Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

جيوش عربية بين عقيدة العدد والقتال "من بعد"

لا يزال التجنيد الإلزامي مدار جدل وهل يخدم الأنظمة أم الشعب؟

التصنيع العربي المحلي للتسلح لا يزال دون المستوى المطلوب (غيتي)

تتجه تركيبة جيوش العالم نحو التكنولوجيات بدلاً من الترسانة البشرية. ظهر ذلك جلياً مثلاً، في تصريحات قيادة القوات المسلحة البريطانية التي كشفت عن التغييرات المرتقبة في الاستراتيجيات العسكرية، بعدما توقعت انخفاضاً في المعدات الثقيلة، مثل الدبابات، وزيادة التركيز على الأخف وزناً والأكثر مرونة، فضلاً عن الأسلحة الإلكترونية والطائرات من دون طيار، غير أن التساؤل الذي يطرح نفسه: هل تساير الجيوش العربية هذا التحول وتتجاوز التجنيد البشري؟

الجزائر: الجيش يتجه إلى تخفيض ترسانته البشرية بـ "التجنيد الآلي"

يعتمد الجيش الجزائري على العنصر البشري بشكل كبير، بعيداً عن الاهتمامات بالتكنولوجيات المتطورة والذكية التي باتت تفرض وجودها في سياق الحروب الصامتة والمسلحة. وعلى الرغم من تسجيل بعض القفزات النوعية في اتجاه الاعتماد على "التجنيد الآلي"، غير أن استمرار شراء الأسلحة الثقيلة يوحي بأن تجاوز العقيدة والبنية التقليديتين لا يزال بعيداً.

وتعتبر مؤسسة الجيش الجزائري أن الخدمة العسكرية التي أنشئت عام 1968، جاءت حصيلتها إيجابية من خلال إسهامها في التنشئة الاجتماعية للمواطن الذي يعتبرها "مدرسة لصنع الرجال"، وتقول إنها كانت هي "الأسرة والمدرسة معاً وتؤثر في الفرد وتعزز الانتماء إلى الوطن وتغرس فيه روح التضحية والانضباط والصرامة والجد وتلقنه روح التعاون والعمل الجماعي".

التصنيع

في المقابل، تتحرك المؤسسة العسكرية الجزائرية باتجاه الانفتاح على "التجنيد الآلي"، إثر اقتحامها عالم التصنيع بعد الاستيراد، حيث كشفت وزارة الدفاع عن تنفيذ طائرات من دون طيار جزائرية الصنع من طراز "الجزائر- 55"، طلعات استطلاعية عدة جوية نهارية وليلية بغرض تدمير أهداف للجماعات الإرهابية، وشددت على أن الأطقم الأرضية للطائرات تمكنت خلال العمليات من الحصول على بيانات آنية تمّ على ضوئها تحديد الأهداف المراد تدميرها، مشيرة إلى أن "الدرونز" أثبتت نجاعتها القتالية والعملياتية وتدمير الأهداف بفعالية ودقة.

في السياق، كشف تقرير نشره مركز دراسات الطائرات المسيرة، عن أن الجزائر تمتلك طائرات من دون طيار من نوع "CH-3 وCH-"، التي تصنعها الصين، إضافة إلى الجيل الثاني من طائرات" Seeker II" المُصنعة في جنوب أفريقيا، وأيضاً YabhonFlash-20"، "Yabhon United-40 من دولة الإمارات العربية المتحدة.

الأردن: انتقادات حادة لإعادة التجنيد الإلزامي

أعاد الأردن العمل بالتجنيد الإلزامي على الرغم من وقفه طوال 29 سنة مضت، وعلى الرغم من عدم الشروع في تطبيقه بعد، يتخوف قسم كبير من الشباب الأردني من الدوافع الحقيقية التي جعلت الحكومة تنفض الغبار عن قرار يحمل في طياته أبعاداً سياسية واقتصادية ومجتمعية.
وبررت الحكومة الأردنية سبب إعادة التجنيد الإلزامي بخططها للتقليل من نسب البطالة المتصاعدة، وتدريب الشباب الأردني على مهارات جديدة، إذ وصل معدل البطالة في سوق العمل الأردنية إلى 24 في المئة في 2020 مقارنة بـ 19 في المئة عام 2019، غالبيتهم من الإناث.

