Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

كيف قضى النظام الإيراني على التعددية السياسية؟

حتى الدستور استُعمل في المواجهة القاسية مع القوى والأحزاب التي تحمل أفكاراً قومية أو علمانية

الحياة السياسية والحزبية في ظل النظام الإسلامي يجب أن تكون محكومة بسقف الدستور والولاء للنظام الإسلامي (رويترز)

من الأمور التي حرصت على تكريسها قيادة النظام الإسلامي في إيران بعد انتصار الثورة عام 1979، الحفاظ على مبدأ "التعددية في إطار الوحدة"، ما يعني أن الحياة السياسية والحزبية في ظل النظام الإسلامي يجب أن تكون محكومة بسقف الدستور والولاء للنظام الإسلامي، وألا تتعارض المبادئ الحزبية مع المحددات الدستورية التي تقوم عليها السلطة الدينية التي تشكل هوية النظام.

وانطلاقاً من هذه الرؤية، دخل هذا النظام في مواجهة قاسية مع القوى والأحزاب التي تحمل أفكاراً قومية أو علمانية، والتي تشكل نقيضاً لأسس النظام الإسلامي، وعمل على تفكيك منظوماتها الاجتماعية والتنظيمية، مستخدماً سلاح الدستور والقانون والإقصاء والعزل، كما حدث مع حركة تحرير إيران بقيادة أول رئيس وزراء في الحكومة الانتقالية بعد الثورة، مهدي بارزكان، والجبهة الوطنية بقيادة عضو الحكومة الانتقالية، يد الله سحابي، ولاحقاً مع الجبهة القومية الدينية بقيادة عزت الله سحابي، نجل يد الله، وكل الحركات والأحزاب السياسية التي كانت تحمل أفكاراً تمزج بين الديني والليبرالي، أو الديني والماركسي، وأخرجتها من العملية السياسية، وأزاحتها عن المواقع الرسمية، وقطعت الطريق عليها للعودة إلى العمل السياسي والاجتماعي، مستخدمة كل الوسائل التي تمتلكها كمجلس صيانة الدستور، والدستور الذي حدد سقف العمل السياسي والحزبي بالاعتقاد بمبدأي الجمهورية الإسلامية وولاية الفقيه.

تعددية حزبية وسياسية

والتعددية الحزبية والسياسية، التي وجدت طريقها للحياة في ظل النظام الإسلامي في إيران، كانت تعددية لا تخرج عن هذين المبدأين، لذلك عندما حدث اختلاف داخل "تجمع رجال الدين المجاهدين"، الذي يعتبر الإطار الأساس الذي مثل المؤسسة الدينية في العمل السياسي، والذي تولى رئاسته لمدة طويلة الرئيس الراحل علي أكبر هاشمي رفسنجاني، عندما حدث هذا الاختلاف داخلهم على خلفية الحاجة إلى إحداث إصلاحات في آليات الحكم والتعامل مع المتطلبات الاجتماعية والثقافية، وانتهى عام 1987 إلى إعلان الانشقاق داخل صفوفهم وخروج جماعة من رجال الدين من هذا التشكل، واختاروا الاستمرار في العمل السياسي تحت اسم جديد يحمل اسم "جماعة رجال الدين المناضلين"، والذي تناوب على رئاسته كل من مهدي كروبي ومحمد خاتمي، وشغل موسوي خوئينيها منصب أمينه العام.

وعلى الرغم من أن هذا الانشقاق جاء في مرحلة استطاع النظام إحكام القبضة على الحياة السياسية والحزبية والتخلص من كل مصادر القلق والتحدي التي قد تشكلها الأحزاب غير الدينية، فإن المؤسس الإمام روح الله الخميني لم يعترض على هذا الانشقاق، بل ذهب إلى مباركته وموافقته الخطية بناءً على الرواية التي قدمها مهدي كروبي عندما ذهب إلى استشارته حول المضي بتأسيس هذا التشكيل، على اعتبار أن هذه التعددية لا تشكل خطراً على النظام والجمهورية، ما دام السقف الذي تعمل تحته لا يخرج عن المبادئ التي أقرها الدستور وإسلامية النظام وشرط ولاية الفقيه، على الرغم من اتهام المتشددين لهؤلاء بأنهم يمثلون تياراً يسارياً داخل المؤسسة الدينية والنظام الإسلامي.

