Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

 إميل نولده تقلب على مزاجه وعايش تيارات ومدارس

قلق تعبيري أنهاه إيصال دفء الشرق إلى مدن الشمال الباردة

من معرض لإميل نولده في باريس (غيتي)

لا يمكن اعتبار لوحة "في المقهى" (1911)، للرسام الألماني إميل نولده واحدة من أشهر لوحاته، ولا هي على أي حال الأجمل بين تلك اللوحات، لكنها تقف وحدها بوصفها من أكثر لوحات هذا الرسام تعبيراً عن واحدة من سماته الفنية الأكثر دلالة في مجال التقلب واستبدال تيار فني بآخر، وربما دائماً تحت تأثيرات خارجية بعضها يعود إلى تأثره بموقف لطيف يُتخذ تجاهه داعياً إياه إلى الانضمام إلى تيار جديد فتكون استجابته سريعة، كما حدث مرة حين دُعي في رسالة بريدية للانضمام إلى جماعة "الفارس الأزرق" متخلياً عن جماعة "الجسر" وربما عن تعبيرية خاصة، ففعل خلال أيام.

من ألوان الشمال إلى بريق الشرق

ينتمي إميل نولده أصلاً إلى الشمال الألماني، وبالتالي كان ينبغي لفنه أن يكون شمالياً في برودته و"مونوكروميته" (أي قلة التلوين فيه) لكنه خطا بسرعة خارج السرب الشمالي متبعاً حيناً خطوات "الضواري" وحيناً تعبيرية إدوارد مونخ، فما بعد الانطباعية لنجده خلال النصف الثاني من حياته ومساره المهني ينطلق في تلوينية مدهشة تكاد لا توجد عادة إلا لدى الانطباعيين في لوحاتهم المرسومة في الهواء الطلق. بيد أن تلك الألوان إذا كانت قد كثرت في لوحات المناظر الطبيعية لديه فإنه سيكون من المدهش أن نراها تهيمن على اللوحة التي نحن في صددها والمعلقة اليوم في متحف الشعب في مدينة إيسن، والتي إذا كان يمكن مقارنتها بلوحة أخرى لرسام سابق عليه فعلينا أن نتوجه إلى لوحة لفان خوخ إذ تكاد تحمل العنوان نفسه. لكن نولده رسم لوحته في داخل شمالي لا تمت إلى عوالمه بصلة، بينما رسم فان خوخ لوحته في الجنوب الفرنسي المغمور بنور داخلي ونور خارجي سواء بسواء.

توليف بين التيارات!

من هنا إلى اعتبار "في المقهى" لنولده علامة تحاول أن توحد بين تلك التيارات العديدة التي رسم ضمن إطار الانتماء إليها، خطوة لا بد من قطعها عبر تأمل تلك اللوحة الذي سيوصلنا إلى نوع من الإدراك لما نسميه تقلبات في المدارس الفنية التي لم يتوقف نولده عن التجوال بينها. وحسبنا هنا أن ننظر إلى الخلفية اللونية للوحة وتوزع الألوان فيها لنتذكر أن مرجعية الفنان هنا إنما كانت تأثره خلال حقبة من حياته بسفراته العديدة التي قام بها إلى الشرق البعيد، كما سنرى بعد سطور. وإلى ذلك لا بد من أن نتذكر أيضاً اهتمامه بروح الشرق القريب من خلال دراسته الآثار المصرية والسومرية. وإذا كان قد تأثر في تكوينه الإطار وتوزع الشخصيات بنوع من المزج بين "كباريهات" تولوز لوتريك و"كباريهات" رينوار، ناهيك عن محاولته كي تكون اللوحة قريبة جداً من تشكيلات "الضواري" ورفاقه الألمان في "الجسر" و"الفارس الأزرق"، لا سيما من خلال اهتمامهم بالعودة في مواضيعهم إلى المدينة، كما الحال في هذه اللوحة. سيكون في مقدورنا العثور على كل تلك التأثيرات مجتمعة هنا تحت هيمنة تلوينية شرقية لا لبس فيها.

بين الفرنسيين والألمان

إذا كان كثيرون من الرسامين الفرنسيين والإنجليز قد عرفوا بمطاردتهم للشمس، حيث استقوا مواضيعهم وألوانهم من الشرق والجنوب اللذين زاروهما وعاشوا فيهما ردحاً، فإن الفنانين الألمان كانوا أقل اهتماماً بتلك الشمس الشرقية والجنوبية، لا سيما وأن عالم الرسامين الألمان كان على الدوام عالماً داخلياً سيكولوجياً يبتكر شمسه ومناخاته من داخله. ومع هذا فإن هناك رسامين ألماناً عديدين زاروا الشرق ورسموه، بل ثمة من بين هؤلاء من كان الشرق مصدر إلهامه الأساسي، ينطبق هذا على أوغست ماكه، كما على السويسري الألماني بول كلي، وينطبق أيضاً على إميل نولده، الذي تعتبر لوحاته التي استقى فيها ضوء الشرق وعوالمه من أبرز أعماله وأبقاها، على الرغم من تنوع هذه الأعمال وارتباطها بشتى التطورات التي طرأت على الفن الألماني خلال النصف الأول من القرن العشرين.
تقلبات مبدع قلق

