبها. من هنا نراقب كيف يندلع العنف كمائدة مستديرة يجلس الجميع إلى محيطها، وفي تناوب جسده كل من الممثلين "علاء زهر الدين، وسامر سفاف، وغفران هواري، وعلي سلمان، ورياض نحاس" في بيئة مكانية موشورية الطابع، فلا حدود فاصلة بين فضاء المدينة والعالم الداخلي للشخصيات، والتي بدت بدورها وكأنها تسبح في فراغ مترامي الأطراف، وغير محدد، فالمترو يطل على الحانة، ومكتب التحقيق يشرف على الحديقة، وهذه جميعها تطل على السجن، في إشارة إلى اغتراب الإنسان وعزلته وانهياره أمام سجونه النفسية والعقلية الأشد فتكاً من السجون التقليدية.

كل هذا يتابع مسيرة "روبيرتو زوكو" الشخصية الرئيسة في العرض، والتي نتابع صعود نجوميتها الدموية، وشهواتها في الجنس والقتل العبثي والمجاني، إلى جانب محنتها الذهنية في إعادة تعريف الأشياء والكلمات، حيث ينعدم المعنى، فتتقدم المذاقات، وتندحر اللغة كوسيط بين الشخصيات، لتحل العواطف والرغبات محلها. فلا وجود لمفردات في اللغة قادرة على إعادة تعريف العالم بالنسبة لطالب اللسانيات، الذي نراه يتنقل من ضحية إلى أخرى بقوة وتصميم ومن دون أي شعور بالندم أو الأسف، فلقد فقد "زوكو" كل المشاعر التي ربتها اللغة في داخله، وأحالته إلى مخلوق من غرائز مجردة، خالياً مما تركته فيه محاضرات علم اللغويات، حيث لا هوية تبقيها اللغة، ولا صلات بقيم الدين والمحيط والتربية والثقافة.

مشهدية حركية

ولهذا يتابع العرض سرده بالرقص الحركي أيضاً عبر أداء لافت لكل من مارييلا خوام، ولجين ملاك وبتصميم الكريوغراف نور علوم التي برعت هي الأخرى في رسم حركي لمشاهد الاغتصاب والقتل والهروب من السجن، ومن ثم مشهد انتحار زوكو شنقاً بعد إلقاء القبض عليه، وفراره مرةً أخرى من السجن، وذلك في دلالة لا يمكن للغة التعبير عنها، بل أبقاها صناع العرض فسحة رمزية عبر فصاحة الجسد، وقدرته على نقل دلالات فوق لغوية، بعيداً عن الفهم البوليسي المباشر لقضية المجرم المتسلسل، والرعب الذي يوقعه في نفوس ضحاياه ومتتبعيه من المفتشين ورجال الشرطة.

وفق هذا الفهم يمكن القول إن العرض تجاوز الصيغ المتعارف عليها نحو بنية حركية درامية أعادت قراءة النص، وأوجدته في مناخ غزير من الإشارات والدلالات، فالجريمة كمادة لتراجيديا معاصرة لم تعد في شكلها الفني المباشر، بل تعدته إلى شراكة من نوع مختلف تضافرت فيه كل العناصر المادية للعرض المسرحي من أزياء وديكور وإضاءة وصوت مع عناصر الحوار والصراع والحركة والموسيقى، في تشابك لافت بين فنون الزمان والمكان، وفي رؤيا لم تهمل تحليل نص مركب وغني، بعيداً عن المتداول والمتاح.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

هكذا على الأقل لعبت موسيقى الفنان فارس الزراد دوراً جوهرياً في رسم مزاج صوتي مواز، من دون أن تكون بمثابة تعليق على الحدث، بل كانت داعماً للشخصيات في مزاجها النفسي، وتقلباتها الغرائبية، وسلوكها غير المتوقع، فالأم التي يقتل ابنها أمام عينيها تصبح عشيقة القاتل، والفتاة التي تغتصب تصبح غانية في ماخور، وهكذا دواليك تتالى الأحداث، وتتناوب الشخصيات وتنزلق نحو فقدان المعنى، وضياع أي رغبة في الحياة، فتنعدم قدرة أي مفردة عن التعبير عن عوالمها الموحشة والمضطربة والمشوشة، وذلك جراء انهيار اللغة، فتتقطع السبل وتتباعد المصائر، وصولاً إلى منطقة عميقة من الجنون، وانعدام الشعور بالوجود كمعطى مادي، بل كتجربة حسية بحتة تتلاطم فيها شخصيات عديمة الهوية.

عبر هذه التوليفة اقترب عرض "روبيرتو زوكو" من صيغة البيرفورمانس، منجزاً جهداً في التفكير والتأمل الجماعي، متكئاً على رحابة في الخيارات الفنية، ومطلاً بقوة على بانوراما من الخبرات الشابة التي تعمل اليوم بجدية في أقسام المعهد العالي للفنون المسرحية، وتشكل بذرة لحداثة مسرحية واعدة، لطالما كانت هي المختبر الأبرز في الحياة الثقافية السورية على مدى قرابة نصف قرن من العمل على تطوير المقترحات الفنية، والخروج بأعمال ذات طابع معاصر بعيداً عن اجترار وإعادة إنتاج القوالب الفنية الجاهزة والمتفق عليها في الريبرتوار السوري.  

 

المزيد من ثقافة