Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

إعادة هيكلة القطاع المصرفي اللبناني مؤجلة

التصفية غير مستبعدة كما التدخلات السياسية والمودعون الخاسر الأكبر

تعاميم لمصرف لبنان حاولت أن تعيد إلى السوق المتفلتة بعض الانضباط (أ ف ب)

ما زال الرهان على الوقت من المسلمات بالنسبة للبنانيين الذين لا خيار لديهم سوى الانتظار والترقب وسط الانهيار المالي الذي بدأ منذ أكثر من عام تقريباً، فلا إجراءات فعلية اتخذتها الحكومة ولا خطط واضحة وضعت لإنقاذ ما تبقى من مقومات اقتصادية.

المحاولة المتعثرة الوحيدة كانت خطة إنقاذ أفرجت عنها الحكومة ورفضتها كل قوى الإنتاج والقطاع المصرفي والمالي، واعتُبرت محاولة ممنهجة لسرقة الثروات الخاصة عبر تحميل المودعين وزر ما خلفته سنوات من الهدر والفساد، ارتُكبت خلال السنوات الـ15 الأخيرة، واستفادت منها كل القوى السياسية المتعاقبة على الحكم.

وفي ظل التعثر الحكومي، برزت تعاميم لمصرف لبنان، حاولت أن تعيد إلى السوق المتفلتة بعض الانضباط وإلى العمل المصرفي المتعثر بعض الاستقرار وسط أزمة سيولة بالعملات الأجنبية عصفت بالقطاع المالي في لبنان، ونتج منها عدم قدرة المودعين الولوج إلى ودائعهم بالعملات الأجنبية في بلد بلغت حتى قبل الأزمة نسبة "دولرة" الودائع فيه إلى 80 في المئة.

ولعل أبرز هذه التعاميم، ما صدر في 27 أغسطس (آب) 2020، تحت رقم 154 وعنوان: "إجراءات استثنائية لإعادة تفعيل عمل المصارف العاملة في لبنان".

إذ فرض مصرف لبنان على المصارف التجارية إعادة تقييم عادلة لموجوداتها على أن يكون للمصرف حساب خارجي حر من أي التزامات لدى مراسليه في الخارج لا يقل عن ثلاثة في المئة من مجموع الودائع بالعملات الأجنبية لديه.

كما فرض على المصارف رفع رأسمالها بنسبة 20 في المئة مع الحق بإتاحة تحويل المودعين لودائعهم إلى أسهم في رأسمال وذلك خلال مهلة تنتهي في 28 فبراير (شباط) 2021.

فأين أصبحت المصارف في لبنان من هذه المتطلبات وعلى بعد شهر من الاستحقاق؟

جمعية المصارف: لا استحواذات والتمديد سيّد الموقف

فقد بيّنت جمعية المصارف أن المصارف في لبنان خصوصاً الكبيرة منها، تعكف على زيادة رساميلها بنسبة 20 في المئة، وإعادة تكوين نسبة ثلاثة في المئة في حساباتها لدى البنوك المراسلة، تماشياً مع متطلبات السلطة النقدية في لبنان، كما تحافظ على الالتزلم بالمعايير الدولية والمحاسبية في مسار لا لبس فيه. ورفضت جمعية المصارف أي توقعات أو أرقام طُرحت حول تقلص حجم القطاع المصرفي أو خروج مصارف من السوق، كما أن ورشة العمل لا تزال قائمة ولا يمكن معرفة كم من المصارف سيقفل وعدد الذي سيتابع العمل.

واستبعدت الجمعية أن يشهد القطاع المصرفي اللبناني عمليات اندماج أو استحوذات نظراً للأزمة المالية وصعوبة بيئة الأعمال والكلفة المرتفعة لعمليات الاندماج والاستحواذ بظل غياب المحفزات من مصرف لبنان.

تمديد المهل ينقذ القطاع المصرفي

وبينت جمعية المصارف أن القانون الذي صدر عن مصرف لبنان ومدد بموجبه كل المهل القانونية، يسري على المهل الصادرة عن السلطات النقدية والمصارف، بالتالي تمديد المهل يطال عمليات رفع رأس المال، ما أعطى المصارف مهلة إضافية تنتهي في يونيو (حزيران) بدلاً من فبراير 2021.

