Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

قصص نساء الإسكندرية تجذب الروائي مصطفى نصر بطرافتها

"الستات" رواية المدينة المصرية بهوياتها الدينية وانتماءاتها الإجتماعية المتعددة

الرواية تعكس درامية وتحولات المدينة بأسرها (غيتي)

عندما تحدث ميخائيل باختين عن أسلوبية الرواية ذهب إلى ما يسمى بالبولوفينية ويعني تداخل وتحاور مجموعة الأساليب التى تستخدمها الشخصيات المختلفة. وامتداداً وتعميقاً لهذه الفكرة اللامعة يمكن القول إن رواية "الستات" للكاتب المصري مصطفى نصر، والصادرة حديثاً عن "الهيئة العامة لقصور الثقافة"، في القاهرة، تقوم على تداخل حكايات النساء الكثيرات اللاتي قدمهن على مدار الرواية.

ولعل أولى علامات هذا الحضور النسائي تتمثل في عناوين الأقسام الثلاثة التي تتضمنها الرواية، وهي: "بنات فردوس"، و"بيت ليلى عزيز"، و"بيت انشراح".

هذا التعدد والتداخل على مستوى الحكايات يمكن أن نلاحظه – كذلك – على مستوى تعدد الأديان، ما يعكس طبيعة الإسكندرية كمدينة منفتحة قبل ثورة يوليو (تموز) 1952 وما حدث من تحولات بعدها من قبيل هجرة اليهود مختارين إلى إسرائيل تحت دعاوى الصهيونية، أو مضطرين إلى الدول الأوروبية خشية تأثرهم بالعداء المعلن بين عبدالناصر وإسرائيل. هذه الفترة المتوترة التي اختارها الكاتب تعكس درامية الرواية وتحولات مدينة بأسرها؛ ناهيك عن التحول على مستوى الوطن. ولا يخفى أن الإسكندرية شهدت فترات زمنية طويلة تعايش المسلمين والمسيحيين واليهود، وفي الرواية نجد "خيرية" المسلمة و"نجوى" اليهودية تعلمتا فى مدرسة الطائفة الإسرائيلية. وأكثر من ذلك نجد "نجوى" تحب "فهمي" شقيق "خيرية" وتود أن تقترب منها طول الوقت حتى "تتحدث معها عن أخيها الذي تحبه بجنون" (الرواية صـ 7) لكن "يعقوب" الذي تبنى "نجوى" وهي رضيعة، واتخذتها زوجته "سارة" ابنة لها بعد هجرة والديها، يرفض أن يزوجها من "فهمي"؛ ليس بسبب دينه، بل لأنه شكَّ في طمعه وأنه كان ينتظر رحيل "يعقوب" وزوجته إلى أوروبا ليستولي – بعد زواجه من نجوى – على البيت والدكان. ومع ذلك ظلت "نجوى" متمسكة به وفضّلته على "نيقولا" اليهودي الذى كان يحبها. وحكاية "نجوى" و"فهمي" هذه دالة على عمق العلاقات التي كانت تربط أصحاب الديانات المختلفة، وتترادف مع هذه الحكاية حكاية الخواجة يني المسيحي الذي كان يعمل عند والد نيقولا وكان يردد دائماً: "أنا مصري مثلكم، لا داعي لكلمة خواجة".

ويشارك "عباس العسكري" – صديقه – في حب جمال عبدالناصر، وزاد هذا الحب حتى صار إدماناً عندما تقرر تأميم قناة السويس. هذا يعني أن الأجانب الذين تربوا في الإسكندرية وغيرها من مدن مصر تمصروا تماماً وتبنوا القضايا المصرية. وإمعاناً في أن يكون على دين الأغلبية المصرية قرر الخواجة يني الدخول في الإسلام وسعى مع "عباس العسكري" في الإجراءات اللازمة لذلك، لكنه توفي قبل تحقيق هذه الأمنية.

حياة اجتماعية متهالكة

ولا شك في أن التعبير عن هذا التآلف الديني هو أحد أهداف الكاتب تمهيداً لتصوير الحياة الاجتماعية المتردية التي ترزح تحت وطأتها غالبية شخصيات الرواية، من خلال وصف المكان الذي يبدو متهالكاً ومفارقاً لجمال "خيرية" و"صبرية" اللتين "تخرجان من بيتهما وتصعدان فوق الجبل الترابي نحو منطقة أكثر رقياً. يتابعونهما بنهم واهتمام، ويندهشان لأن كل هذا الجمال يسكن في بيتهما القصير المتهالك".