 

عبء على الخزينة

لكن من بين الأهداف الأخرى لإعادة التجنيد الإلزامي بحسب مراقبين، تعليم الانضباط واحترام الوقت للجيل الجديد الذي أفسدته التكنولوجيا الحديثة، فضلاً عن ترسيخ مفهوم الهوية الوطنية لديهم، وتدريبهم عسكرياً بحيث يصبحون رديفاً للجيش النظامي.
وعلى الرغم من الترويج المستمر من قبل الحكومة الأردنية لهذا القرار ومحاولة إقناع الأردنيين بجدواه وأهميته، بخاصة في الظرف الحالي، ثمة مَن يعترض عليه ويرى فيه عبئاً جديداً على خزينة الدولة المنهكة أصلاً بمديونية بلغت نحو 44 مليون دولار. ومن بين المعترضين وزير الإعلام السابق محمد المومني الذي يرى أن إعادة التجنيد الإلزامي لن تقضي على البطالة بل ستؤجلها.

بطالة مقنعة

ويشمل التجنيد العسكري الإلزامي الذكور في الفئة العمرية بين 25 و29 ممَن لا يعملون، وليسوا على مقاعد الدراسة، أو خارج البلاد، أو أرباب أُسَر، ولسنة كاملة يتخللها تدريب عسكري لثلاثة شهور، ويتلقى المكلَّفون مبلغاً شهرياً قدره 140 دولاراً أميركياً.
وصدر "قانون خدمة العلم الأردني" عام 1976، وأُدخلت عليه تعديلات عدة، قبل وقف العمل به عام 1991.
ويعتقد مراقبون أن إعادة التجنيد الإلزامي بالشكل المعلَن عنه بحجة محاربة البطالة هي "بطالة مقنّعة" حقيقةً لأنه مشروع مؤقت ولا يحقق الاستدامة المطلوبة، بل هدفه فقط خفض نسبة البطالة.

قدرات قتالية

ويُعتبَر الجيش الأردني اليوم واحداً من أفضل الجيوش في المنطقة، بفضل تدريبه وجاهزيته على نحو جيد، ويحتل الترتيب 72 من أصل 138 على قائمة أقوى الجيوش في العالم لعام 2020 والثالث عشر على مستوى الجيوش العربية. ويصل عديده إلى نحو 200 ألف، منهم 65 ألفاً في قوات الاحتياط.
وتملك القوات الجوية 260 طائرة حربية، من بينها 46 مقاتلة و74 طائرة هجومية، إضافة إلى طائرات الشحن العسكري وطائرات التدريب.
كما يمتلك الجيش الأردني 134 مروحية بينها 47 هجومية، و1321 دبابة و2547 مدرّعة، بالإضافة إلى 461 مدفعاً ذاتي الحركة و72 مدفعاً ميدانياً، و88 منصة إطلاق صواريخ متعددة. ويتكون الأسطول الأردني من 37 سفينة حربية، بينها 27 سفينة دورية.
وتُعدّ القوات البرية الأردنية عماد الجيش الأردني، إذ شاركت في القتال ضد إسرائيل في الأعوام 1948، 1956، 1967، و1973 ومن أبرز المعارك التي خاضتها كانت معركة الكرامة عام 1968 والتي حقق فيها الجيش الأردني انتصاراً عسكرياً كبيراً.
وشارك الجيش الأردني في مناورات عسكرية دولية مهمة، أبرزها مناورات "الأسد المتأهب". وينتشر في مناطق عدة في العالم مثل ساحل العاج ودارفور وهايتي وأفغانستان ضمن قوات دولية لحفظ السلام. وتبلغ ميزانيته السنوية نحو مليار ونصف المليار دولار.

لبنان: الجيش اللبناني أسير موازنته

في عام 2007، توقفت "خدمة العلم" في لبنان بموجب القانون رقم 665 الصادر في فبراير (شباط) 2005، وقد بلغ عدد الشبان الذين أدوا "خدمة العلم" منذ عام 1993 أي تاريخ إعادة تفعيلها بعد أن كانت متوقفة خلال الحرب الأهلية (1975-1990)، نحو 250 ألف مجند، علماً أن 12 ألفاً دخلوا الجيش تطوعاً بعد انتهاء التجنيد. وصدر أول قانون لخدمة العلم في 8 ديسمبر (كانون الأول) 1953، وبموجبه أدخلت وزارة التربية التدريب العسكري في مناهج طلاب المرحلة الثانوية.