ولد إميل نولده عام 1867 في مدينة نولده الواقعة في مقاطعة شلزنيغ- هولشتاين الألمانية، باسمه الأصلي إميل هانسن، لكنه، حين بدأ يُعرف كرسام، استعار اسم المدينة التي ولد فيها جاعلاً منه اسمه الذي يشتهر به. ومنذ طفولته اهتم إميل بالرسم والنحت مفضلاً إياهما على الدراسة الكلاسيكية، وهذا ما جعله يبدأ وهو في السابعة عشرة من عمره، التمرين لدى نحات خشب علمه سر المهنة. وهو كان في الثانية والعشرين حين ترك ذلك التدريب ليتوجه إلى مدينة كارلسروهه حيث راح يتابع دروساً في الرسم الصناعي، وهي المادة التي جعل من بعد يدرّسها لعشر سنوات استغل أوقات فراغه خلالها ليمارس هواية الرسم التي راحت تستبد به أكثر فأكثر.
وفي 1898 ترك وظيفته كمدرس وراح طوال السنوات الثماني التالية يتجول في شمال أوروبا وباريس وكوبنهاغن، وكانت تلك السنوات الأساسية في حياته هي التي وضعته على احتكاك مباشر مع الفن الحديث وجعلته يتخذ قراره النهائي بأن يكون رساماً معاصراً. هكذا أخذ يرسم منذ ذلك الحين لوحات عديدة يعرضها في برلين، وكانت تلك هي المرحلة التي انضم فيها إلى جماعة "دي بروكه" التي أسست للحداثة الفنية في درسدن، لكنه في 1911 أسهم في تأسيس جماعة ثانية عرفت باسم "الانقسام الجديد"، ثم في العام التالي، 1912، عرض مع جماعة "الفارس الأزرق" التعبيرية أيضاً في معرض جماعي أثار ضجة كبيرة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

إلى الشرق وبحار الجنوب
حتى ذلك الحين كان نولده قد عثر على مواضيعه وعلى أسلوبه وأشكاله، وكان لا يزال عليه أن يعثر على ألوانه، ولقد قيض له ذلك خلال عامي 1913- 1914 حين شارك في حملة وصلت إلى الشرق الأقصى وإلى بحار الجنوب، وكانت تلك الحملة مصدر إلهام جديد وجذري له، كما أعطته مذاقه اللوني المقبل الذي سيشتهر به. من هنا حين عاد إلى برلين راح يرسم لوحات دافئة فأنتج لوحات ذات ألوان مضيئة لفتت إليه الأنظار بشكل مميز، وبدا واضحاً فيها مدى رفضه برودة الألوان المحلية. ولعل هذا ما جعل النازيين يضطهدونه حين صارت السلطة في يدهم معتبرين فنه "فناً منحطاً".
وأثر عليه ذلك الاضطهاد نفسياً وجعله يخفف من حماسته، كما يقول لنا بنفسه في سيرته الذاتية التي نشرها في 1934 بعنوان "سنوات النضال". وفي ذلك الكتاب يروي نولده كيف جمع بين الضوء الجنوبي الشرقي وأسلوب ما- بعد- التعبيرية المتأثر مباشرة بالنرويجي إدوارد مونش، كما يروي احتكاكه بجماعة الضواري، ذلك الاحتكاك الذي أسهم في تطوير فنه في اتجاه تعبيري شديد الخصوصية.

فرادة في سنوات النهاية
مهما يكن فإن ألوان وأشكال إميل نولده اتخذت خلال السنوات التالية، وبالتحديد خلال العقدين الأخيرين من حياته، طابعاً شديد الفرادة، منطلقاً من حرية مطلقة في التعبير كما في التلوين. وبدا واضحاً أنه يستخدم الألوان ليس لتقديم أشكاله بل لنقل حالة روحية إلى الناظر إلى لوحاته. ولقد تميزت لوحاته على الدوام بتلك الحركة التي تطبعها والتي تحيل مباشرة إلى ماتيس.
ومن ناحية ثانية تميزت حقبة عن حقب نشاط إميل نولده بلوحات دينية جعلته، يبدو إلى حد ما أقرب إلى الفرنسي جورج روّوه.
أما خلال سنواته الأخيرة، فانصرف نولده إلى رسم الطبيعة وتفاصيلها. وفي جميع الأحوال ظل اللون سيداً أساسياً في لوحاته، إذ بالنسبة إليه كان "اللون طاقة، والطاقة هي الحياة"، بمعنى أننا حين نلون نعيد اكتشاف الحياة، بل خلقها من جديد. وكان إميل نولده لا يزال في قمة عطائه حين رحل عام 1956 عن عالمنا، ولوحاته منتشرة كما لا يزال حالها حتى اليوم في أبرز المتاحف والمعارض العالمية.

المزيد من ثقافة