Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

رينوار في الجزائر يرسم نساءها وألوانها ودفء شمسها

زعيم الانطباعية يخرج عن السياق ملتحقاً بالنهضويين وديلاكروا

الرسام الفرنسي بيار – أوغست رينوار (غيتي)

إذا كان يحلو للأكاديميين ويسهّل أمورهم، أن يحصروا أعداداً غير محددة من مبدعين في مجال واحد في خانات جمالية وأحياناً حتى مضمونية مشتركة للتحدث عن تيار فني ما، يلي تياراً آخر ويستبق تياراً ثالثاً، فإن المبدعين أنفسهم حتى وإن ارتضوا ذلك، كانوا يحرصون دائماً على التفرد بما يبدعون محاولين الإفلات من تلك التصنيفات الموحّدة، ولو من دون أن تؤدي محاولاتهم إلى التشكيك في استنتاجات الأكاديميين. وفي يقيننا أن هذه الممارسة التي تنطبق بشكل أو آخر على كبار الفنانين فإنها تسم بخاصة بيار – أوغست رينوار. وما الزيارة التي قام بها هذا الفنان الاستثنائي إلى الجزائر ومن ثم إلى إيطاليا في العام 1881 سوى إشارة واضحة. ففي وقت كان زملاؤه ورفاقه "الانطباعيون" يتحلقون ضمن إطار هذا "التيار" في باريس كما في العديد من المناطق الفرنسية، كان هو يقوم برحلة إلى الشمس ومكامن النور واللون بحثاً عن إلهامات أخرى غير تلك التي توفرها شمس الحنوب الفرنسي. والحقيقة أن رينوار جمع في تينك الرحلتين المتتاليتين، تلك العادة الأوروبية الشمالية التي كانت في ما لا يقل عن زيارة يقوم بها الرسام الفلامندي أو الهولندي أو حتى الألماني الشمالي إلى وطن النهضة الفنية الأوروبية في إيطاليا وهي عادة كانت مترسخة من قبله، والعادة التالية له والتي جعلت رسامين، ألماناً وسويسريين هذه المرة بخاصة، "يكتشفون" مناطق الشمال الأفريقي فيزورونها مستلهمين أجواءها ومواضيعها، كما يفعل زملاء لهم فرنسيون من "تيار" ما بعد الانطباعية، من أمثال ماتيس وكلي.

ممارسة غير انطباعية

باختصار قام رينوار بممارسة "غير انطباعية" عبر تينك الزيارتين لعل أبرز ما أسفرت عنه أنها وفرت لفنه خصوصية واضحة من دون أن تقطع بينه وبين الانطباعيين. أو بالأحرى وصلت فنه بتلك التقاليد النهضوية – الاستشراقية البديعة التي كان أوجين ديلاكروا قد رسخها في أعمال كبيرة لا تزال تُدرس وتَفتن حتى الآن. طبعاً لا يمكن الزعم هنا أن رينوار قد أوصل فنه "الشمال أفريقي" إلى المستويات التي أوصل إليها سلفه الكبير ديلاكروا فنه في هذا السياق، وهو أمر برهنت عليه معارض عديدة أقيمت تجاورت فيها لوحات الإثنين وأحياناً إلى جانب لوحات استشراقيين آخرين، في باريس وغيرها خلال العقود الفائتة فبدا ديلا كروا بشكل لا يدع مجالاً متميزاً دائماً وعلى الأقل في اختيار مواضيعه وبعدها التاريخي وربما البعد الواقعي التاريخي الذي اتّسمت به. لكن في المقابل عرف رينوار كيف يميّز فنه المستلهم من أجواء تلك المناطق من العالم، ويعطي صفاء لألوانه يفوق صفاء لوحاته "الانطباعية" الخالصة. ومن هنا إذا كان في إمكاننا أن نتحدث عن فرادة لرينوار، لا بد لنا أن نتوقف عند تلك اللوحات "الشمال أفريقية"، التي تبقى نسيج وحدها، والتي في الوقت نفسه امتدت في تأثيراتها لتطبع عدداً كبيراً من لوحات تالية له لا علاقة لها بأجواء الشمال الأفريقي لكنها استمدت منه الروح وحدّة اللون وأحياناً شكل الأزياء والبعد التشكيلي للأجسام المرسومة بشكل يخيّل إلى المرء معه أن المواضيع المرسومة آتية أيضاً من هناك، قبل أن يكتشف أن الموديلات هنّ وهم من أهل البيت، أعاد رينوار تشكيلهم باستلهام مباشر من تلك الأبعاد البصرية التي احتفظت بها ذاكرته ودفاتره من الرحلة إلى الجزائر، ومن ذلك مثلاً لوحتاه التوأمان "الراقصة ذات الرقّ" و"الراقصة ذات الكاستانيات" المعلقتان في "ناشنال غاليري" اللندني. فهاتان اللوحتان رسمهما الفنان معاً عام 1909 تبدوان مرتبطتين بالعديد من اللوحات "الشمال أفريقية" التي كان قد رسمها قبل سنوات عديدة أكثر من ارتباطهما بما كان يرسمه في ذلك الحين.

