Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الروائي المصري الفرانكوفوني ألبير قصيري في قلب حداثة التهميش

دراسة جديدة شاملة حول مساره وأعماله تكشف وجهاً آخر له

الروائي المصري الفرانكوفوني ألبير قصيري (الصورة تخضع لحقوق الملكية الفكرية - فيسبوك الكاتب)

في كتابه "ألبير قصيري والسخرية: التهميش إجابة على الحداثة"، يبرز الباحث باسم حنا شاهين، رهان عملية تحويل الهامش إلى صورة خيالية في أدب قصيري الذي يطرح سؤالاً واحداً في أشكال محتلفة: كيف يتصور لذاته مكاناً في الحداثة، كيف يحدد موقع الفرد في عالم هو فريسة للتقدم المادي، ما نمط الفرد الذي يمكنه إعلان هذا التحدي؟

وهذا الكتاب ترجمته راوية صادق من الفرنسية إلى العربية لحساب المركز القومي للترجمة، في القاهرة، وصدرت الترجمة بالتعاون مع "مؤسسة فورد"، ضمن "سلسلة العلوم الاجتماعية للباحثين"، التي يشرف عليها الباحث أحمد زايد، علماً أن مؤلفه حاصل على الدكتوراه من جامعة نيويورك عام 2009.

ويلاحظ شاهين معارضة قصيري التقدم والتحديث بنصوص تعبر عن ازدراء كلي، لقوى السلطة وشخصيات ضد الخطاب السياسي، ولكنها في الوقت نفسه ضد خطاب الاحتجاج، "لأن الخطاب نفسه يعرض استنتاجات منطقية مسبقة وحججاً تديم الخداع العالمي".  

وهكذا ترسم مؤلفات قصيري جمالية أخلاقية التبطل والخمول والكسل والأمية والفضاء الحضري، وهو حين سئل: لماذا تكتب؟ قال: "كي لا يذهب إلى العمل مَن قرأني للتو".

وعلى الرغم من أن الوجود المادي محدود للجالية الفرنسية خلال سنوات ما بين الحربين العالميتين، فإن هناك عدداً كبيراً من العوامل التي أسهمت في توسيع اللغة وتطويرها في قلب الجالية ميسورة الحال. لقد تمتعت اللغة الفرنسية – سواء لرفض لغة المحتل (الإنجليزية) أو لجاذبية المساواة المثالية ممثلة في فرنسا، أو لازدهار المدارس الدينية أو أيضاً الشركات التجارية – في الطبقة المتعلمة في المدن المصرية الكبرى.

تلك كانت الأرضية التي انطلق منها قصيري الذي ظل طوال مشواره الطويل مع الأدب، يستمد إلهامه من مصر الحديثة؛ بحسب دومينيك كومب في كتابه "مشارق فرانكفونية: خنثوية وتهجين"، علماً أنه استقر هو وأندريه شديد وإدمون جابيس وجورج حنين وغيرهم من المصريين الفرانكوفينيين في باريس بين عام 1945 وبداية الستينيات وواصلوا مسيرتهم الأدبية باللغة الفرنسية.       

يقول ألبير قصيري عن كتابته باللغة الفرنسية "أنا أفكر باللغة العربية، ولكن كان أسلوبي سيختلف لو كتبت عن باريس مثلاً وليس عن القاهرة. حرصت على ألا أعطي الانطباع بأني فرنسي يكتب عن مصر".

ازدواج اللسان لا اللغة

يرى شاهين أن قصيري لم يكن مزدوج اللغة، بل كان مزدوج اللسان، فهو كان يجعل الفرنسية تعمل بواسطة العربية من دون أن يكون في وضع المنفي في فرنسا أو الخاضع للغة الفرنسية. هو يكاد لا يستطيع قراءة العربية، إذ إن لغته الأم المكتوبة أصبحت أجنبية، بالنسبة إليه، خصوصاً بعد خروجه من مصر. وهو على أي حال كان متمكناً تماماً من اللغة الفرنسية، وبدأ شغفه بالأدب الفرنسي عندما كان في العاشرة من عمره، ومع ذلك نجد أن نصوصه حبلى بتعبيرات عربية، وتتخللها صور بودليرية؛ نسبة إلى شارل بودلير، ولكن بنكهة مصرية.

