Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

صعوبات التمويل تخنق رئة الريف السوداني

منذ اندلاع الحرب واجهت الزراعة اضطرابات شملت النزوح وتعذر الوصول إلى بعض الحقول وتعطل سلاسل إمداد البذور والأسمدة والوقود وتقلبات الأمطار

حين يغادر المزارعون قراهم تتأثر الأنشطة المرتبطة بالإنتاج من العمالة الموسمية والنقل والتخزين للأسواق المحلية وتربية المواشي (أ ف ب)

ملخص

قد تبدأ بعض القرى باستعادة نشاطها عندما تتراجع حدة القتال وتعود الأسواق للعمل ويتحسن إمكان الحركة بين المناطق، لكن استعادة النشاط الزراعي لا تحدث بالسرعة نفسها في جميع المناطق لأن العودة للأرض تتطلب توافر شروط قد لا تكون قد استعادت انتظامها بعد.

في قرية الحوش بولاية الجزيرة السودانية لم يكن قرار المزارع حاتم جمال مغادرة منزله وأرضه مرتبطاً بتغيير مهنته أو البحث عن مصدر دخل أفضل. وخلال ديسمبر (كانون الأول) عام 2023، ومع امتداد القتال إلى المنطقة، وجد نفسه أمام خيار مغادرة القرية أو البقاء في ظروف تتزايد فيها الأخطار.

آنذاك تعرضت محاصيل جمال للنهب، وسرقت مركباته، وفقد ما كان يعتمد عليه في عمله الزراعي. ومع تصاعد الأخطار، غادر مع آخرين من سكان القرية، تاركاً خلفه نشاطاً اقتصادياً ارتبطت به حياته وحياة أسرته.

وتقدم هذه التجربة صورة عن التحولات التي فرضتها الحرب على المزارعين في السودان، فالمغادرة لا تقتصر على الانتقال من مكان إلى آخر، بل قد تعني الانقطاع عن الأرض في توقيت يرتبط فيه الإنتاج بمواسم محددة، وتعطل مصدر الدخل الذي تعتمد عليه الأسرة، وفقدان القدرة على تمويل الموسم التالي.

ومنذ اندلاع الحرب قبل ثلاثة أعوام ونصف العام، واجهت الزراعة اضطرابات متداخلة شملت النزوح، وتعذر الوصول إلى بعض الحقول، وتعطل سلاسل إمداد البذور والأسمدة والوقود، وتضرر البنية التحتية الزراعية، إلى جانب تقلبات الأمطار والفيضانات والجفاف.

ولا تتوقف تداعيات هذه التحولات عند حدود المزرعة، فحين يغادر المزارعون قراهم، تتأثر الأنشطة المرتبطة بالإنتاج، من العمالة الموسمية والنقل والتخزين إلى الأسواق المحلية وتربية المواشي. ومع تقلص الإنتاج أو تعذر تسويقه، تواجه الأسر الريفية مصادر دخل أقل، بينما ترتفع كلفة الحصول على الغذاء.

نزوح قسري

لا يغادر المزارع قريته بالضرورة لأنه فقد الرغبة في الزراعة. ففي مناطق النزاع، قد يكون الوصول إلى الحقل نفسه محفوفاً بالأخطار، أو يصبح البقاء في القرية مستحيلاً مع تراجع الخدمات وانعدام الأمن. وقد يضطر المزارع إلى المغادرة قبل الحصاد، أو يترك المحصول خلفه من دون أن يتمكن من جمعه أو بيعه.

وتختلف آثار النزوح بحسب طبيعة النشاط الزراعي والمنطقة التي ينتمي إليها المزارع. فالمزارع الذي يعتمد على الزراعة المطرية يرتبط بمواعيد إعداد الأرض وبداية هطول الأمطار، بينما يحتاج المزارع في المشاريع المروية إلى انتظام عمليات الري وتوافر المدخلات والقدرة على الوصول إلى الحقول. وفي الحالتين، قد يؤدي الغياب خلال فترة قصيرة إلى خسارة موسم كامل.

 

الاختصاصي في الاقتصاد الزراعي نبيل سليمان يقول إنه "من منظور الاقتصاد الزراعي، يمثل نزوح المزارعين انقطاعاً في سلسلة الإنتاج، وليس مجرد انتقال جغرافي للسكان. فالعملية الزراعية تعتمد على توافر الأرض والعمالة ورأس المال والمدخلات، وعلى قدرة المزارع على اتخاذ القرارات في التوقيت المناسب. وإذا غاب أحد هذه العناصر، فقد تتعطل بقية العملية حتى إن ظلت الأرض صالحة للزراعة".

