Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"بول دي سويف" لـ"غي دي موباسان": البرجوازية وأخلاقها

صفحات قليلة لفضيحة أخلاقية اجتماعية تهرب منها الفرنسيون

الكاتب الفرنسي غي دي موباسان (غيتي)

من ناحية مبدئية، كان الكاتب الفرنسي "غي دي موباسان" مبدعاً في مجال القصة القصيرة أكثر منه في مجال الرواية الطويلة، حتى وإن اشتهرت له روايات جرى لاحقاً نقل أكثرها إلى السينما والمسرح، ثم إلى التلفزيون. وبالتأكيد، فإن الأكثر شهرة بين قصصه كانت "بول دي سويف"، التي نقلت إلى السينما مرات عديدة، وغالباً بنجاح، وأحياناً من دون الإشارة إلى أصلها الأدبي أو إلى مؤلفها، لكن كثيرين كانوا يحبونها كنص أدبي متوسط الطول تكمن أهميته في كونه نوعاً من دراسة بالغة الأهمية في أخلاق البرجوازية الفرنسية التي ما توقف موباسان عن "فضحها".

من غوركي إلى ستالين

قد يكون من المناسب هنا قبل الحديث عن القصة أن نذكر أن الكاتب الروسي مكسيم غوركي كان يقول إنه من أشد الناس إعجاباً بالرواية، ويفخر بأنه هو الذي نصح "صديقه" جوزيف ستالين في الماضي بأن يقرأ تلك القصة، فكانت النتيجة أن ستالين شاطر غوركي الإعجاب بها. ومن هنا حين حقق المخرج ميخائيل روم فيلماً سوفياتياً مقتبساً من "بول دي سويف"، رأى غوركي، الذي كان صديقاً لروم أيضاً، أنه سيكون من المناسب أن يدعو ستالين، وكان قد صار في ذلك الحين، أواسط الثلاثينيات، ذلك الزعيم الرهيب الباطش برفاقه، وبكل الناس، لمشاهدة الفيلم والتمتع بالشاشة وهي تنقل أحداث حكاية يحبانها معاً، لكن غوركي رأى في اللحظات الأخيرة أنه قد يجدر به أن يشاهد الفيلم قبل مشاهدة ستالين له "تداركاً لأي مفاجأة مزعجة". وهكذا، شاهد الفيلم في رفقة ميخائيل روم، كما يروي بنفسه، قائلاً إنه إذ دهش أمام حجم التغييرات التي أحدثها المخرج في التفاصيل، وما شابه، سأله عما إذا كان في إمكانه إجراء تعديلات تقرب الفيلم من القصة، فرفض روم كلياً. لذا، حين حل الوقت، وجاء الزعيم لمشاهدة الفيلم، حرص غوركي على الجلوس إلى جانبه، لكي يشرح له المشاهد ويفسر "أهمية" ما أحدثه روم من تبديلات، محاولاً تبريرها. ولما استفحل هذا الأمر التفت ستالين، بكل بساطة نحو غوركي، وقال له "هلا تسكت يا عزيزي؟ أنا أعرف أننا هنا أمام فن آخر له ضروراته الخاصة".

امرأة بين الفرنسيين والألمان

تروي قصة "بول دي سويف" إذاً، أحداثاً تدور في فرنسا عام 1870، يوم كان نابليون الثالث أسيراً، والألمان يحتلون فرنسا. وشخصياتها الرئيسة تسعة مسافرين، يطلق عليهم في شكل ساخر لقب "مواطنين"، ينتقلون في عربة بين منطقتين في الريف الفرنسي. ومنذ البداية نلاحظ أن المسافرين هم مجموعة من البرجوازيين من تجار وأعيان، يسافرون في شكل عائلي، بينهم راهبتان. وكان يمكن لتلك السفرة العادية لأناس تغلب عليهم العادية من نوع المسافرين المعتادين، أن تسير بشكل طبيعي ما "يحرمها" من أن تشكل موضوعاً لقصة يكتبها سيد القصة الفرنسية القصيرة في ذلك الحين، لولا أن فتاة هوى حسناء تحمل لقب "بول دي سويف"، تنضم إلى الرحلة، لتهز العالم الهادئ المطمئن لأولئك الناس الطيبين، إذ إنها منذ انضمامها إلى ركاب العربة، تثير لديهم حالاً من الاستنكار والرفض الكلي: كيف يسافر قوم شرفاء من هذا الطراز، مع فتاة هوى من هذا النوع؟ ويبدأ تبادل النظرات، وتتصاعد التلميحات، بل إن الاستهجان يزيد حتى حين تقترح "بول دي سويف" على المجموعة، بكل طيبة وأريحية، أن يشاطروها طعاماً كانت قد جلبته معها. الأشراف لا يأكلون مع الرعاع طبعاً.

شروط ضابط ألماني

لاحقاً، عندما يهبط الليل تضطر العربة ومسافروها إلى التوقف والمبيت في نزل على الطريق. وتمضي الليلة على خير، ولكن عند الصباح يرفض الضابط الألماني الذي يتولى قيادة قوات الاحتلال في المنطقة، أن يسمح للعربة وركابها بمواصلة طريقهم، إن لم توافق المحظية الحسناء على مطارحته الهوى. طبعاً للوهلة الأولى لم يكن ثمة ما هو أسهل من هذا، طالما أن الجميع يعرفون أن هذه هي أصلاً مهنتها، لكن الذي يحدث هو أنهم يفاجأون بها ترفض وبشكل قاطع. لماذا؟ لأنها كوطنية فرنسية ترفض أن تساير عدواً لبلادها.