وبالنسبة إلى الحضور البودليري في أدب قصيري، يلاحظ المؤلف أنه ليست الصور المستمدة من تأثره بصاحب "أزهار الشر"، فقط هي التي تجوب كل عمل لقصيري، بل أيضاً وعلى نحو خاص، الموضوعات البودليرية (التبطل والكسل...).

وعموماً، كانت تجربة قصيري مماثلة لتجربة معاصريه، في اعتمادها على سياق تأثير الثقافة واللغة الفرنسية في مصر. مثل أندريه شديد أو جابيس أو جورج حنين أو أحمد راسم، تلقى قصيري تعليمه في مدارس فرنسية قبل أن يكرس نفسه للكتابة.

لكن يأتي اختلافه بسبب اختياره التعبير الذي ينبع منه، مطوعاً الشفاهية، والترجمة، وما هو غير قابل للترجمة، والتناص. ويزاوج ذلك التعبير تأمل في العلاقة مع الكتابة والمكان.

نصوصه مثل شخصياته ستتكشف، في أغلب الأحيان في الهوامش، في مناطق أو ظروف مؤسساتية استثنائية. وهكذا ينشر نصوصه شارلو؛ رمز المقاومة وناشر كامو.

ستجد شخصياته سعادتها بعيداً عن الخطب الوطنية الكبرى، على هامش السلطات الحكومية، هؤلاء الفقراء والمعوزون المصريون في الخيال القصيري يجدون صوتاً مصرياً غير متوقع، غير منتظر يعبر عن نفسه باللغة الفرنسية، وبالمصرية، ما دام يأتي، جزئياً، من الشفاهية القاهرية.  

خصوصية تتجاوز التسميات

خصوصية وجود اللغة العربية في نصوص قصيري تتجاوز إطار التسميات، ما دمنا نجد عدداً كبيراً من الكلمات الشائعة مصدرها اللغة العربية وغير مترجمة أبداً.

وفي الواقع - يقول شاهين - إن كلمات مثل "كحل"، "طربوش"، "ملاية"، أو "مشربية"، تتناثر في أعمال قصيري. لكن في ما وراء التسميات والمفردات، يمنح إدراج التعبيرات العربية المنقولة لفرنسية نصوص قصيري، بعداً أدبياً أكثر ثراء. هذه التعبيرات تأتي من العربية للعامية، بينما يمكننا توقع خلق علاقة بين لغتين موحدتين، أي الفرنسية والعربية الفصحى.  

يتناول باسم حنا شاهين نصوص الروائي المصري "الفرنسية" المسكونة بالعامية؛ لا سيما في "بشر نسيهم الله"، و"شحاذون ونبلاء"، و"العنف والسخرية"، ويبحث في تصويره لعلاقات شخصياته الهامشية باللغة المنطوقة والمكتوبة.

بمقارنة بعض أبيات ألبير قصيري مع تلك التي يبدو أنه استلهمها من شارل بودلير، يلاحظ شاهين أنها تنطوي على اهتمام خاص بالمدينة والحداثة. ويبدو أن قاهرة عشرينيات وثلاثينيات القرن الماضي كانت بالفعل في فكر قصيري مثلما كانت باريس القرن التاسع عشر في مخيلة بودلير. وكذلك الإصرار على شخص المتسكع – الغندور في أعمال قصيري يدفعنا للذهاب إلى بودلير الذي يبدو أنه كان مصدر إلهامه.

ويمكننا القول، إن العبور الذي قام به قصيري من الشعر إلى القصص يشبه في كل النواحي عبور بودلير من الشعر التقليدي إلى قصيدة النثر. بينما سيستعيد بودلير بعض اللوحات الباريسية وسيطورها في نثر مثل "الأرامل"، أو "أصيل الليل"، سيستعيد قصيري الموضوعات والصور نفسها ويطورها في قصصه، وهو يلجأ دائماً للمعجم نفسه الذي نجده بالفعل في قصائده. لا يتوقف التوازي هنا ما دمنا سنجد في القصص المعجم البودليري نفسه الذي يستعيده قصيري أحياناً كلمة كلمة، بعض البنى البودليرية. 
 