إلا أن وزيرة الدفاع في حكومة تصريف الأعمال زينة عكر، أثارت جدلاً واسعاً في عام 2019 بإعلانها عن تقديم اقتراح لإعادة التجنيد الإجباري أو ما يطلق عليه "خدمة العلم"، مشيرة إلى أن الصيغة التي تقترحها "ستكون مختلفة عن الماضي ومقسمة على 3 أشهر، أو 6 أشهر أو 9 أشهر أو سنة، وتتضمن خدمات اجتماعية ووظائف إدارية وتعليماً وغيرها"، لكن مشروع عكر لم يبصر النور نتيجة الأزمات المتتالية التي مر بها لبنان واستقالة الحكومة حينها.

عصر "الدرونز"

ووفق مصدر عسكري مطلع إعادة العمل بقانون التجنيد الإجباري قضية معقدة ومستبعدة في هذه المرحلة، مشيراً إلى أن الجيش "في وضعه الحالي ليس بحاجة إلى خدمة العلم، ويكفيه المتطوعون في صفوفه"، ولا سيما أن التطور التكنولوجي وتدريب الفرق الخاصة، "يعطي مناعة داخلية للجيوش وقدرة قتالية ودفاعية كبيرة تغنيه عن الأعداد".

ولفت إلى أن الجيوش التقليدية تعتمد على الأعداد الكبيرة في حين أن الجيوش الحديثة ترتكز على التقنيات والتكنولوجية، لا سيما أن عصر "الدرونز" الذي بات في صلب التدريبات العسكرية له دور واسع سواء في مراقبة نقاط معينة أو استطلاع أي هدف متقدم وخطير، "الأمر الذي يخفف من الخسائر البشرية من ناحية ويحدد الهدف بدقة عالية مقارنة مع وسائل الرصد والاستطلاع التقليدية والمرتكزة على العنصر البشري".

ويلفت إلى أن التجنيد الإجباري إذا ما طُرح من جديد سيكون في سياق وطني لا عسكري، لا سيما أن لبنان يعتبر بلداً متعدد الطوائف، والمؤسسة العسكرية اللبنانية لطالما شكلت بوتقة للتعايش وتزويد الشباب بالقيم الوطنية وزيادة اللحمة بين أبناء الوطن، مضيفاً أنه من "الأفضل أن يكون هناك تدريب عسكري كما كان يحصل في ستينيات القرن الماضي، حيث كان يخضع طلاب البكالوريا لتدريب في إحدى المناطق اللبنانية لمدة لا تتعدى 6 أشهر".

وأضاف أن "الجيش لن يتأثر بهذا الإجراء لأن الذين يستدعون للتجنيد الإلزامي ليسوا في عداد الجيش المحترف، وأن المجندين كانوا يشكلون 35 في المئة من الجيش عندما كان من الضروري جمع الشبان اللبنانيين في مؤسسة وطنية واحدة بعد الحرب الأهلية".

التمويل المفقود

وفي المقابل، يرى المصدر، أنه وعلى الرغم من المساعدات المستمرة التي يتلقاها من دول صديقة، لا سيما الولايات المتحدة التي تقدم للجيش مساعدات تقنية ولوجستية قدرت في عام 2020 بـ133 مليون دولار، فإن الموازنة التي يتلقاها من الدولة بالكاد تؤمن رواتب العسكريين وطبابتهم والمعاشات التقاعدية، الأمر الذي يمنع استبدالاً شاملاً للمعدات وهي قديمة العهد، وأن نحو 85 في المئة منها هي صنع أميركي، أما البقية فهي بريطانية وفرنسية، إضافة إلى السوفياتية الصنع.

يذكر أن عديد الجيش اللبناني يتألف من 56 ألفاً من الأفراد العاملين مع القوات البرية التي تتألف من نحو 54 ألف جندي، والقوات الجوية والدفاع الجوي التي تتألف من نحو ألف عسكري، وألف في القوات البحرية، في حين يحتل الجيش اللبناني المرتبة الـ118 بين جيوش العالم، في حين تقدر الموازنة العامة للدفاع بنحو مليار و800 مليون دولار، تستحوذ الرواتب والأجور وملحقاته من طبابة واستشفاء وتغذية نسبة 80 في المئة منه، إضافة إلى نحو 225 مليون دولار للتجهيزات والمعدات العسكرية.