في القسم الثالث نجد زوج "انشراح"، عاجزاً عن دفع إيجار الشقة لشهور. هذا الفقر هو أزمة الشخصيات الأساسية التي دفعت "فاطمة الشيخ" إلى بيع نفسها – باسم الزواج – لـ "عبد ربه الفوّال"؛ الرئيس السابق لإحدى الدول العربية أثناء لجوئه إلى مصر تاركة خطيبها "عبد القادر". وعلى الرغم من الثراء المؤقت الذي حازته تنتهي نهاية مأساوية حيث "كانت تجلس بجوار عبد ربه في السيارة والسائق ينطلق ناحية الصحراء الغربية وإذ بسيارة مقابلة تطلق قذائفها، قفز عبد ربه والسائق وارتميا على الأرض الرملية وفشلت هي في الخروج. تم نقلها إلى المستشفى. لقد تشوّه وجهها وفقدت إحدى عينيها". والمصير نفسه – وإن كان بصورة مختلفة – نجده مع "إخلاص" ابنة "فردوس" بعد أن طلّقها زوجها وترك لها ولديه مما اضطرها لبيع نفسها لراغبي المتعة.

توالد الحكايات

فهل يعني عنوان "الستات" بإيحاءاته في العامية المصرية بالرفعة والتعفف والكمال نوعاً من المفارقة مع الحالة التي وصلت إليها المرأة بخاصة في الطبقات الفقيرة؟. ولم يكن الرجال أفضل حالاً إذ انتهت مصائر أغلبهم بالمرض كما حدث مع "متولي" زوج "سميرة" وصبيه "حسن" الذي أدمن تعاطي المخدرات أو الهجرة كما حدث مع "عبد القادر" لاعب كرة القدم في أحد النوادي الفقيرة. وهناك ما يمكن أن نسميه الغياب المؤقت من خلال حفلات الزار التي تقيمها "فضيلة"؛ أم "إحسان". وعلى الرغم من تقسيم الرواية إلى ثلاثة أقسام بغرض إحكام بنائها فإنها تقوم على توالد حكايات مختلفة ينتقل الكاتب بينها من دون تمهيد ويظل الرابط العنصر النسائي، فهناك الشهوانية، والمحبطة في حبها وبائعة المتعة وغالباً ما تتقارب مصائرهنّ. على أن البنية العميقة التى تجمع بين هذه الحكايات بغض النظر عن وجوه الاختلاف والتشابه هي وجود شخصيات إشكالية لا تستطيع التكيف مع واقعها وتعجز – في الوقت نفسه – عن تحقيق طموحها.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

الحقيقة أن الرواية ليست مجموعة من الحكايات، فهناك إشارات إلى الحرب العالمية الثانية التي كانت سبباً في ثراء البعض مثل الأخوين "محمود" و"محمد بخيت" اللذين استغلا ارتفاع سعر المازوت وقاما ببيع الأخشاب وكثرت أموالهما بصورة كبيرة، ما يستدعي إلى الأذهان حكاية الملياردير محمد الفايد، الذي بدأ مشواره مع الثراء من الإسكندرية.

يلتزم الكاتب باللغة الفصحى سواء في السرد أو الحوار لكنها فصحى بسيطة أقرب إلى "اللغة الثالثة" التي دعا إليها توفيق الحكيم. وعلى مستوى آخر يجيد الكاتب تصوير العلاقة بين ملامح الشخصية الخارجية وطبيعتها، فعندما يريد التعبير عن شراسة "انشراح" يقدمها على هذه الصورة الحسية؛ "فتحت نافذة الدور الأرضي وأطلّت منها امرأة عملاقة وجهها طويل وعريض وفمها شديد الاتساع وشعرها العاري مصبوغ باللون الأصفر". واختصاراً للبنية الزمنية الطويلة للرواية يقوم الكاتب بتوظيف "الثغرة الزمنية" والنقلات السريعة وتعدد الأماكن والشخصيات بالإضافة إلى قصر الجمل وتتابعها ما يعني تسارع الأحداث وتلاحقها، وتوظيف العادات الشعبية مثل "الزار" والعمل على "ربط" الرجال، أي إصابتهم بالعجز الجنسي عن طريق السحر، وتصوير الشخصيات الملبوسة من الجان وغيرها، والمونولوغ الداخلي. وهكذا يتآلف الوصف وأسلوب الراوي العليم الخارجي والمونولوغ في بناء هذه الرواية البديعة.

المزيد من ثقافة