بودلير ودوريفي وكامو
محاكاة قصيري الساخرة لقصائد بودلير تأتي في مجملها من مجموعة "لوحات باريسية". ويبدو أن قصيري المعجب الكبير ببودلير، يبحث – باعترافه - وهو يستعيد مفردات وصور شاعر "أزهار الشر" عن معادل لهذه القصائد. لكن، في ما وراء الخيار الحضري، وأيضاً في ما وراء الميل النثري وتكرار صيغ معينة أو مفردات محددة، وبالأحرى في موضوع التبطل، ستنتشر فلسفة هذين الكاتبين، المتكئة على سعي كل منهما نحو كمال لغوي ينجح في إحياء الأكثر ابتذالاً وحقارة.

غياب مؤشرات الوقت والميل إلى إيقاف الوقت في أعمال بودلير سنجد صداه في أعمال قصيري.

باستلهام سمات شخصيته لدى كل من "دوريفي، وبودلير، وكامو"، سينشئ قصيري ما يبدو لنا نموذجاً للغندور. والحال أن هذا النموذج يلخص تماماً شخصية الغندور مثلما يستعيدها قصيري. نعلم أن "الغندرة" هي طريقة وجود، هدفها دائماً إنتاج غير المتوقع؛ بحسب دوريفي.

والغندور كائن حضري في المقام الأول؛ مجال لعبه ووجوده هو المدينة. إذا كان الغندور لا يفعل شيئاً، فذلك لأن تبطله يجعل منه كائناً مستقلاً؛ همُه "أن يكون سامياً بلا انقطاع"، بحسب بودلير في "قلبي متعرياً"، إنه كائن متكبر، فمن يكتب لا يصدم أبداً ولا يؤخذ على حين غرة؛ "طبعه جمال يتبدى أساساً في السحنة الباردة القادمة من قرار لا يتزعزع بألا يتأثر"؛ بحسب بودلير في "رسام الحياة الحديثة".

وإذا كان الغندور متمرداً على النظام القائم، فذلك لأنه يرى ظلماً إنسانياً وإلهياً لا يمكن إصلاحهما (دوريفي) لكن الألم في هذه المرحلة، لا يبدو مقبولاً إلا بشرط أن يكون بلا علاج"، بحسب كامو في "الإنسان متمرداً".

أبطال قصيري مستنسخون من هذا النموذج. بينما بعض متبطلي الفلاسفة مثل "الكردي" في "شحاذون ونبلاء"، أو "طاهر" في "العنف والسخرية"، يتسمان بسلوك متعال.

وتبقى حقيقة أن ثورتهم لا تزال ملطخة بالإيمان والعمل. إنهم يعتقدون في عالم أفضل ويساهمون بأعمالهم في هذا الاعتقاد. هذه الشخصيات هي التي تدفع بالحبكة. سيتبدى تحولها بفضل شخصية الغندور المناقضة لهم.

في مواجهة الخداع السياسي الاقتصادي العالمي، لا يدافع أبطال قصيري "الغندوريون" الحقيقيون، عن التمرد ولا عن الاستكانة. إنهم يقدمون مقاومة متحررة من العاطفة ومبنية بلا مبالاة. هؤلاء الموهوبون بذكاء تخريبي، اختاروا استخدام السخرية والاستهزاء لأن الجدية تبدو لهم الناقل لفكر الدجل. هذا الاحتقار الجاد يتم التعبير عنه في رفضهم أن يكونوا تربويين. والغندور كما قدمه قصيري لا يسعى للاستيلاء على السلطة، وهو ضد الثورة، ضد أسطورة التحول بالعنف. يفضل مراقبة العالم.      

توفي قصيري في باريس 22 يونيو (حزيران) 2008 عن 94 عاماً قضى 60 عاماً منها في باريس، ولم تطأ قدمه مصر مجدداً سوى بعد 38 سنة على مغادرته لها. كان ذلك في عام 1980 عندما أرسلته دار "هاشيت" لتأليف كتاب عن القاهرة لكنه لم يكتبه أبداً.

المزيد من ثقافة