Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

المصري سامح يني يرصد أحوال المهمشين قصصيا

قسوة الواقع والجشع وانشطار الذات في مجموعة "في يوم يشبه الثلاثاء"

مشهد شعبي بريشة الرسام المصري محمد عبلة (الصورة تخضع لحقوق الملكية الفكرية - فيسبوك الرسام)

لكل كاتب عالمه الخاص الذي تدور داخله مجموعة من التيمات الموضوعية، وهو ما يتجلى – بوضوح – في المجموعة القصصية الصادرة حديثاً عن الهيئة المصرية العامة للكتاب في القاهرة بعنوان "في يوم يشبه الثلاثاء" للكاتب سامح يني.

ويبدو أن تيمة "الفقر" و"العوَز" و"الاحتياج" الدائم لأدنى متطلبات الحياة الآدمية هي المهيمنة على هذه المجموعة، فسامح يني يرصد – بفنية واضحة – أحوال المهمّشين وأصحاب الوظائف الدنيا. في قصة "ظرفٌ بُنّي قديم"، يحكي السارد الداخلي – بضمير المتكلم – عن رغبته في العمل في شركة كبرى، ولتوضيح درجة الفقر الذي يعانيه يصف حالته في وسيلة المواصلات التي يستقلها إلى مقر هذه الشركة حين يقول: "أمسك الأجرة بيدي، أنحني داخل الميكروباص، أحاول أن أحفظ اتزاني لتجنب السقوط، آلام الوقوف ورأسي الساقطة على صدري ورائحة البرفان الرخيص الصادر من الفتاة تصفع كل حواسي، الطريق طويل إلى محطة المترو وأمنيات الوصول تتحالف مع آلام الرقبة، فأقرر الهبوط قبل بلوغ وجهتي".

وهكذا يتضافر هذا الوصف المشهدي في تصوير حالة السارد والمكان الذي يعيش فيه، وعندما يصل إلى مقر الشركة يعرف أن الوظيفة المنتظرة هي مندوب مبيعات. وفي الشارع – بعد أن يغادر الشركة بلا طائل – تصدمه سيارة ويتخيل نفسه داخل ثلاجة الموتى الباردة المظلمة ويده تحتضن برفق "ظرفه البني القديم". وهكذا تموت أحلام الفقراء وتدفن معهم.

جوع وصمت

وفي قصة "العيد"، ينحصر حلم الصبي في الحصول على ملابس جديدة ويلحّ في سؤال الأم التي تعده بتحقيق حلمه عند حضور الأب وهي تعلم أن هذا لن يحدث. وتتكرر التيمة نفسها في قصة "الجاكيت" حين يستلم موظف الأمن الجديد معطفاً، ويذهب به إلى البيت ويعلم أن زملاء ابنه يسخرون من ملابسه المثقوبة "فيقرر أن يمنحه العهدة ليذهب بالجاكيت الجديدة إلى المدرسة"، وتأتي النهاية حين يفقد الصبي المعطف، وتتحول الجاكيت التي تخيّلوها حلاً للأزمة إلى سبب في أزمة جديدة.

وفي قصة "الدكان" يصبح مجرد الذهاب إلى المدرسة حلماً حين تقصد الأم وابنها الصغير "دكان الكواء"، قائلة له: "يا ابني انت كبرت وبقيت راجل، المدرسة دي للعيال الصغيرة". وما يحدث للصبية الصغار، يحدث – مثله – مع المسنّين، كما في "حارس العقار" الذي يطرده صاحب العمارة وتستمر الحياة كأن شيئاً لم يكن، "ففي الصباح الباكر شاب صغير يرفع جلبابه ويمسك المقشة... بينما الدِكة القديمة الموجودة في مدخل العمارة كانت خاوية". بل إن الكاتب يذكر – صراحة –  "الجوع" بوصفه النتيجة الطبيعية للفقر حين يصور حالة شاب لا يملك ثمن سجائره ويستقبله صبي المقهى من دون حفاوة، و"يرتشف الشاي في خوف من لحظة هبوطه على جدران معدته الخاوية". وتتوازى مع تيمة الفقر تيمة أخرى هي "الصمت" المفروض على الجميع بعد إنتاج مصل لإسكات الشعوب. لكن المشهد الأخير من تلك القصة وعنوانها "صمت" يصوّر هروب السارد وزوجته من هذه المدينة التي حلّت عليها لعنة الصمت ويصبح الطفل الذي تضعه الزوجة رمزاً للمستقبل الذي يمتلك فيه الناس حرية الكلام بل والصراخ الذي يتحوّل إلى مظاهرة هادرة في قصة "نهوض" حين "يتعالى الهتاف وترتفع اللافتات في وجوهنا – يقصد وجوه عناصر الشرطة  – نقرأها بصعوبة، تتشابك أيدينا لمنعهم من الحركة، حماسُهم طوفانٌ أرعبَ القائد".

