Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

تخوم مأرب تشهد أسخن معارك حرب اليمن… فما أهميتها الاستراتيجية؟

تبذل ميليشيات الحوثي جهداً مضاعفاً في الأشهر الأخيرة لانتزاع المحافظة من الجيش الوطني

تشهد مأرب اليمنية تصعيداً غير مسبوق للحوثيين للسيطرة على آخر معاقل الشرعية في الشمال (أ ف ب)

وصلت المعارك على التخوم الغربية والشمالية الغربية لمحافظة مأرب بين القوات الحكومية وجماعة الحوثي إلى مرحلة كسر العظم، نظراً إلى الاستماتة القتالية التي يبديها الطرفان، بحثاً عن تقدم ميداني يعني لهما الكثير من المكاسب، ويحسن شروطهما قبل الدخول في مفاوضات سياسية لإنهاء الحرب.

وعلى الرغم من أن الأثمان البشرية التي دفعها الجانبان كانت باهظة، إذ أسفرت عن عشرات القتلى من الطرفين في الأيام الماضية، إلا أن الأهمية التي تكتسبها مأرب على المستويات كافة، تفسّر هذه الاستماتة التي دفعت الجيش الحكومي إلى أن يتداعى لنصرة "أكبر قلاع الجمهورية اليمنية" كما تسمّيها الحكومة، لمساندة القوات التي تصدّ الهجوم الحوثي.

لماذا مأرب؟

تقع مأرب في الشمال الشرقي من العاصمة صنعاء، وتبعد منها بحدود 173 كيلومتراً، وتخضع في معظمها لسلطة الحكومة الشرعية، بما فيها مركز المدينة.

وتتمتع بالنسبة إلى الطرفين بأهمية عسكرية وسياسية واقتصادية كبرى، فعلاوة على رمزيتها الجمهورية والسياسية وقيمتها العسكرية، كونها المحافظة التي تضم بين جنبات صحاريها وجبالها أكبر وأعتى كتائب قوات الشرعية، فهي تكتسب بالقدر ذاته أهمية اقتصادية، كونها من أهم المحافظات اليمنية الغنية بالنفط، إضافة إلى الغاز المسال.

عاصمة غير معلنة

وبالنسبة إلى الحكومة الشرعية، فمأرب تعدّ بمثابة العاصمة السياسية، خصوصاً عقب الأزمة بينها والمجلس الانتقالي الجنوبي في عاصمة البلاد المؤقتة في عدن (جنوب)، مطلع أغسطس (آب) 2019، ولهذا فهي تستقبل معظم مسؤولي الدولة الموجودين داخل البلاد. كما تتكفل بجزء كبير من نفقات الحكومة والجيش، ما يمنحها ثقلاً سياسياً ومعنوياً بارزاً في معادلة الحرب بالنسبة إلى الحكومة الشرعية.

كما تعتبر معقلاً رئيساً للمعارضين السياسيين والعسكريين المناوئين للحوثي، إضافة إلى كونها أهم تجمع سكاني للنازحين، إذ تشير تقديرات منظمة الهجرة الدولية، إلى أنها استقبلت حوالى مليون نازح. ونتيجة لذلك، زاد عدد سكان مدينة مأرب عشرة أضعاف، فمن 300 ألف قبل الحرب إلى ثلاثة ملايين، بحسب بيتر سالزبري، الباحث في مجموعة الأزمات الدولية.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وإدراكاً لهذه القيمة، قال رئيس الوزراء اليمني معين عبد الملك، في 23 نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، إن "مأرب كانت وستظل عصية على ميليشيات الحوثي، التي فشلت في إخضاعها منذ انقلابها أواخر 2014".

وأشاد عبد الملك، خلال اتصال هاتفي مع محافظ مأرب سلطان العرادة، بـ"التماسك والثبات والمعنويات العالية للشعب والجيش والمقاومة ورجال القبائل في هذه المعركة الوجودية التي يخوضها ضد المشروع الإيراني"، وفق وكالة الأنباء الرسمية "سبأ".

الأهمية العسكرية

وفي مأرب، معظم القوات العسكرية الموالية للحكومة الشرعية، فهي تضمّ مقر وزارة الدفاع ومركز القيادة والسيطرة وعدداً من المناطق العسكرية التي تتفرّع منها ألوية قتالية مختلفة، منها المنطقة العسكرية الثالثة، التي تجمع مأرب وشبوة، إضافة إلى المنطقة العسكرية السابعة، كما يتمركز في مأرب فرع قيادة تحالف دعم الشرعية ومراكز تدريب قوات الجيش ومخازن الإمداد والتموين ومطار صافر الترابي الذي يستخدمه التحالف لإمداد الجيش بحاجاته من المؤن والعتاد.