وإذ تتعقد الأمور على هذا النحو، ينقلب الموقف تماماً: ذلك أن أولئك البرجوازيين من أبناء الوطن المخلصين والمعادين أصلاً للألمان، لا يتوانون عن التدخل محاولين إقناع "بول دي سويف"، التي أضحت الآن وسيلة خلاصهم الوحيدة، بأن تستجيب لما يعرضه عليها الضابط، ليس من أجلها وأجلهم فقط، بل "من أجل الوطن أيضاً".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

في النهاية، انطلاقاً من طيبتها تقبل "بول دي سويف" بأن "تضحي بشرفها" من أجل مواطنيها، لكنها تفعل ذلك وهي كالميتة، أو كالمساقة إلى المشنقة. المهم أن الضابط إذ يحصل على مراده، يعطي الإذن للعربة وركابها بمواصلة سفرهم.

وهنا يعود الموقف إلى الانقلاب من جديد: إذ ها هم البرجوازيون الآن يتجنبون "بول دي سويف" بأكثر مما فعلوا قبل أن تقدم "على فعلتها المشينة". إنهم يحرصون على الابتعاد عنها، وإشاحة وجوههم بعيداً كلما التقت نظراتهم بنظراتها. وها هي مكللة بكل أنواع العار في رأيهم: ليست فحسب فتاة هوى، بل هي أيضاً تمارس مهنتها من دون حياء مع جنود الأعداء. ثم، حين يحل وقت الطعام، ويبدو الجوع على "بول دي سويف"، يستنكف المسافرون إعطاءها أي لقمة تقتات بها. فلا تجد المسكينة سوى جندي بروسي شاب كان مكلفاً مواكبة العربة، يعطيها ما تسد به رمقها.

اهتمام عالٍ مدهش

نشر دي موباسان هذه القصة للمرة الأولى في أبريل (نيسان) 1880 ضمن "منشورات سهرات مادان"، وبالنسبة إليه كواحد من نصوصه العديدة التي تحدث فيها عن الحرب "الفرنسية – البروسية". لم يتوقف نشرها مرات ومرات بعد ذلك، ناهيك باقتباساتها السينمائية، ثم التلفزيونية التي بلغت العشرات بين الاقتباس الصامت الأول عام 1928 واقتباسها الأخير حتى الآن في كتاب شرائط مصورة، مروراً باقتباساتها التي تغفل اسم المؤلف في بلدان آسيوية وأميركية لاتينية.

ومن الواضح أن المقتبسين، سواء جعلوها فرنسية الأحداث، أو "أمموها"، توخوا جميعاً منها "فضح" الطبقات الوسطى وأخلاقيات المجتمع المبني على الأنانية والنفاق في بلدانهم. أما بالنسبة إلى اقتباساتها الأشهر والأقوى فمن بينها في مركز الصدارة اقتباس ميخائيل روم الذي أشرنا إليه، غير أن اقتباسه يتساوى في الشهرة والمكانة مع اقتباسات هوليوودية حملت توقيعات لا تقل أهمية عن جون فورد في "العربة" (1939)، وجوزف فون شترنبرغ في "شانغهاي إكسبرس" (1932)، وروبرت وايز في "الآنسة فيفي"، (1944) وويليام ديتريل في "بكين إكسبريس" (1951)، وصولاً إلى أناتول ليتفاك في "الرحلة" (1959). دون أن ننسى الياباني الكبير كنجي ميزوغوشي الذي اقتبس "بول دي سويف" عام 1935 في فيلم عنونه "أويوكي البتول"، علماً بأن الفرنسيين ظلوا بعيدين عن أي اقتباس جدي للقصة حتى أقدم المخرج كريستيان جاك على اقتباسها عام 1947 من تمثيل ميشلين بيرل، ولكن في فيلم أميركي ناطق عالمياً بالإنجليزية.

لا رحمة للأعداء!

فهل كان ذلك الاستنكاف الفرنسي المثير للاستغراب، ناجماً عن القسوة الأخلاقية والإدانة التي عالج بها "غي دي موباسان" موضوعاً كان يبدو أقرب إلى أن يكون من المحظورات في بيئة فرنسية يهيمن عليها دائماً فكر الرضا عن الذات الذي ينتشر في أوساط الطبقات الوسطى، أم لأنه وصف "الأعداء" البروسيين (الألمان) توصيفاً يقل قسوة عن توصيفه لأبناء البلد الفرنسيين جاعلاً منهم أكثر إشفاقاً على تلك المهمشة البائسة من أبناء جلدتها؟ في جميع الأحوال، يمكن القول إن "غي دي موباسان"، الذي لم يوفر في أدبه مناسبة للنيل من تلك الذهنيات الفرنسية البرجوازية، لم يصل في إدانته لها إلى ما وصل إليه في هذه القصة.

المزيد من ثقافة