الاختلاف

وقد اعتبر الخميني في مارس (آذار)، وأبريل (نيسان)، عام 1988، أن "الانشقاق عن أي تشكل من أجل إعلان موقف مستقل، وتشكيل إطار جديد، لا يعني الاختلاف، فالاختلاف يحدث عندما، لا سمح الله، يلجأ أحد إلى فرض آرائه على الآخر بالقوة، وبناءً على ما أعرفه عن رجال الدين الثوريين، لن يحدث مثل هذا الأمر، بحمد الله، وأنا أدعو لكم ولكل من ينبض قلبهم من أجل الإسلام العزيز، وأطلب من الله التوفيق لكم"، إلا أن الأمور ذهبت بعد وفاة الخميني ووصول رئيس الجمهورية آنذاك، علي خامنئي، إلى موقع القيادة وولاية الفقيه التي أصبحت مطلقة بعد التعديل الدستوري، ولجأ النظام إلى تفعيل واستخدام سلاح لجنة تحديد الصلاحيات في مجلس صيانة الدستور لإقصاء هذه الجماعة عن السلطة والبرلمان وإدارات الدولة، لصالح جماعات تحظى بتأييد "تجمع رجال الدين المجاهدين".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

الانشقاق الأول داخل الكتلة الأساسية الحاملة للنظام الإسلامي جاء نتيجة ما اعتبرته "جماعة علماء الدين المناضلين" المتهمة باليسارية خلافاً مع مجمع علماء الدين المجاهدين بالمباشر حول دعم حكومة مير حسين موسوي الذي كان على خلاف مع رئيس الجمهورية آنذاك خامنئي، وأعيد اختياره لهذا المنصب بدعم من الخميني، فضلاً عن استبعاد العديد من رجاله البارزين عن الانتخابات البرلمانية، إلا أن جوهر الخلاف يعود إلى اتهام هذه الجماعة "المناضلين" لزملائهم في تجمع "المجاهدين" بالتخلي عن نهجها الأساسي في دعم الثورة والثوريين الأصليين، وتفضيل الأشخاص الذين لا تاريخ لهم في الثورة على الأشخاص الثوريين الحقيقيين.

وإن التطورات اللاحقة ستضع النظام في مواجهة حقيقية مع هذه الجماعة التي تحولت إلى معبرة عن الاتجاهات والتوجهات الفكرية والاجتماعية والثقافية والسياسية التي تولدت في المجتمع الإيراني، خصوصاً بعد انتهاء الحرب العراقية – الإيرانية، والانتقال إلى مرحلة إعادة الإعمار.

الانتخابات البرلمانية

الصراع بين هذين الاتجاهين وجد تعبيراته في الانتخابات البرلمانية التي جرت في 1996 و2000، حیث استطاعت قوى التغيير تحقيق نسبة مشاركة وازنة في الأولى، خصوصاً تيار كوادر البناء المحسوب على الرئيس رفنسجاني، وهي المرحلة التي أسست ومهدت الطريق لوصول خاتمي عام 1997، ما فتح الطريق عام 2000 لسيطرة القوى الإصلاحية على الحياة البرلمانية، إلا أنه (هذا الصراع) في المقابل، كشف عن وصول أطروحة النظام إلى مرحلة صعبة، وأن التصدعات لم تقتصر على المؤسسة العسكرية التي مال بعض قياداتها للخطاب الإصلاحي، بل تعدتها إلى تصاعد الأصوات العلمانية أو الداعية لفصل الدين عن السياسة التي بدأت تخرج من داخل المؤسسة الدينية التي تشكل العمق الذي يرتكز عليه النظام للإمساك بالسلطة، ووصلت التحديات إلى جر النظام للدفاع عن مكتسباته في مواجهة الدعوات التي تطالب بإجراء استفتاءات دستورية تحد من صلاحيات المرشد الأعلى للنظام وولي الفقيه المطلقة، واتساع دائرة النقاش حول ضرورة أن تكون هذه الصلاحيات بعد تعديلها تحت سقف الدستور، لا فوقه.

العمليات القيصرية التي لجأ إليها النظام بعد عام 2005، والجهود التي بذلها للتخلص من الآثار المباشرة للمرحلة الخاتمية وتداعياتها البرلمانية، جاءت من خارج البحث عن حلول جذرية أو اعتراف بالتحولات التي طرأت على المجتمع الإيراني، وأن التعددية تحت سقف الوحدة باتت مقولة صعبة التطبيق في ظل خروج التوجهات والاتجاهات السياسية من دائرة السيطرة، وأن التعبيرات العلمانية والقومية والليبرالية وغيرها من التوجهات لم تعد في وراد التفتيش عن غطاء أو بعد ديني يضمن لها حرية العمل السياسي وعدم استفزازها للنظام شكلياً على الأقل، بل أصبحت تجاهر بتوجهاتها، وتعلن عن وجودها بأشكال مختلفة من دون مواربة حتى ولو أوصلها هذا التحدي إلى دخول السجن أو المحاصرة، لكن من دون أن تظهر أي انكفاء عن توجهاتها.