وتابع سليمان "تبدأ المشكلة عندما يتزامن النزوح مع موعد إعداد الأرض أو الزراعة أو الحصاد. ففي الزراعة المطرية، لا يستطيع المزارع تأجيل الزراعة إلى أي وقت يختاره، لأن نجاح الموسم يرتبط بتوقيت الأمطار وتوزيعها. وإذا غادر خلال فترة التحضير، فقد يفقد فرصة الاستفادة من الموسم، حتى لو عاد إلى قريته بعد أسابيع".

وبين أن "المناطق التي تعتمد على الزراعة المروية، فإن الخسائر قد تمتد إلى شبكات الري ومستلزمات التشغيل والتمويل. وقد تؤدي مغادرة المزارعين إلى خفض الطلب على الخدمات الزراعية المحلية، وإلى تراجع النشاط لدى التجار الذين يوفرون البذور والأسمدة والوقود، فضلاً عن العاملين في النقل والتخزين".

ويرى اختصاصي الاقتصاد الزراعي أن "صعوبة العودة تزداد عندما يكون النزوح قد استنزف الموارد المالية للأسرة. فالمزارع الذي كان يمول موسمه من عائد الموسم السابق قد يجد نفسه مضطراً إلى الاقتراض أو البحث عن عمل خارج القطاع الزراعي. وقد يؤدي ذلك إلى تأجيل العودة للأرض، أو إلى زراعة مساحة أصغر، أو اختيار محصول أقل كلفة وإن كان أقل عائداً".

مواسم ضائعة

تواجه الزراعة المطرية في السودان تحديات ترتبط بطبيعة الموسم، إذ يعتمد المزارعون على الأمطار في إعداد الأرض وزراعة محاصيل أساسية مثل الذرة الرفيعة والدخن. وفي هذه المناطق، يمكن أن يؤدي تأخر الأمطار أو ضعفها إلى تقليص المساحات المزروعة أو خفض الإنتاج، بينما تجعل الحرب الوصول إلى الحقول وتأمين المدخلات أكثر صعوبة.

الباحث في الإنتاج النباتي والزراعة المطرية نزار أيمن يقول إن "الزراعة المطرية تعمل ضمن نافذة زمنية محددة، ترتبط بمواعيد هطول الأمطار ومدتها وتوزيعها. ولذلك فإن فقدان القدرة على الوصول إلى الأرض خلال فترة الزراعة قد تكون له نتائج تمتد إلى نهاية الموسم، ولا سيما لدى المزارعين الذين لا يملكون موارد مالية تسمح لهم بإعادة الزراعة إذا تعثرت المحاولة الأولى".

وأردف أن "المزارع اليوم يواجه مجموعة من الأخطار المتزامنة. فالحرب قد تعوق الحركة إلى الحقل، وتحد من وصول العمالة والآلات، وترفع كلف النقل. وفي الوقت ذاته، يمكن أن يؤدي ضعف الأمطار أو عدم انتظامها إلى تقليص فرص نجاح المحصول. وإذا اجتمعت هذه العوامل، تصبح كلفة الزراعة أعلى بينما تتراجع القدرة على توقع العائد".

واستطرد أن "المشكلة تظهر بصورة مختلفة في المناطق المروية. فوجود مصدر للمياه لا يضمن نجاح الإنتاج إذا تعطلت القنوات أو لم تتوافر الطاقة اللازمة لتشغيل المضخات أو تعذر شراء المدخلات. وتحتاج هذه المشروعات إلى إدارة وصيانة مستمرتين، وتحتاج إلى تنسيق بين المزارعين والجهات المسؤولة عن الري والتمويل والخدمات الزراعية".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ولفت إلى أن "تعثر الموسم أدى إلى آثار تتجاوز كمية المحصول، فالمزارع قد يفقد الدخل الذي كان سيستخدمه لسداد ديونه أو تمويل زراعة الموسم التالي، وقد تقل قدرته على دفع أجور العمال أو شراء مستلزمات أسرته. وإذا تكررت الخسارة، فقد يتجه إلى تقليص المساحة المزروعة أو ترك الزراعة موقتاً أو نهائياً".

ومضى الباحث في الإنتاج النباتي والزراعة المطرية في القول إن "معالجة هذه المشكلة تحتاج إلى تدخلات مرتبطة بالتوقيت. فتوفير البذور بعد انتهاء فترة الزراعة لا يعوض بالضرورة الموسم الذي فقد، إضافة إلى أن توزيع المدخلات وحده لا يكفي إذا تعذر الوصول الآمن إلى الحقول. وتصبح الأولوية لتحديد المناطق التي يمكن استئناف الزراعة فيها، وتأمين وصول المزارعين، وتوفير البذور الملائمة والتمويل في الوقت المناسب، إلى جانب إصلاح مرافق الري عند الحاجة".

