Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"عواصف من فولاذ" لإرنست يونغر: الحرب في سبيل الحرب

"موسيقى القصف التي سترافقنا سنوات تبدو بلا نهاية"

الكاتب الألماني إرنست يونغر في فرنسا عام 1997 (غيتي)

يفتتح الكاتب الألماني إرنست يونغر (1890–1998) كتابه الكبير الأول "عواصف من فولاذ" بوصف وصوله والمجندين الألمان الآخرين في قوات الغزو إلى أوروبا الغربية، بمشهد وصول تلك القوات إلى مدينة بازانكور في مقاطعة شامباني. فـ"نحن ما إن توقف بنا القطار حتى بارحناه بقدر كبير لا يصدق من الاحترام يتملك أنفسنا، وتوقفنا مُصغين جميعاً إلى إيقاع بطيء يصل إلينا من أصوات القصف عند الجبهة. كانت أنغاماً ستضحي خلال سنوات طويلة مألوفة بالنسبة إلينا. ومن بعيد لمحنا كتلة النار البيضاء تنطلق ذائبة في سماء ديسمبر (كانون الأول) الرمادية. بدا كما لو أن هالة القتال تلامسنا تاركة نوعاً من رجفة غريبة تخترقنا. هل ترانا كنا نحس بأننا جميعاً سنلتهم خلال تلك الأيام المقبلة حين يتحول ذلك الهدير الأصم الآتي من وراء الأفق إلى عصف لا يهدأ؟...".

بين الحياد والموسيقى

بهذه الصورة وأسئلتها التي تكاد تبدو محايدة على الرغم من كل شيء، يبدأ إرنست يونغر "عواصف من فولاذ"، كافتتاحية موسيقية. والحقيقة أن تلك الصور الموسيقية لن تبارح هذا الكتاب من أوله إلى آخره، إلى درجة تبدو معها وكأنها اللازمة الأساسية التي ستنتقل لاحقاً إلى الألوف من الصفحات التي سيخطها قلم يونغر، ولا سيما حين يتحدث عن الحرب.

وفي هذا السياق، يبدو "عواصف من فولاذ" كنوع من افتتاحية سيمفونية، ولكن يا لها من افتتاحية! يا لها من افتتاحية لعمل إبداعي استغرق حياة بأسرها، وأنتج أدباً نادراً، أدباً بدا وكأن يونغر اعتبر أن الحرب وأفريقيا – وسنرى بعد قليل لماذا أفريقيا – قد وُجدا من أجله، علماً بأن أفريقيا سرعان ما ستتلاشى بالتدريج لتحل مكانها تلك الفتنة التي ستشكلها باريس، ولا سيما خلال الحرب العالمية الثانية، وصاغها يونغر في كلمات تجمعت في كتب عديدة تبدو في نهاية الأمر وكأنها سرد واحد متواصل لا يريد أن يتوقف. سرد حمل عناوين متعددة، مثل "حدائق وطرق"، و"يوميات الحرب والاحتلال"، و"الكوخ في الكرم"، لكننا نعرف أن هذا لم يكن كل ما كتبه يونغر، فهناك أيضاً كتب فكرية وروايات وتأملات فلسفية، وكتب رحلات صيغ أجملها على مدى سنوات طويلة انطلاقاً من رحلات قام بها إلى الشمال الأوروبي والشرق الأوسط – ولا سيما سوريا ولبنان في سنوات الستين، وقد أضحى حكيماً عجوزاً - كما إلى مناطق متوسطية. ومع ذلك كله يبقى "عواصف من فولاذ" كتابه الأساسي، وربما إلى جانب "العامل"، و"مفازات المرمر".

لا بطولة في الحرب

مهما يكن، ربما في مقدورنا هنا أن نشير إلى أن تبوّؤ "عواصف من فولاذ" تراتبية تفضيل الآخرين، وبخاصة الفرنسيين، بالنسبة إلى نظرتهم إلى أدب يونغر، ربما كان نابعاً من سوء تفاهم ما. فالكتاب الذي لا يتوقف ولو سطراً عن الحديث عن الحرب وسمه إحساس حيادي وبارد في الوصف والمواقف فسره كثر بأنه موقف بطولي لفرد إزاء حرب تطحنه كما تطحن الآخرين معه. وفي يقيننا أن تلك الافتتاحية الموسيقية التي تحدثنا عنها هي ما خلق ذلك الانطباع.

في المقابل، لم يكن يونغر نفسه يرى في الأمر أي حس بطولي. كل ما في الأمر أن برودته هو نفسه واهتمامه لدى كل موقف بالتأمل الفكري انطلاقاً من الشرط الإنساني من دون أن يترك للأحاسيس الخاصة أي مجال للتسلل إلى سطوره، إنما كان يخفي موقفاً مرتعباً إزاء الحرب لا يريد أن يفصح عن نفسه. كان يونغر يصر في كل فقرة وصفحة على أن يترك موقفه المرتعب تجاه الموت والخنادق وأمام مرأى الرفاق والأعداء سواء بسواء، غير واضح. ولنؤكد هنا على أن يونغر ولا مرة في "عواصف من فولاذ" تحدث عن جثث الجنود الفرنسيين، أو غيرهم من الأعداء. بالنسبة إليه كانوا شباناً مفعمين بالحياة والحماسة والأمل، وها هم متكومون هنا وسط الوحول وفي الخنادق التي تحولت إلى مقابر لهم، لا يميزهم شيء عن أعدائهم من الشبان الألمان القتلى بدورهم. والحقيقة أن الصفحات والفقرات التي كرسها يونغر لتوصيفه الرائع الخالي من أي حقد وشماتة يقف على النقيض من مجمل الأدب الحربي الذي يكتبه مبدعون من هذا الجانب من طرفي الحرب أو ذاك.