مصر: التجنيد إلزامي ولكن الكثيرين "لا يصيبهم الدور"

فُرض التجنيد إلزامياً في مصر منذ عام 1823. ويقول المؤرخ المصري خالد فهمي، مؤلف كتاب "كل رجال الباشا... محمد علي وجيشه وبناء مصر الحديثة"، إن هناك أدلة كثيرة تدحض مقولة إن الجيش الذي أسسه محمد علي قد أعطى الفلاحين "حق" حمل السلاح والدفاع عن الوطن، إذ انتشرت في صفوفهم مقاومة التجنيد.

وليس صحيحاً، كما روجت مقولات تاريخية، بأنهم "سرعان ما اكتشفوا مزايا الحياة العسكرية"، فالحقيقة وفق فهمي أن "التجنيد نجح فقط من خلال إخضاعهم لنظام انضباطي صارم ومحكم بهدف تمكين الباشا ونخبته من تحقيق مآربهم، وليس عن طريق الوعي القومي بالتضحية في سبيل الوطن، لتحاول سلطات الباشا لاحقاً إسباغ الصبغة القوية على الحروب والمعارك التي خاضها ومد بها سيطرته إلى سوريا والحجاز والسودان وكريت ومعظم أراضي اليمن وشرق شبه الجزيرة العربية".

 

قانون الخدمة العسكرية

واليوم، بحسب قانون الخدمة العسكرية والوطنية المصري، فإنها إلزامية للذكور البالغين 18 سنة، لمدة ثلاث سنوات، تخفض إلى سنة واحدة لخريجي الجامعات والمعاهد العليا، وسنتين للحاصلين على الشهادة المتوسطة.

وتحدد المادة 48 من القانون رقم 127 لعام 1980 اختصاص القضاء العسكري من دون غيره في ما يقع من مخالفات لأحكامه. ويعاقب كل متخلف عن مرحلة الفحص أو التجنيد متى تجاوز سنه الـ30 سنة بالحبس وغرامة لا تقل عن ثلاثة آلاف جنيه ولا تزيد على عشرة آلاف جنيه (640 دولاراً أميركياً) أو بإحدى هاتين العقوبتين، وفعلياً يتم الاكتفاء بالغرامة المالية.

وعلى الرغم من أن أعداداً كبيرة من المتقدمين للتجنيد في مصر لا "يصيبهم الدور"، فيتم تأجيلهم ثم استبعادهم في نهاية المطاف، يتعامل الشباب في مصر مع التجنيد على أنه مرحلة لا بد من اجتيازها تحت شعار "قضي جيشك" كمهمة أولى في الحياة بالنسبة إلى مئات الآلاف من الخريجين سنوياً. فالحصول على "شهادة الجيش" التي تتضمن موقفه التجنيدي تمثل إحدى "مسوغات التعيين" في سوق العمل وشرطاً أساسياً للسفر إلى الخارج، ما يجعل كثيرين يلجأون حتى اليوم إلى التهرب من التجنيد سواء بالتظاهر بأعراض مرضية خلال توقيع الكشف الطبي أو زيادة الوزن بطريقة متعمدة أو السفر إلى الخارج أو التخلف عن التجنيد حتى بلوغ السن القانونية للامتناع عنه، وهي 30 عاماً. كما ظهر خلال السنوات الأخيرة نشطاء يرفضون مبدأ "التجنيد الإجباري".

انخفاض عدد القوات

ومع التطور التكنولوجي في مجال التسليح وإدخال الذكاء الاصطناعي والطائرات والقوارب المُسيرة في المعارك والأنشطة التدريبية واليومية للجيوش الحديثة، تتجه أعداد الضباط والجنود إلى الانخفاض، بخاصة مع ارتفاع الكلفة الاقتصادية للفرد "المقاتل". وهذا ما قد يؤدي إلى إعادة النظر في هذا النظام مستقبلاً، وفق اللواء محمد الشهاوي مستشار أكاديمية ناصر العسكرية العليا، الذي أوضح في تصريحات خاصة أن ما يشهده العالم من ثورة في العلوم العسكرية سيؤدي إلى تقليل الاعتماد على الجندي في القتال.