وكان بعض المصارف الكبيرة بادر إلى بيع عملياته الخارجية في مصر والأردن لتمويل عملياته داخلياً في إجراءات قد تتطلب أكثر من شهر. كما عملت المصارف وبجهد كبير مع المساهمين لتأمين زيادة رأسمال عبر الاكتتاب بأسهم جديدة من الودائع الحالية. أما بالنسبة لتقييم رأس المال والأصول فسيكون على السعر الرسمي المتبع قانونياً في لبنان وهو عند 1507 ليرات للدولار.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

جمعية المصارف: عدم الاستقرار التشريعي يزيد الضغوط 

وتلقي جميعة المصارف الضوء على الضغوط الهائلة المترتبة من استمرار عدم الاستقرار السياسي بظل التأخر في تشكيل حكومة، كما عدم الاستقرار الحاصل في التشريعات والقوانين التي تصدر بالجملة و"بحسب الطلب".

فمجلس النواب يجتمع لإقرار قوانين مالية جديدة، تفرض شروط عمل جديدة على المصارف المتضررة بشدة من توقف الحكومة عن سداد ديونها. كما ينشئ عدم الاستقرار التشريعي بيئة غير مناسبة لجذب الاستثمارات إلى القطاع المالي أو الاقتصاد عموماً. فالسلطة تتخبط، يوم تزيد الرسوم ويوم تبتدع ضريبة على الودائع الكبيرة ما من شأنه أن ينعكس مزيداً من الضغوط على الاستقرار في لبنان.

 لجنة إعادة هيكلة المصارف بقيت حبراً على ورق

وأعلن حاكم مصرف لبنان رياض سلامة في مذكرة أصدرها في يوليو (تموز) من عام 2020، عن تشكيل لجنة لإعادة هيكلة القطاع المصرفي، تضم ممثلين عن الحكومة ومصرف لبنان ولجنة الرقابة وجمعية المصارف، ولكن لم يكد يمضي أسبوع على إصدارها حتى أبلغت لجنة الرقابة على المصارف، الحاكم، اعتذارها عن عدم المشاركة في اللجنة، معللة الأمر بالتضارب بين دورها المحدد في القانون، والدور الذي يفترض بلجنة إعادة الهيكلة الاضطلاع به.

وفي هذا الإطار بينت جميعة المصارف أن اجتماعات اللجنة انحصرت بواحدة يتيمة، فخروج لجنة الرقابة ودورها الأساسي في مراقبة إعادة تقييم القطاع المصرفي عطل عمل اللجنة بالكامل ولم يناط بها أي مهام.

إعادة تقييم المصارف بين الشفافية و"الهرطقة"

ويوضح المصرفي والوزير السابق لشؤون التكنولوجيا عادل أفيوني أنه علمياً ومنطقياً لا يمكن زيادة رأسمال أي مؤسسة من دون أن تكون ميزانيتها شفافة وصادقة، وهذا ينطبق على المصارف اللبنانية.

إذ أي زيادة رأسمال غير ممكنة قبل أن يكون هناك تقييم واضح وشفاف لأصول المصارف وخسائرها، بالتالي تحديد واضح لقيمة كل مصرف ووضعه المالي. إلا إذا لجأت المصارف إلى "هرطقات وخزعبلات دفترية" (أرقام غير دقيقة) وهذا طبعاً لا يفي بالغرض وغير مقبول.

المطلوب اليوم زيادة الرأسمال بسيولة خارجية لا بتمارين دفترية ومحاسبية، وهذا مستحيل قبل أن تكون هناك إعادة هيكلة جذرية وشفافة في كل مصرف.

لذلك، توقع خبراء أن يتم تمديد المهل كما حصل في السابق، فزيادة الرأسمال قبل تقييم الأصول والخسائر وإعادة الهيكلة غير منطقية. وإلا فسنشهد استمراراً لسياسات الضبابية وربح الوقت وتضليل المستثمرين والمودعين بميزانيات غير واقعية.

وكما نعلم، أكثر من 65 في المئة من أصول المصارف عبارة عن سندات أو ودائع لدى البنك المركزي أو لدى الدولة. طالما لا اتفاق على قيمة هذه السندات، أو بمعنى آخر على الـhaircut  الذي سيطبق على هذه الموجودات، يستحيل تقييم أصول المصارف أو قيمتها وأي عملية تقييم ستكون مضللة وغير صالحة.