البحث عن حشرات!

وهذا الموقف هو الذي مهد لاحقاً لابتعاد يونغر بعد الحرب عن كل الإغراءات النازية، رافضاً خوض السياسة، أو حتى أي انتماء إلى أي هيئة أدبية أو فكرية، مفضلاً اللجوء إلى مناطق جبلية نائية انصرف فيها إلى الاهتمام بواحدة من هواياته الأثيرة: دراسة الحشرات التي راح ينقب عن غريبها ويدرسه خلال حقبة عاشها في عزلة تامة. 

وبعد حين لم يخرج يونغر من عزلته سوى اندلاع الحرب العالمية الثانية التي كان أصدر عشيتها كتابه "على مفازات المرمر" (1939) الذي أنقذته الحرب على أي حال من براثن هتلر، إذ يتحدث فيه عن دكتاتور – لغز يتجمع الناس من حوله معتقدين إياه منقذهم! المهم، كان ما أغرى يونغر بالعودة إلى الحرب أمله في أن يرسل إلى باريس. ولم يخب أمله، إذ عين بالفعل في العاصمة الفرنسية، حيث وجد بيئة أدبية تعرفه وتقدره بشكل استثنائي، وتعطيه مجالاً واسعاً للافتتان بالحرب، ولكن على طريقته.

فرنسا في حياة ألماني

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ونعرف أنه بالنسبة إلى يونغر، كان ثمة قبل الافتتان بالحرب، الافتتان بأفريقيا. أو لنقل بالحرب وأفريقيا معاً تحت يافطة واحدة هي "سيدي بلعباس" وفرنسا. ذلك أن حياة إرنست يونغر بأسرها تبدأ باتخاذ أهميتها منذ أغرم في صباه المبكر بأفريقيا، ولن يجد من طريقة للوصول إليها أفضل من الهرب من بيت الأسرة والانضمام إلى "الفرقة الأجنبية" في الجيش الكولونيالي الفرنسي. وهي المغامرة التي قادته إلى منطقة سيدي بلعباس، غير أن رسالة من أبيه دفعته للعودة بسرعة إلى ألمانيا، ولكن بعدما كانت ذاكرته قد اختزنت رؤى وذكريات لا تنضب وجدت طريقها بعد زمن إلى صفحات واحد من أجمل كتبه: "ألعاب أفريقية" في وقت كانت الكتابة قد انضمت إلى شغفيه الأساسيين. 

ومنذ سيدي بلعباس كانت قد ترسخت على أي حال بين يونغر والحرب تلك العلاقة الوطيدة التي سرعان ما تمظهرت حين اندلعت الحرب العالمية الأولى ليتطوع في الجيش الألماني، ويخوض الحرب، حيث أصيب بجراح عديدة، ولكنه خرج من التجربة بكتابين متكاملين: "عواصف من فولاذ"، ومن ثم "الحرب أمنا". ونعرف أن الأول بين هذين الكتابين انتشر والكاتب بعد شاب في عشرينياته ليعفيه من عقدة الذنب التي هيمنت حينها على ملايين المقاتلين، مهزومين كانوا أم مظفرين. ولعل أغرب ما في هذا الأمر أن الفرنسيين، حلفاء أول من أمس وأعداء الأمس كانوا أول المحتفلين بـ"عواصف من فولاذ" وخير مترجمين مستقبلين له.

عدو على حدة

والأغرب من هذا أن يونغر، الذي سيعود بعد عقدين ونيف ليخوض الحرب مرة جديدة ضد الفرنسيين وفي صفوف الألمان ويسهم في إدارة الاحتلال النازي لباريس، سيلقى من جديد ترحيباً مدهشاً من جانب الأعداء على عكس باقي الضباط النازيين.

ولعل السر في هذا يكمن في بعدين: أولهما أن يونغر اعتبر نفسه دائماً ضابطاً ألمانياً لا ضابطاً نازياً. والثاني أن يونغر حتى خلال سنوات الاحتلال، تعاطى مع المفكرين والمبدعين الفرنسيين التقدميين من دون أن يبالي بمواقفهم السياسية. وربما يكون ثمة هنا بعد ثالث يمكن تلمسه في صفحات عدد من كتب اليوميات التي وضعها عن الحرب العالمية الثانية مستأنفاً فيها ما كان عبر عنه في "عواصف من فولاذ"، وهو أنه في خوضه الحروب لم تكن لا السياسة ولا الاحتلال ولا العدوة ما يشغل باله، بل الحرب والكتابة كعنصري افتتان دائم لديه. وفي هذا الإطار ربما كان يونغر نسيجاً وحده بين الكتاب، ولقد تقبله الفرنسيون على هذا النحو منذ الحرب العالمية الأولى.

المزيد من ثقافة