كما تمثّل محافظة مأرب خط الدفاع الأول عن بقية المحافظات الجنوبية والشرقية، وأهمها محافظتا شبوة وحضرموت المحاذيتان لها والخاضعتان للحكومة الشرعية واللتان تكتنزان منابع النفط والغاز وموانئ التصدير وطرق المواصلات البرية الدولية مع السعودية وسلطنة عمان.

هدف اقتصادي

تعدّ مأرب من أهم المحافظات الغنية بالنفط والغاز المسال الذي يعتمد عليه اليمنيون في مختلف أرجاء البلاد، والذي كان يصدّر إلى الخارج قبل الحرب، فيما الحوثيون يشترون الغاز المنزلي ووقود المركبات من هذه المحافظة الحيوية، الأمر الذي دفع القيادي الحوثي محمد البخيتي إلى الكشف عن ھدف المیلیشیا من الھجوم الأخير، وهو رغبتھا الجامحة في الحصول على النفط، معتبراً أن أميركا تحاصر السفن النفطية ولیس ھناك حل حالیاً سوى الاستيلاء على مأرب.

كما قال في سلسلة تغريدات "الوقود أصبح شريان حياة لأي شعب، لذلك لم يعد أمام الشعب من خيار سوى النفير العام لكسر الحصار، وذلك برفد جبهة مأرب بالمال والرجال لاستعادة ثرواتنا المنهوبة".

إكمال سلسلة الانتصارات

قبل هجومهم على المحافظة، نجح الحوثيون في السيطرة على مدينة الحزم، المركز الإداري لمحافظة الجوف (شمال شرقي) والمحاذية للسعودية، مطلع مارس (آذار) الماضي.

كما بسطوا سلطتهم على أجزاء واسعة من مديرية نهم شرق صنعاء، أواخر يناير (كانون الثاني) الماضي، التي تعرف بـ"البوابة الشرقية" للعاصمة صنعاء (شمال)، الخاضعة لسيطرة الحوثيين منذ سبتمبر (أيلول) 2014. ودفعت هذه المكاسب الحوثيين إلى مواصلة التقدم للسيطرة على بقية المحافظات التي لا تخضع لهم.

ما قبل التسوية

ونتيجة لتلك المعطيات، بات جليّاً، بحسب مراقبين، أن الحوثيين يسعون بقوة إلى السيطرة على مأرب قبل الدخول في أي محادثات جديدة مع الحكومة المعترف بها لتحسين شروطهم التفاوضية، في ظل اتجاه لدى إدارة الرئيس الأميركي جو بايدن نحو إنهاء النزاع الذي راح ضحيته عشرات الآلاف منذ 2014، كما تسبب بواحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم.

ولهذا، دعت وزارة الخارجية الأميركية الحوثيين، الثلاثاء، إلى وقف التقدم نحو مأرب والعودة إلى المفاوضات.

بيان النعي الأخير

ستترتّب على سيطرة الحوثيين على مأرب، نتائج  سياسية واقتصادية وعسكرية عدة، إذ يقول المسؤول الإعلامي في الرئاسة اليمنية ثابت الأحمدي، "يكمن الصراع الأخير الذي يجري على مشارف مأرب في كونه معركة المعارك كلها، والمشهد الأخير والفاصل، وله ما بعده للطرفين معاً على المستويات السياسية والعسكرية والاقتصادية وغيرها".

فعلى الصعيد السياسي، يرى الأحمدي أن "سيطرة الحوثي على المحافظة، بمثابة تلاوة بيان النعي الأخير للشرعية اليمنية التي لم يبقَ لها من أراضٍ تحكمها بالكامل سوى مأرب، بعد سيطرة الحوثيين على العاصمة صنعاء في سبتمبر (أيلول) 2014، ثم سيطرة الانتقالي الجنوبي على العاصمة المؤقتة عدن في 2019". ويضيف "هذا السيناريو يعني سيطرتهم التامة على شمال البلاد باستثناء مناطق معينة في تعز، وهو ما يعرف تاريخياً باليمن الشمالي، قبل الوحدة اليمنية عام 1990".

كما أن سقوط المدينة المهمة، وفقاً للأحمدي، يعني "إغلاق المحافظات الشمالية كافة في وجه الحكومة والتحالف، ما سيعقّد مهمات استعادة الدولة التي بموجبها انطلق التحالف العربي لنصرة الشرعية، ويعني إخفاقاً عسكرياً فادحاً للحكومة والتحالف على السواء".

كما يسلّط الأحمدي الضوء على جانب اجتماعي مهم في هذه المحافظة، إذ يقطنها "مئات الآلاف من النازحين، سواءً ممن يسكنون الخيام أو البيوت، والسيطرة عليها من أي طرف، تعني السيطرة على النخبة السياسية والاجتماعية والعسكرية الموجودة فيها، كما أن بقاءها مع الشرعية يعني بقاء هذه الكتلة الكبيرة، التي تشكّل كفة ترجيح في المعادلة الاجتماعية وتمثّل ثقلاً له اعتباره، لا يمكن الاستغناء عنه".

المزيد من العالم العربي