وأكد أن "الجيوش تعتمد اليوم على مد الجنود بالذخيرة والإمدادات اللوجستية خلال المعركة بطرق آلية، وهناك 10 أسلحة في الجيش الأميركي تستخدم الذكاء الاصطناعي، بما في ذلك تكنولوجيا النانو في التخفي وغيرها".

العراق: تضخم بالعناصر وتراجع في الفاعلية

بعد الغزو الأميركي للعراق عام 2003، ألغي قانون التجنيد الإجباري الذي كان معمولاً به في فترة حكم نظام صدام حسين، إلا أن المساعي السياسية ما تزال مستمرة لإعادة إقراره، في مقابل جدل شعبي واسع حوله، الأمر الذي أجّل لمرات عدة المصادقة عليه برلمانياً خلال السنوات الماضية.

وعاد الحديث أخيراً في شأن القانون، حين قال المتحدث باسم القائد العام للقوات المسلحة في العراق اللواء يحيى رسول في تصريحات صحافية، 11 يناير (كانون الثاني)2021، إن القانون "موجود في الدستور، المادة 9، لكنه يحتاج إلى إعداد من مجلس الوزراء وترحيله إلى مجلس النواب للتصويت عليه وإقراره".

عدم الاستقرار

ولا يبدو الجيش العراقي بمنأى عن تضخم أعداد المنتسبين إليه، إذ تشير التقديرات إلى أنه يضم في صفوفه نحو 300 ألف عنصر، الأمر الذي يعزوه نواب في لجنة الأمن والدفاع البرلمانية إلى الإشكالات الأمنية الكبيرة التي تواجه البلاد منذ أكثر من 17 عاماً.

ويلفت عضو لجنة الأمن والدفاع في البرلمان العراقي النائب كاطع الركابي إلى أنه "على الرغم من العدد الكبير للجنود إلا أن أعمارهم باتت مرتفعة، مقارنة بالجيوش الأخرى، نتيجة إيقاف التطوّع خلال السنوات الأخيرة"، مشيراً إلى "مساع لإعادة التجنيد الإجباري، في محاولة لتقليل معدل الأعمار".

وعن التراجع في الاعتماد على التكنولوجيا العسكرية، يشير الركابي إلى أن "هناك نوعاً من التطور في هذا السياق، لكنه ما يزال غير كاف، والعراق بحاجة إلى سنوات عدة للوصول إلى مستوى تكنولوجي ملائم". ويعزو الركابي التأخر في مواكبة الجيش العراقي للتطور التكنولوجي إلى "عدم الاستقرار الأمني الذي تعانيه البلاد منذ العام 2003".

 

زيادة الأعداد أم التطوّر التكنولوجي؟

ويرى مراقبون أن التراجع في الاعتماد على التكنولوجيا وعدم تطوير الجيش العراقي تقف خلفه غايات سياسية وأحزاب ذات أجنحة مسلحة. "لا يزال العراق يؤمن بنظرية الجيوش التقليدية التي تقوم على الكثافة العددية وليس النوع، في مقابل ميل الغرب إلى مفهوم الجيوش الذكية التي تعتمد على القدرات التقنية والمهارات القتالية لاختزال العدد"، بحسب الباحث في الشأن العسكري أحمد الشريفي. ولا تنحصر القوات العسكرية في العراق عند حدود الجيش، بل أضيفت إليها تشكيلات الحشد الشعبي، والتي يقدر عدد منتسبيها بنحو 130 الف عنصر. وتمثل الفصائل الولائية الأغلبية داخل هذا التشكيل، خصوصاً بعد انفكاك ألوية المرجعية (الشيعية) أو ما بات يعرف باسم "حشد العتبات". وفي نوفمبر (تشرين الثاني) 2016، تم تشريع قانون للحشد الشعبي، الأمر الذي أثار جدلاً واسعاً، خصوصاً مع اتهامات للعديد من الفصائل بانتهاكات طائفية فضلاً عن كون العديد منها لا يخفي ارتباطه بإيران. ويرى مراقبون أن الحشد الشعبي بات يتحول من الإطار الرديف للقوات الأمنية العراقية إلى تشكيل مواز لها.

سوريا: الحرب تزيد الحاجة إلى التجنيد الإجباري

بالنسبة إلى بلد كسوريا يعيش أعتى الحروب منذ عام 2011 إلى اليوم، لا يمكنه أن يعمد إلى خفض عدد جنوده أو تخفيض مدة التجنيد الإجباري، كونه يشهد معارك منتشرة على مساحات واسعة في الأرياف والمدن السورية. وهو بالتالي بحاجة للمزيد من الأفراد المقاتلين المؤهلين والمدربين على خوض المعارك على طول جبهات القتال، إضافة إلى التجهيزات التقنية العسكرية.

