Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

رحلة مع الفلاسفة في نظرية المعرفة (1)

من التفكير البسيط إلى المعقد ومن العموميات إلى الخصوصيات إذ أصبح الإنسان في مركز الواقع الوجودي وليس مجرد كائن

تُظهر هذه اللوحة الفنية "مدرسة أثينا" الفلاسفة والعلماء اليونانيين مع أفلاطون وتلميذه أرسطو في الوسط (غيتي)

يجعل الوعي والإدراك وما يلازمهما من تأمل وتفكير، الإنسان يسعى في بناء المعرفة عما يحيط به من أشياء وظواهر طبيعية وكونية. وقد شكلت مراحل التطور المعرفي أُسساً متنوعة أسطورية ودينية وفلسفية وعلمية. لذلك، تبلورت عبر مراحل التاريخ مفاهيم وآراء معرفية تستند إلى تصورات عدة، حسية وعقلية وروحية وغيرها. وفي هذه الدراسة، نتناول بإيجاز تاريخي ونقدي آراء نخبة من الفلاسفة في نظرية المعرفة قديماً وحديثاً.

من بروتاغوراس إلى أفلاطون

تعد المعرفة عند كبير السفسطائيين أو المغالطين بروتاغوراس (481-411 ق.م) معرفة حسية، فالحواس هي الوسيلة التي بواسطتها نتعرف إلى الواقع الخارجي، وبما أن هذه المعرفة متأتية من الحواس فحسب، فهي ذاتية بحتة. وبذلك تختلف من شخص إلى آخر، فلا وجود لمعرفة مطلقة، بل نسبية ومتغيرة وتتأثر بالمحسوسات التي تتغير دوماً، فتكون أحكامها على الشيء الواحد متباينة بحسب أحوال الزمان والمكان والبيئة، وأوضاع المستويات الصحية والتربوية والاجتماعية والثقافية والعقلية.

لذلك، اعتمد بروتاغوراس على مبدأ أن "الإنسان هو مقياس كل شيء، ما هو عليه، وما ليس كذلك"، فالإنسان هو معيار الحقيقة في الحياة والمجتمع والعقل، وتتأسس المعرفة العملية على أرض الواقع الحياتي، فإذا "فقدنا الثقة في وجود حقيقة موضوعية، كانت أغلبية الآراء في أهداف حياتنا العملية هي وحدها الوسيلة التي نحكم بها فيما نثق بصدق".

أما الحقائق العلوية أو الماورائية، فهي محجوبة لا نعرف إن كانت موجودة أم لا، إنها معرفة غير مؤكدة لا تستحق النظر والإمعان فيها، وفي كتابه "في الآلهة"، يقول بروتاغوراس، "في ما يتعلق بالآلهة، لا يمكنني التأكد من أنها كذلك أو أنها ليست كذلك، ولا ما هي في الشكل، فهناك أشياء بشرية تعرقل المعرفة المؤكدة، وغموض الموضوع وقصر الحياة البشرية". (تاريخ الفلسفة الغربية، طبعة إنجليزية).

ولا يهتم بروتاغوراس وسائر السفسطائيين بأية معرفة طبيعية أو كونية أو تفسيرات ماورائية، لأن كثرة الأفكار والنظريات تزيد من الإرباك والغموض تجاه الحقيقة، والحقيقة الكلية أو المطلقة ليست متمثلة بالإنسان الكلي، بل بالفرد الجزئي المحسوس بحسب وجوده الجسدي لا الذهني، لأن أصل المعرفة حسي وليس عقلياً، وهناك فرق بين الوجود العقلي والوجود الموضوعي.