ومن هنا، يتابع أفيوني، سيكون من الصعب على المصارف عرض أسهم على المودعين في هذا الوضع ومن دون تقييم واضح، وإلا فذلك يشكل عملية تضليل جديدة وسيصبح المودع مساهماً في مصرف قيمته غير صحيحة وعلى السلطات حماية المودعين من أي عملية شراء أسهم أو استبدال وديعة بأسهم طالما ميزانيات المصارف غير شفافة وغير صحيحة.

لا قدرة للمركزي على إدارة المصارف المتعثرة

لا قدرة لمصرف لبنان على استلام إدارة المصارف التي لن تستطيع أن تطبق الإجراءات المالية بحسب عادل أفيوني، خصوصاً بالنظر لعدد المصارف التي سيشملها مثل هذا الإجراء، كما أن مصرف لبنان يعاني بدوره من خسائر بالغة ولا قدرة له على تملك مصارف أو إدارتها.

كل هذه الحلول بالقطعة والترقيع لم تعد تجدي يتابع أفيوني، والمطلوب أولاً خطة جدية لإعادة هيكلة المصارف، وعلى هذا الأساس تتم إعادة رسملة المصارف القادرة على الاستمرار وبميزانيات شفافة. فالمصارف كلها ومن دون أي استثناء تعاني من أزمة مالية حادة ولا يجب تحميل مصرف متعثر عبء مصرف متعثر آخر، فهذا يفاقم المشكلة ويعقدها.

المودعون الخاسر الأكبر

للأسف المودعون حتى اليوم هم الخاسر الأكبر من الأزمة المصرفية بحسب المصرفي والوزير السابق عادل أفيوني، فودائعهم رهينة في المصارف، وهي تذوب تدريجاً مع تفاقم الخسائر، ولا حل حتى الآن في الأفق لإنقاذ ما تبقى من الودائع، وهذا أدى إلى أزمة اجتماعية ومعيشية ومالية صارخة لدى عشرات الآلاف من العائلات اللبنانية التي خسرت مدخراتها في المصارف وهي عاجزة عن استخدامها.

وعلى الرغم من هذا الوضع الكارثي، تستمر عملية شراء الوقت من قبل السلطات السياسية والمصرفية ومن قبل المصارف، وتعطيل الحل مع صندوق النقد وإجهاضه في متاهات السياسة والمصالح الخاصة والأنانية أبلغ مثل على ذلك. لم نشهد منذ أكثر من سنة أي إجراء أو إصلاح  لحماية ما تبقى من أموال المودعين، بل مجرد وعود غير صادقة وغير عملية وتبادل تهم بين المصارف والدولة لا يقدّم بل يؤخر.

ظاهرة zombie banks

تأخرت المصارف في اتخاذ أي تدابير إنقاذية، واكتفت بإلقاء التهم والمسؤولية على الدولة، ومارست سياسة النكران وشراء الوقت، وقد كلفت هذه السياسة القطاع غالياً، إذ خسر ثقة المودعين وصدقيته العالمية وملاءته وقدرته على الاستمرار، وتحولت المصارف إلى zombie banks  لا نشاط مصرفي لها.

الحل بإطلاق إعادة هيكلة شفافة جذرية للقطاع المصرفي على أن تبدأ المصارف هذه العملية بفصل نشاطها المصرفي التجاري عن محفظتها السيادية.

محفظتها السيادية من سندات أو ودائع  لدى مصرف لبنان أو لدى الدولة هي الداء الأكبر والأكثر تعقيداً ويجب إخراجها من المصارف ووضعها في شركة يمتلكها المودعون والمساهمون الحاليون.

أما محفظة المصارف من القروض التجارية فهذه في صميم العمل المصرفي، وممكن للمصارف الاحتفاظ بها وتقييمها وهي ستشكل القطاع المصرفي الجديد وممكن إعادة رسملتها بسيولة خارجية.

النشاط المصرفي التجاري هذا حجمه يتناسب مع حجم الاقتصاد، ودوره أساسي لتمويل الحركة الاقتصادية، وهو يشكل نواة القطاع المصرفي الجديد.

المزيد من اقتصاد