حرب تتطلب عسكراً

ويرى متابعون للشأن العسكري أنه في حربٍ كالحرب السورية، تعيش القوات المقاتلة، الفصائل المعارضة والنظامية، مراحل من التقدم والتراجع.

في المقابل، يعتقد مراقبون أن المعركة السورية بدأت كما يطلق عليه في العلم العسكري "حرب العصابات"، وأن الحاجة تبقى ملحة إلى قوة مشاة مدعومة بالعدد، وقوات خاصة مدربة على الاقتحام والمناورة، وتكتيكات الاشتباكات بالأسلحة الخفيفة والمتوسطة، على الرغم من أنها تطورت بشكل متسارع لاحقاً، وصولاً إلى الزج بالسلاح الثقيل بعد سنوات من انطلاق الحرب.

 

استنزاف الموازنة

من جهة ثانية، ليس سهلاً الاحتفاظ بعدد كبير من الجنود، إذ يرتب ذلك على الحكومة دفع بدلات ورواتب وتعويضات مالية كبيرة، في حين تشكّل نفقات الدفاع في سوريا رقماً كبيراً على الدوام، تصل في أوقات توقّف المعارك إلى أكثر من 12 في المئة من مجمل الموازنة العامة، بينما تصل في حال اندلاع المعارك أو التعبئة العامة إلى أكثر من 25 في المئة.

ولعل إلغاء أو تخفيض مدة التجنيد الإجباري، التي تقارب العام والنصف، هو ضرب من الخيال، بل إن التجنيد العام في البلاد إبان اندلاع الصراع المسلح الأخير بات يتطلب مزيداً من الشباب المؤهلين لخدمة "الاحتياط" حتى عمر 40 سنة.

في غضون ذلك، زادت مدة خدمة "الاحتفاظ" وهي فترة إضافية يقضيها المجند، وفق متطلبات المعركة، بعد إنهائه فترته الإجبارية.

وخُفضت قبل الحرب مدة التجنيد لعام وثلاثة أشهر، بعدما عاشت سوريا فترة من الاستقرار.

بدلات مالية

في المقابل، تثير المدة المفتوحة للاحتفاظ تساؤلات عن ضرورة تحديدها بسنوات معينة، ما دفع الكثير من الشباب السوري إلى الاتجاه نحو الهجرة قبل أن يصلوا إلى سن "التكليف"، وهو تعبير يطلق على من بلغ سن 18 سنة.

وأطلق ناشطون نداءات بضرورة السماح بدفع بدلات بالعملة الأجنبية مقابل الإعفاء من الجيش. لكن هذه الدعوات واجهها سوريون بالاعتراض، معتبرين أن "خدمة الوطن ليست للفقراء وحدهم".

وكانت وزارة الخارجية والمغتربين أعلنت عن تسهيلات في السفارات والقنصليات لدفع بدل نقدي خارجي يتراوح بين 7 إلى 8 آلاف دولار، وهو بمثابة إعفاء من خدمة العلم.

وعلى الرغم من عدم تحديد مدد زمنية لأداء الخدمة (الاحتياطية والاحتفاظ)، إلا أن عام 2018 شهد تسريح آخر دفعة للخدمة الإلزامية (2012). وأصدرت وزارة الدفاع قرارات بتسريح دفعات من الضباط وصف الضباط والأفراد في الجيش النظامي، بعدما أمضى المكلفون سنوات طويلة في الخدمة، وصلت إلى تسع سنوات متتالية.

ويحصل الشاب المسرح من الخدمة على تعويض مالي يعدّه بعض الجنود متواضعاً مقارنة بتكاليف الحياة المرهقة، حين يشق الشاب طريق حياته من جديد، إلا أن الحكومة السورية عكفت على إيجاد برنامج للمسرحين يقدم رواتب مالية تعينهم على متابعة حياتهم بعد كل هذه الخدمة الطويلة، إضافة إلى تأمين برامج تشغيل مخصصة لغير الحاصلين على عمل.