موارد مستنزفة

لا تعتمد المجتمعات الريفية السودانية على الزراعة وحدها. ففي مناطق واسعة، تمثل تربية الأبقار والأغنام والماعز والإبل جزءاً أساساً من الاقتصاد الأسري، سواء من خلال بيع الحيوانات أو منتجاتها، أو باعتبارها احتياطاً مالياً تلجأ إليه الأسرة عند تعثر المحاصيل.

وأوضح المتخصص في الاقتصاد الريفي نادر الفاتح أن "الثروة الحيوانية تمثل أحد أهم أصول الأسر الريفية، لأنها توفر دخلاً متجدداً نسبياً، وتساعد على تنويع مصادر المعيشة في المناطق التي تتقلب فيها المحاصيل من موسم إلى آخر. ولذلك فإن فقدان الحيوانات أو تدهور صحتها لا يقتصر أثره في قيمة القطيع في السوق، بل يمتد إلى قدرة الأسرة على تأمين حاجاتها واستعادة نشاطها الاقتصادي".

وأضاف أن "الحرب تؤثر في تربية المواشي عبر قنوات مختلفة. فقد تضطر الأسر إلى ترك الحيوانات أو نقلها لمسافات طويلة، وقد تصبح بعض المراعي أو مصادر المياه بعيدة أو غير آمنة، وأن تعطل الطرق والأسواق قد يصعب بيع الحيوانات أو شراء الأعلاف والأدوية، وهو ما يرفع كلف التربية ويقلص العائد المتوقع".

وواصل أن "القطعان تحتاج إلى خدمات بيطرية منتظمة، خصوصاً في المناطق التي تنتشر فيها الأمراض أو تتراجع فيها الموارد الغذائية والمائية. وعندما تتعطل حملات التحصين أو تنقطع الإمدادات، ترتفع أخطار انتشار الأمراض، وقد تتعرض الأسر لخسائر يصعب تعويضها في ظل محدودية السيولة".

واختتم المتخصص في الاقتصاد الريفي حديثه بالقول، "تظل الأولوية في المناطق المتأثرة بالنزاع لتحديد حاجات الأسر وفقاً لطبيعة مواردها، بدلاً من اعتماد تدخل واحد لجميع المناطق. فحاجات الأسرة التي فقدت محصولها تختلف عن حاجات الأسرة التي فقدت قطيعها، وإن كانتا تواجهان في النهاية المشكلة نفسها: تراجع القدرة على توليد الدخل من الموارد التي كانت تعتمد عليها".

عودة مؤجلة

قد تبدأ بعض القرى باستعادة نشاطها عندما تتراجع حدة القتال، وتعود الأسواق للعمل، ويتحسن إمكان الحركة بين المناطق، لكن استعادة النشاط الزراعي لا تحدث بالسرعة نفسها في جميع المناطق، لأن العودة للأرض تتطلب توافر شروط قد لا تكون قد استعادت انتظامها بعد.

ويرى الباحث في التنمية الريفية أشرف عبدالصبور أن "إعادة تشغيل القطاع الزراعي بعد النزاع تحتاج إلى النظر إلى القرية باعتبارها منظومة اقتصادية متكاملة، لا مجموعة من الأراضي التي يمكن استئناف زراعتها بمجرد عودة أصحابها. فالمزارع يعتمد على خدمات ومؤسسات وأسواق، ويعتمد على شبكة من العلاقات الاقتصادية التي تربط المنتج بالعامل والتاجر والناقل والمستهلك".

وزاد أن "عملية التعافي تبدأ بتحديد الأضرار التي لحقت بالأصول الزراعية، بما في ذلك الأراضي ومرافق الري والمخازن والمعدات، إلى جانب تقدير الخسائر التي تعرضت لها الأسر في البذور والماشية والمدخرات. ويساعد هذا التقييم على تحديد نوع الدعم المطلوب، بدلاً من افتراض أن جميع المزارعين يواجهون المشكلة ذاتها".

وخلص الباحث في التنمية الريفية إلى القول، "من الضروري توفير التمويل الزراعي بشروط تتناسب مع أوضاع الأسر المتضررة. فالمزارع الذي فقد دخله ومدخراته قد لا يستطيع الحصول على قرض تجاري عادي، خصوصاً إذا لم يكن يملك ضمانات كافية. وقد تكون هناك حاجة إلى منح إنتاجية أو تمويل ميسر أو ترتيبات سداد ترتبط بموعد الحصاد، بحسب ظروف المنطقة وطبيعة المحصول".

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير