Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

القاتل الظريف يفقد "شارلو" براءته وقسما من جمهوره الفرنسي

"السيد فيردو" ينفجر كالصاعقة في وجه من كان صعلوكاً طيباً

تشارلي شابلن تحت ملامح الصعلوك (غيتي)

هناك كثير من نقاد السينما ومؤرخيها ينظرون عادة إلى فيلم "السيد فيردو" من تمثيل وإخراج تشارلي شابلن باعتباره الأقوى فنياً من بين أفلامه التي لا تعد ولا تحصى. ولعل اللافت في هذه النظرة هو أنها تتناول فيلماً يختلف كلياً عن مجمل إبداعات شابلن، لا سيما من حيث الموضوع والشخصية، ناهيك بكونه فيلماً يخرج فيه شابلن بصورة شبه نهائية عن استلهامه الموضوعات الإنسانية المتحدثة عن الطبقات السفلى في المجتمع. ففي أفلامه السابقة كلها، كان شابلن، وغالباً من طريق شخصية الصعلوك البائس الذي يمارس ألف حيلة وحيلة، ويعيش ألف بؤس وبؤس كي يتمكن من مواصلة العيش، كان يلعب دور الطيب والحنون مطعماً بقدر لا بأس به من المكر والحيلة اللذين لا إمكانية لمواصلة العيش من دونهما. وإلى هذا، كان قد اعتاد أن يكون في صحبة المرأة المؤمثلة ورجال الشرطة الذين يتغلب على قسوتهم دائماً، إضافة إلى طفل من هنا، ولاعب سيرك من هناك، ومعذبي الأرض في كل لحظة وحين.

ولئن كان هذا كله يستند إلى واقع اجتماعي عرف دائماً كيف يرصده حوله في أوساط الحثالة الأميركية، ويتذكره من طفولته البائسة في لندن، التي تكاد تكون لندن تشارلز ديكنز، فإنه كان يشغل خياله بقوة للتوصل إلى تلك اللحظات والمشاهد التي تسحر مئات الملايين، ولكن هذه المرة بدا وكأن الفنان الكبير قرر الغوص مباشرة في واقع مختلف تماماً مبدلاً شخصيته ولهجته وموضوعاته تبديلاً تاماً بحيث لم يعد هو ذاته ذلك البطل الإنساني القديم.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وصار الصعلوك مجرماً نصاباً

هذه المرة في "السيد فيردو" تحول الصعلوك إلى نصاب فرنسي، بل حتى إلى مجرم بالجملة، ولكن، وهنا كمنت عبقريته كعادته، من دون أن يتخلى عن ظرفه وعن تلك "الكاريزما" التي طبعته دائماً. فهل نقول إن المشكلة الأساسية كمنت هنا؟ الحقيقة أنها كانت مشكلة حقيقية، ترتبط بواقع لا علاقة له بالسينما من باب أولى، ذلك أن ما لدينا في هذا الفيلم الذي حققه شابلن، ومثله طبعاً في عام 1947، شخصية مجرم حقيقي تناول قصته وغير اسمه ليتحول من لاندرو إلى فيردو.

وكان المجتمع الفرنسي الذي صور فيه الفيلم قد عايش تلك الحكاية الحقيقية عن لاندرو الذي كان يغوي النساء ويتزوجهن واحدة بعد الأخرى ساطياً على أموالهن قبل أن يقتلهن. لقد شغلت هذه الجرائم المجتمع الفرنسي وجعلت للاندرو "معجبين" فتنهم فنه القاتل، لا سيما بين السورياليين الذين دافعوا عنهم، واحتجوا على إعدامه.

ويبدو أن شابلن قد تأثر بدوره بذلك الافتتان فقرر أن يحقق فيلمه عن القضية. وإذا كان قد سبق له قبل ذلك بسبع سنوات أن مثل دور "الشرير" مرة سابقة من خلال تأدية دور حلاق يهودي شبيه بهتلر يُؤتى به للحلول مكان الزعيم النازي لدى غيابه، وهو فيلم "الديكتاتور" الذي لعب شابلن فيه دور نصف شرير، أما الآن في "مسيو فيردو" فها هو يتحول إلى شرير كامل، ولكن المشكلة كانت هنا.

فالجمهور لم يشعر بعداء زائد على حده تجاه المجرم. ليس فقط لأنه مجرم ظريف، ولا لأن شابلن هو الذي يلعب الدور، بل لأن الفيلم أتى مليئاً بالعناصر التي تبرر له أفعاله، بل أكثر من هذا، فقد أتى الفيلم ليصور النساء اللاتي يقعن ضحية "فيردو" بصورة سيئة غالباً؛ حمقاوات، ومتعجرفات، وبخيلات. وربما تمتلك كل واحدة منهن ثروة لا تحتاج إليها، بينما كل شيء لدى "فيردو" يغوص في العوز الذي يخيم على حياته العائلية ما يجعل من العدالة الاجتماعية أن تؤول تلك الثروات إليه. ومن هنا أتى الفيلم في نهاية الأمر على شكل قنبلة اجتماعية وأخلاقية لم يكن أحد يحسب حسابها. لا سيما، طبعاً، في فرنسا صاحبة الشأن في الموضوع كله!

 

 

صدمة فرنسية

من هنا كانت صدمة الجمهور الفرنسي عنيفة للغاية أوائل عام 1948، حين شاهد العرض الأول للفيلم في باريس، ولقد أتى ذلك العرض بعد تسعة أشهر من عرض الفيلم في الولايات المتحدة الأميركية، وفي وقت كان فيه كثير من الفرنسيين قد تابعوا بشيء من الشغف السجال الذي دار في العالم الجديد من حول فيلم شابلن. فبالنسبة إلى الفرنسيين، خيل إليهم أمام زخم السجال الأميركي، أن المسائل المطروحة مسائل شكلية تتعلق بأسلوبية شابلن الجديدة التي اتبعها في هذا الفيلم، وبخاصة بما جد ها هنا من تخليه عن شخصية "شارلو" الأفاق، التي اعتادت أن تصنع له جزءاً كبيراً من نجاحه خلال العقود السابقة، إذ حتى في فيلم سياسي مهم مثل "الديكتاتور" ندد فيه الفنان الكبير بديكتاتورية هتلر، كما أشرنا، حرص شابلن على أن تبقى شخصيته كشريد أفاق كما هي، وعلى أن تظل ملابسه وحركاته كما هي. أما الآن في "السيد فيردو" فالأمور تختلف. وكان من حق الفرنسيين أن يعتقدوا أن الاختلاف شكلي، وأن المسائل المطروحة فنية لا أكثر، ولا أقل. فالنقد الأميركي، على أي حال، لم يصل في تحليله إلى أكثر من تلك الأبعاد.

ومع هذا، كان الفرنسيون يعرفون، من اسم الفيلم، كما من موضوعه، وكذلك مما كتب عنه، أن ثمة مفاجأة تنتظرهم تتعلق بكون الفيلم يروي أحداثاً دارت في فرنسا قبل فترة، ولا تزال ماثلة أمام أذهان الناس، غير أن ما لم يكونوا قد توقعوه أبداً، هو أن تكون الجرأة قد بلغت بشابلن الحدود التي بلغتها. ولقد رأى الفرنسيون عند مشاهدة "السيد فيردو" أن أحداً لم يصل في التعاطف مع المجرم لاندرو إلى المستوى الذي وصل إليه شابلن. أولاً عبر قيامه هو بدور المجرم بعد أن أطلق عليه اسم فيردو، وثانياً عبر تحويله الحكاية كلها إلى حكاية هزلية. مهماً يكن، فإن المجرم فيردو الذي قدمه تشارلي شابلن في فيلمه كان أمين صندوق في بنك، وأباً حنوناً وزوجاً ودوداً، وهو لئن كان قد أغوى دزينة من النساء، ثم قتلهن مستولياً على أموالهن، فإنه إنما فعل ذلك لكي ينقذ أسرته الصغيرة من الفقر، وينفق على شفاء زوجته الحقيقية من عاهاتها.

تعاطف وافتتان

يقيناً، إنه كان في شخصية لاندرو الحقيقي شيء من هذا، ولعل هذا الجانب هو الذي أثار تعاطف بعض الجمهور الفرنسي مع المجرم وافتتان المثقفين به، ولكن كان من الصعب تقبل الصورة القصوى التي قدمها شابلن للمجرم، حيث يتعاطف الفيلم معه كلياً، ويدفع جمهور المتفرجين إلى الخوف عليه والرغبة في حمايته، خصوصاً أن قيام شابلن بالدور جعل الجمهور متعاطفاً سلفاً، بل يحس بالرغبة في التواطؤ معه ضد تلك النساء البرجوازيات الأرامل اللاتي يرينا الفيلم أن شابلن يستحق أموالهن أكثر من استحقاقهن لها.

وهنا لا بد أن نفتح هلالين لنذكر أن السينمائي الكبير أورسون ويلز كان هو الذي أوحى لتشارلي شابلن بصنع فيلم "السيد فيردو" من حول شخصية ذلك المجرم، كما أنه ساعده في رسم بعض ملامح الشخصية. وكانت النتيجة أن جاء الفيلم اتهامياً ضد الذهنية البورجوازية، وبدا وكأنه مرافعة إنسانية ضد القوانين الجائرة، لا سيما ضد الواقع الاجتماعي الذي يوزع الثروات بشكل عشوائي، ما يجعل من المجرمين مجرمين، من دون أن ينخرطوا في لعبة الشر، انطلاقاً من أي رغبة في اقتراف المعاصي. وهكذا، عبر هذا التفسير الواضح للفيلم دهش الفرنسيون، وفوجئوا، بل زاد من دهشتهم أن كل الأميركيين الذين كتبوا عنه لم يطاولوا هذا الجانب فيه، بل اكتفوا بالسجال حول أشكاله الفنية.

المزيد من ثقافة