زعيم رغماً عنه

مهما يكن لا بد أن نعود هنا إلى ما يراه كثر، ممن يعتبرون بيار- أوغست رينوار الزعيم الفعلي لفن الرسم الفرنسي خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر والعقدين الأولين من القرن العشرين. صحيح أن رينوار عاش كل مراحل حياته وفنه ينتقل من تأثير فيه إلى آخر، ويبدو لمن يتابع سيرة حياته، كأنه كان دائماً في الصف الثاني، ومع ذلك فإن نظرة متأنية إلى أعماله وإلى تركيباته وألوانه ستقول لنا، إنه غالباً ما كان يتفوّق حتى على الذين يؤثرون فيه ويعتبرهم، هو، أساتذته الكبار. حدث هذا بالنسبة إلى علاقته مع مانيه وسيسلي، وبالنسبة إلى استيعابه دروس ديلاكروا وروبنز ورافائيل، وأيضاً التأثير المتبادل بينه وبين بيسارو. من هنا، حين نذكر، اليوم، اسم رينوار، ستقفز أمام أذهاننا صورته كزعيم رغماً عنه، للحركة الانطباعية، مع خروجه الدائم على تلك الحركة، أو على الأقل على القواعد التي وضعت لها من خلال أعمال مانيه ومونيه وسيسلي وغيرهم.

رسام "بورتريه" ناجح

بدأ رينوار، المولود في ليموج العام 1841، حياته الفنية حين كان في الحادية والعشرين من عمره، حيث انضم إلى محترف الرسام شارل غراير، ليجد نفسه في صحبة رسامين شابين آخرين كانا قد أصابا بعض الشهرة عبر لوحات لفتت أنظار الباريسيين، والرسامان هما كلود مونيه وكاميل بيسارو. وكان هذان من أقنع رينوار بأن الرسم الحقيقي هو الرسم في الخارج في الطبيعة وليس داخل الأبواب المغلقة. ومن هنا كانت بداية رحلته الانطباعية. بيد أنه، على الرغم من مشاركته في معارض الانطباعيين المتمردة على الفن الرسمي السائد، ظل رينوار يرسل أعماله إلى الصالون الرسمي، حيث كان أول نجاح حققه هناك، بفضل لوحته "السيدة شاربانتييه وبناتها" (1879) وهي اللوحة التي وطدت مكانته كرسام "بورتريه" من طراز أول، وإن كانت ملوّنته ذات سمات انطباعية واضحة. والحال إن مساهمة رينوار الأساسية في الحركة الانطباعية كانت في ألوانه وفي "البورتريهات" وفي التكوينات التي بدت، لوهلة أولى، متعارضة تماماً مع المشاهد الطبيعية التي كان يرسمها مونيه وألفريد سيسلي.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

يوم طوّر الانطباعية

مهما يكن، فإن اللوحات التي رسمها رينوار خلال السبعينيات والثمانينيات، اعتبرت نوعاً من التصوير الشعبي المتقن لأعياد وإجازات الطبقة المتوسطة الفرنسية أيام الجمهورية الثالثة. وما إن حلّت أواسط سنوات الثمانين حتى بدأ يدرك إن عليه أن يطور ملونته، وإلا لوقعت في روتينية كان يبغضها. هكذا سافر إلى الجزائر كما أشرنا وإلى إيطاليا، موطن إلهام معظم الفنانين الأوروبيين حيث قام بجولة على فنون عصر النهضة، وكان أكبر اكتشاف يحققه هناك لوحات رفائيل الجدارية التي فتنته بألوانها وتكويناتها، ويبدو لنا واضحاً اليوم مقدار تأثره بها خلال التي التي راح يرسمها ما إن عاد إلى فرنسا بعد ذلك، غير أن اهتمامه برافائيل لم يمنعه من أن يهتم أيضاً بكبار المعلمين الفرنسيين في حقبة النيوكلاسيكية، في القرن الثامن عشر، بحيث إن لوحاته لتلك المرحلة تعكس بوضوح إعجابه وتأثره بيوجين ديلاكروا، وفرانسوا بوشيه، وكان من شأن هذا أن يبعده كلياً عن الانطباعيين، لكنه لم يفعل، وببساطة لأن رينوار عرف كيف يكيّف تأثراته الجديدة تلك بولعه بالأساليب الانطباعية، وعلى الأقل كما كانت قد تطورت وتبدلت على يديه.

ابنان على خطى الأب

مهما يكن، فإن رينوار عرف دائماً بأنه يلوّن بالغريزة، لا انطلاقاً من نظرية تلوينية محددة، ومن هنا، مثلاً، حين اكتشف لوحات روبنز وعمق استخدام هذا الأخير للون الأحمر، أضحى ارتباطه بهذا اللون نوعاً من الهاجس سيطر على لوحات سنواته الأخيرة. واليوم يعتبر رينوار، الذي رحل عن عالمنا أواخر عام 1919، واحداً من كبار كلاسيكيي فن الرسم الفرنسي، ولوحاته تقدّر بملايين الدولارات في المزادات العالمية، مخلفاً تراثاً فنياً كبيراً وفرادة. لا بد من الإشارة أخيراً إلى أن من علاماتها ابناه السينمائي الكبير جان رينوار والمصور كلود رينوار اللذين تابعا حياة أبيهما الفنية وإن في مجالات أخرى.

المزيد من ثقافة