المغرب: صفقة ضخمة مع الأميركيين

تم اعتماد التجنيد الإجباري في المغرب العام 2019، عبر تقديم التكوين العسكري لـ 15362 شاباً وشابة، تراوح أعمارهم بين 19 و25 عاماً، وعرفت العملية إقبالاً كبيراً، حيث تقدم 70701 متطوع، بينهم 24 ألف فتاة، في وقت يتجه المغرب إلى اقتناء طائرات من دون طيار من الولايات المتحدة، حيث يخيم على المغرب خطر الجماعات الإرهابية في منطقة الساحل والصحراء، وبعض تحركات جبهة "البوليساريو" المستفزة للمملكة على حدودها الجنوبية مع موريتانيا.

المغرب في طور تسلم طائرات مسيرة أميركية الصنع، إذ كشفت تقارير إعلامية بعد يومين من إعلان الاتفاق بين المغرب وإسرائيل، عن تفاصيل صفقة سلاح ضخمة، يحصل بموجبها المغرب على أسلحة أميركية بقيمة مليار دولار.

وكانت وكالة "رويترز" نقلت في ديسمبر (كانون الأول) الماضي عن ثلاثة مصادر أميركية مطلعة، أنباء عن تفاوض الولايات المتحدة لبيع أربع طائرات مسيرة للمغرب، من طراز "MQ-9 ريبر" التي تطورها شركة جنرال أتوميكس، ويبلغ مداها أكثر من 11 ألف كيلومتر، ويمكنها مسح مناطق شاسعة من البحار والصحارى، في وقت تعرف فيه الحدود بين المملكة وموريتانيا تحركات لجبهة البوليساريو التي تتنازع السيادة على الصحراء مع المغرب، من جهة أخرى، يشكل المغرب أحد أهم محطات عبور الهجرة غير الشرعية تجاه أوروبا.

تكنولوجيا لا مفر منها

يعتبر الخبير الأمني المغربي، محمد اكضيض، أن التكنولوجيا تدخل العالم من بابه الواسع في جميع مجالات الحياة العامة، بما فيها مؤسسات الأمن القومي، مؤكداً أن بلاده ليست حديثة العهد بأحدث تكنولوجيات الدفاع، مذكراً باقتناء المغرب في السابق لطائرات "16-F" من الولايات المتحدة.

وكانت وزارة الدفاع الأميركية أبرمت اتفاق خريطة الطريق 2020 - 2030 مع المغرب في العام 2019، والتي يعتبر الخبير المغربي أنها تهدف إلى تطوير ترسانة الأسلحة للقوات المسلحة المغربية، مؤكداً أنها نتاج قوة العلاقات المغربية - الأميركية، باعتبار الأخيرة المزود الأول للجيش المغربي بالسلاح، ناهيك عن الشراكة الاستراتيجية العسكرية بين البلدين من خلال مناورات الأسد الأفريقي.

 كما يعتبر الخبير الأمني أن الطائرات من دون طيار التي حصل عليها الجيش المغربي، هي ثمرة علاقات متجذرة بين البلدين منذ اعتراف المملكة باستقلال الولايات المتحدة الأميركية، مشيراً إلى أن المملكة منخرطة دولياً في مواجهة الإرهاب، مع ما يمكن أن تلعبه طائرات "الدرون" في مواجهة الإرهاب المتزايد والمقبل من دول الساحل والصحراء، من دون الزج بالجنود في أخطار محدقة في إطار حرب العصابات الخطيرة، الموجهة من طرف الجماعات الإرهابية التي جددت قيادتها في منطقة الساحل والصحراء.

لا تأثير في التجنيد

وبخصوص التأثير المحتمل لاستخدام الطائرات المسيرة في الاعتماد على الجنود في الميدان، وبالتالي على التجنيد الإجباري بالمغرب، يشير الخبير المغربي إلى أن التساؤل حول استعمال الطائرات المسيرة هو كالسؤال حول مدى احتمال أن تحل الروبوتات مكان الإنسان في العمل، معتبراً أن ذلك نقاش يكون بحسب استراتيجية المؤسسة العسكرية.

ولا يعتقد اكضيض أن طائرات "الدرون" ستغني عن التجنيد ولا عن الجنود، بل "هي تذلل الصعوبات أمام الجنود لما لها من دقة لا متناهية، ويبقى الأمر الأهم هو عامل الكفاءات العلمية في المؤسسة العسكرية لتسييرها".