لجوء النظام إلى استخدام سيف لجنة دراسة أهلية المرشحين في مجلس صيانة الدستور لاستبعاد المرشحين الذين يشكلون خطراً أو تحدياً لأطروحة النظام السياسية من الانتخابات الرئاسية والبرلمانية، أفضى إلى وصول أحمدي نجاد إلى رئاسة الجمهورية واستعادة السيطرة على الحياة البرلمانية التي اكتملت في الانتخابات الأخيرة قبل سنة، إلا أنها كشفت عن المأزق الذي يعيشه النظام وعدم قدرة الجماعات المحسوبة عليه لتحقيق الهدف في استعادة الثقة الشعبية، وقد انتهت الأمور إلى انتفاضة شعبية عرفت بالحركة الخضراء عام 2009، بعد اضطرار النظام ومؤسساته للتدخل من أجل قطع الطريق على وصول مير حسين موسوي إلى الرئاسة وعودة القوى التي يسعى لإخراجها من المعادلة السياسية.

التداعيات السلبية

وعلى الرغم من أن كلا الطرفين وجدا في وصول حسن روحاني إلى رئاسة الجمهورية ما يسمح لهما بترميم التصدعات التي حدثت في معسكريهما... المحافظون لتخفيف التداعيات السلبية لرئاسة أحمدي نجاد، والإصلاحيون لالتقاط الأنفاس وتوسيع النافذة التي توفرت لهم مع روحاني لتنظيم صفوفهم والعمل على استعادة الثقة الشعبية التي تراجعت نسبياً نتيجة عدم قدرة هذه القوى على تنفيذ الوعود التي قطعتها سياسياً واقتصادياً وثقافياً واجتماعياً، إلا أن إصرار المعسكر المحافظ على عرقلة جهود إخراج النظام من عزلته الشعبية، فضلاً عن عزلته الدولية خوفاً من أن يتحول أي نجاح في هذا المسعى إلى تكريس لهذه القوى كشريك أساسي في النظام والسلطة على حساب تفرده واستئثاره بها، وضع النظام في مواجهة ما حاول على مدى أربعة عقود الهروب منه أو عدم الوصول إليه، وهو حصول انقسام سياسي بين توجهين متخالفين غير ملتزمين بالمعايير الدستورية والشروط التي يضعها النظام للعمل السياسي. ولعل تأكيد المرشد الإيراني في أحد لقاءاته الأخيرة مع رئيس الجمهورية والبرلمان والحديث عن ضرورة الحوار الداخلي قبل الحديث عن الحوار مع الخارج، يضع الإصبع على المخاوف التي يعيشها النظام في المرحلة المقبلة.

ويبدو أن الانتخابات الرئاسية بعد أشهر عدة، قد تشكل أول التعبيرات الحقيقية لما وصل إليه هذا الانقسام، إذا ما نجحت القوى والأحزاب الإصلاحية والمعتدلة في الاتفاق على المشاركة في الانتخابات بمرشح إجماع عنها ولها، بما يساعد على تحريك الشارع الشعبي للمشاركة الواسعة في عملية الاقتراع، الأمر الذي قد يفرض على المعسكر المحافظ توحيد جهوده من أجل تضييق دائرة مرشحيه في ظل كثرة الطامحين لتولي رئاسة السلطة التنفيذية وصولاً إلى مرشح إجماع عنه في مواجهة مرشح الإصلاحيين، ما يعني اعترافاً من النظام بالوصول إلى الانقسام الحقيقي، والذي سيتحول إلى صراع وتنافس بين أطروحتين، واحدة تدافع عن الجمهورية وكل ما فيها من حريات وتعددية واستعباد للقيود التي تعوق العملية الديمقراطية، وأخرى تدافع عن "إسلامية السلطة" ومكتسباتها في الإمساك بالنظام ومؤسسات الدولة على حساب الآخرين ومشاركتهم.

اختراع مرشحين

أمام هذا التحدي الذي يعتبره النظام خطراً على أسسه ومنطلقاته، قد لا يتردد في اختراع مرشحين يحسبون على المعسكر الإصلاحي، بما يسمح له بفتح الطريق أمام أكثر من مرشح ينتمي إلى معسكره، بحيث تكون العملية الانتخابية تعددية بين أكثر من متنافس وغير محصورة بين مرشحين متقابلين ومتعارضين، ما قد يسمح له بإبعاد كأس الانقسام والعمل على هندسة النتائج أو مخرجات عملية الاقتراع بما يضمن له السيطرة على السلطة التنفيذية، استعداداً لمواجهة التحديات الخارجية وأزماته الاقتصادية وعملية التفاوض مع الإدارة الأميركية وما قد تفرضه من تنازلات في ملفات استراتيجية في البرنامج النووي، مروراً بالبرنامج الصاروخي، وصولاً إلى النفوذ الإقليمي.

المزيد من تحلیل