هذه هي الأسباب التي تمنع أردوغان من تنفيذ عملية عسكرية في شرق الفرات

يبدو أن زيارة الرئيس التركي إلى روسيا لم تحقق أي نتيجة في شأن سوريا، وعلاقاته بالولايات المتحدة متدهورة

امرأة سورية في مدينة الرقة السورية التي كانت مركز تنظيم "داعش" (أ.ف.ب)

بغض النظر عن إمكان التوافق الروسي التركي في شأن العملية العسكرية التركية في منطقة شرق الفرات، خصوصاً بعد زيارة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى موسكو، التي أعلن أنه ناقش خلالها المسألة السورية، فإن الظروف الموضوعية تمنع تركيا حالياً من اللجوء إلى هذه الخطوة لثلاثة أسباب، تضاف إلى ما بدا أنه عدم تجاوب روسي مع مسعى الطرح التركي.

إذ لا يمكن، أولاً، لتركيا أن تقوم بالتوافق مع روسيا بعملية عسكرية في الداخل السوري في منطقة غير خاضعة لأي نفوذ عسكري روسي، بل هي جوهر التفاهم العسكري الأميركي الروسي في الداخل السوري. إذ إنها ستبقى، وفق هذا التفاهم، خاضعة للهيمنة العسكرية، تحديداً الجوية، للولايات المتحدة وقوى التحالف الدولي لمحاربة الإرهاب.

وعلى الرغم من ذلك تسعى الإستراتيجية التركية إلى نسج دعائم عدة مع الطرف الروسي، اقتصادية وسياسية وعسكرية، لتتمكن في المحصلة من استخدامها في خلق مساحة قبول روسية للتوجهات التركية في الداخل السوري، خصوصاً في ما يتعلق بمنطقة سيطرة الفصائل الكردية، شرق الفُرات، وهي المسألة التي تعتبرها تركيا مساً بأمنها القومي.

المسألة الأخرى تتعلق بالواقع الداخلي التركي. فبينما أثبتت الانتخابات المحلية التركية تراجع شعبية حزب العدالة والتنمية، فإن أردوغان سيركز في المرحلة المقبلة على مسألة امتصاص صدمة الخسارة هذه، خصوصاً أنها يُمكن أن تكون أداة للكشف عن دائرة الفساد والمحسوبية الهائلة التي كانت تمارسها الدائرة المحيطة بأردوغان من خلال سيطرتها على البلديات، في الوقت ذاته الذي حذرت وكالة "بلومبيرغ" الأميركية من أن مغامرات الرئيس التركي الراهنة قد تؤدي إلى مزيد من الأزمات في الاقتصاد التركي.

أخيراً، لأن الأسابيع القليلة الماضية التي تلت القضاء على تنظيم "داعش" في تلك المنطقة، أثبتت قُدرة قوات سوريا الديمقراطية على الإمساك بالأرض وتيسير الحياة العامة، الأمر الذي كانت تشكك فيه تركيا على الدوام.

تراجع العلاقات التركية الأميركية

يبدو أن الرئيس أردوغان في اتجاهه إلى روسيا كان قد فقد الأمل تماماً بالتوصل إلى توافق مع الولايات المتحدة في شأن منطقة شرق الفرات. إذ إن الجولات المكوكية التي خاضها السفير الأميركي جيمس جيفري مع تركيا للتوصل إلى توافق ما معها في شأن تلك المنطقة لم تصل إلى نتيجة.

وبينما كانت الولايات المتحدة تطرح ما يتعلق بإيجاد منطقة آمنة على الحدود بين تركيا ومنطقة شرق الفرات، فإن الإستراتيجية التركية كانت تصر على أن تسحب الولايات المتحدة كل دعمها لقوات سوريا الديمقراطية، وأن تصنفها كقوة مسلحة "إرهابية"، وأن يسلم ملف منطقة شرق الفرات إلى الجانب التركي.

أحداث مؤثرة في الإستراتيجية التركية

إلى جانب تراكم سوء التفاهم بين تركيا والولايات المتحدة، كانت ثلاثة أحداث تجري، مؤثرة في الإستراتيجية التركية، خصوصاً في شأن علاقاتها التداخلية في المسألة السورية.

أولها، ذهاب تركيا بعيداً في عقد صفقة عسكرية إستراتيجية مع روسيا، من خلال شراء منظومة صواريخ الـ S400، على الرغم من كل اعتراضات قوى حلف الناتو وتحذيراتها لتركيا، خصوصاً الولايات المتحدة، لأنه من شأن دخول تلك المنظومة إلى شبكة التسلح التركية أن يؤدي إلى كشف أسرار منظومات الأسلحة الأميركية والأوروبية المستخدمة في تركيا أمام الجانب الروسي. وقد ردت الولايات المتحدة مباشرة بإيقاف تسليم طائرات ف35 إلى تركيا.

ظهر الإصرار التركي على إتمام تلك الصفقة كأنه سعي إلى تأكيد تفكك علاقتها السياسية بالولايات المتحدة، التي رفضت التوجهات التركية في سوريا، وأن تركيا ستتخذ خطوات أكثر جرأة لربط نفسها سياسياً وعسكرياً مع روسيا، الأكثر ليونة تجاه تركيا في الملف السوري.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

المسألة الأخرى كانت في الهزيمة الكبيرة التي تلقاها أردوغان وحزب العدالة والتنمية في الانتخابات المحلية الداخلية، التي جرت أواخر الشهر الماضي. إذ خسر أردوغان رئاسة بلديتَي المدينتين المركزيتين، إسطنبول وأنقرة، اللتين شكلتا رمزاً لمشروع أردوغان وحزب العدالة والتنمية. وبذا صارت بلديات المدن الست الأكبر في تركيا بيد المعارضة، وهي أول ضربة سياسية لنفوذ حزب العدالة والتنمية وسلطته، الذي يسير بتلهف مُنذ العام 2002 إلى السيطرة بشكل مطلق على أشكال وأدوات السلطة كافة في تركيا، من دون أي شراكة مع أي طرف سياسي آخر، وأن يكون هذا الحزب هو الطرف الوحيد الذي يحدد إستراتيجية وتوجهات تركيا الخارجية، خصوصاً بالنسبة إلى مسألة شديدة التداخل مع العالم الداخلي لتركيا، مثل المسألة السورية.

الحدث الثالث تمثل في التراجع الاستثنائي للهدنة في منطقة إدلب. فتلك المنطقة كانت تُشكل لُب التفاهم الروسي التُركي في شأن سوريا، وكانت بمثابة التنازل الذي قدمته روسيا لتركيا لتحدث تحولاً إستراتيجياً في قراءتها للمسألة السورية، وأن تتحول من إستراتيجية مُحددات جنيف وقرار مجلس الأمن 2254، نحو إستراتيجيات تفاهمات آستانا وسوتشي، التي منحت تركيا بعض التنازلات في إدلب ومنطقة عفرين وجرابلس، مقابل الانسحاب التركي من الصورة الكلية للمسألة السورية.

القصف المتقطع الذي يقوم به الجيشان السوري والروسي على مختلف المدن في منطقة إدلب، طوال الشهرين الماضيين، ظهر كأنه تراجع من قِبل روسيا وإيران عن التزاماتهما تجاه تركيا في تفاهمات آستانا وسوتشي، وبذلك محاولة لإخراج تركيا تماماً من المسألة السورية.

المزيد من الشرق الأوسط