تداخل الموت والحياة

هذه الإرادة الغاضبة تفارق حالة المتاهة التي يستشعرها السارد كثيراً. وتتوالى – بعد ذلك – تيمات صراع الإنسان والزمن وتداخل الموت والحياة وتسرّب أيام العمر. ومن الواضح – من الشواهد السابقة – أن الكاتب يعتمد على عامية الحوار ما يمنح القصة حيوية لافتة تتوازى مع ما تحققه الصور المشهدية وشيوع الجملة الفعلية الحركية حين نقرأ "ترتدي ملابسها. تقف قليلاً أمام المرآة، تبعثر خصلات شعرها. تدور دورة كاملة. تنظر إلى هيئتها. تبتسم لتناسُق الألوان. تضع قدميها في حذائها القديم. تنحني لتمسحه ببقايا منديل قبل أن تغلق الباب خلفها".

ففي هذه السطور القليلة، نجد عشرة أفعال مضارعة، ما يجعلنا أمام صورة مشهدية حركية تتّسم أحداثها بالتلاحق. ومن اللافت في هذه المجموعة، استخدام السارد لضمير المخاطب على سبيل التجريد وهو ضمير مسرحي في الأساس ويظهر ذلك في قصة "رحلة" حين يقول "الضوء النافذ عبر شباك غرفتك المكسور يبدد البرودة والكسل. تنهض من فراشك الدافىء بلا هدف. تسير حافياً في اتجاه الصالة الواسعة". كما يعتمد على الصور الفانتازية حين يصور خروج البطلة من بين سطور الكتاب كما تخيّلها وهبوطها – في مشهد آخر- في الماء حتى امتلأ فمه "بالماء الممزوج بطعم الحرية".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وفي قصة "ورد أحمر"، تتوالى المشاهد المتفارقة بين روحانية الكنيسة وجشع بعض روادها حين لمحت البطلة "في مقدم الصفوف المعلم حسني البقال يرتدي البالطو البيج كطقس معروف يناسب يوم الأحد ليهاجم ذاكرتها رفضه منح زيت التموين لهم منذ وفاة والدها".

ومن الطبيعي أن تنتهي القصة بسيارة الكاهن المسرعة التي لا تنتبه إلى وجود هذه الفتاة، و"تلوث ملابسها التي كانت تبتسم لها أمام مرآة منزلها لتناسق ألوانها".

وكما كان الصراخ – الذي تحوّل إلى احتجاج – علامة على رفض الواقع، فإن التحليق – بوصفه رغبة رمزية – يعدّ هو الآخر علامة على تجاوز الواقع. يقول السارد في قصة "طائرة ورقية ملوّنة": "في الأفق البعيد طائرة ورقية ملوّنة يحلم أن يمسكها. يصعد إلى فوق ليغيب عن الزحام والمكان". وهو الأثر نفسه الذي يحققه "الرسم"، بوصفه عملاً إبداعياً يعكس رغبات الذات حين رسم السارد "فتاة صغيرة وفتى ذا جسد نحيل يقدّم لها طائرته الورقية الملونة". هذا التحليق – سواء كان رغبة أو إبداعاً – هو وسيلة الكاتب لتجاوز قسوة الواقع الذي تتغلّب فيه المادة والجشع ويشهد صراع الماضي والحاضر وانشطار الذات بين واقعها ورغباتها المكبوتة والإحساس الدائم بالغربة والوحدة.

المزيد من ثقافة