فالعالم، وفق السفسطائيين، عسير الفهم إلى حد ما، والتفاوت في الآراء والأقوال يزيد التعقيد، فلا حقيقة غير الإنسان، وكل شيء آخر باطل وخداع. وذهب جورجياس (480-375 ق. م) إلى القول إنه "لا يوجد شيء، وفي حالة وجود أي شيء فإنه غير معروف، ومنحه صفة الوجود وأن يكون معروفاً من جانب أي شخص، لا يمكنه أبداً توصيله إلى الآخرين"، من هنا، انتقلت نظرية المعرفة من عالم الطبيعة إلى عالم الإنسان في البحث عن الحقيقة، إذ إن الواقع الخارجي المستقل عن الإنسان لا يكفي في دراسة الحقيقة، وإنما عالم الذات له حصيلة مهمة في تكييف الظواهر.

وبغض النظر عن المآخذ على هذه النظرية، فإن السفسطائيين استطاعوا أن يحدثوا نقلة نوعية مهمة ومغايرة إلى الفلسفات الطبيعية التقليدية، التي كانت موجودة في الفكر اليوناني، فمن التفكير البسيط إلى المعقد، ومن العموميات إلى الخصوصيات، إذ أصبح الإنسان في مركز الواقع الوجودي، وليس مجرد كائن يدور في الفلك بلا حول ولا قوة، وإنما له شأن في ما يجري من أحداث، وبمقدوره المشاركة في تكييف الظواهر.

وعلى الرغم من أن بروتاغوراس وأتباعه اهتموا بالخطابة والبلاغة والجدل أكثر من اهتمامهم بالبحث عن الحقيقة، تعرضوا لانتقادات حادة ومريرة من سقراط الذي انقلب عليهم وناصر العقل على الحس، واتبعه على هذا المنوال تلميذه أفلاطون، فنالهم الغبن، خصوصاً أن لديهم نظريات أخرى في الأخلاق والجمال والدين والقانون.

وعندما خرج سقراط (469-399 ق.م) عن النهج السفسطائي، لم يرتق إلى مستوى الحقائق الكلية، واستمر في مستوى الجزئي المحسوس، الذي يختلف باختلاف الأفراد، وكذلك باختلاف حالات الشخص الواحد، فالمعرفة بالجزئيات هي معرفة ناقصة لا تصل إلى الحق، أما المعرفة الكلية فهي الأصل في طلب الحقيقة، وركز سقراط على العقل الذي يمكنه وحده معرفة الحقائق وتمحيص الأفكار وتحليل العقائد، والعقل عام في الناس جميعاً، فهو ينتزع من أوصاف الجزئيات وعوارضها المحسوسة بالاستقراء والمقابلة والجدل في المعاني الكلية الثابتة فيها، مثل القوانين والمبادئ وحدود الأشياء وماهيات الفضائل. فالوجود العقلي هو الوجود الحقيقي، والسبيل إلى تحصيل المعرفة يكون عن طريق العقل لا الحس.

ولكن سقراط لم يبحث كثيراً في المدركات الكلية، وكان يؤكد باستمرار أنه لا يعرف شيئاً، وأنه أكثر حكمة من الآخرين في معرفة أنه لا يعرف شيئاً، لكنه لا يعتقد أن المعرفة لا يمكن الحصول عليها، بل على العكس من ذلك، فهو يعتقد أن البحث عن المعرفة أمر بالغ الأهمية، وأكد أنه لا يوجد شخص يرتكب الخطأ عن عمد، وبذلك فإن المعرفة هي اللازمة بجعل جميع الناس فاضلين.

وتطرق أفلاطون (427-347 ق.م) إلى ما فات سقراط، وتناول المدركات الكلية، وحدد وسائل المعرفة في أربعة مستويات، الحس والظن والاستدلال والعقل، الذي يعد أسمى الدرجات، فأصل المعرفة الحقيقية يكمن في إدراك المُثل (أو الصور) العقلية، التي هي حقائق ثابتة كالعدالة والجمال والخير. والعقل هو "منظم بشكل طبيعي ولطيف، بمثابة دليل راغب ومنضبط بشكل طبيعي في تحقيق فكرة الوجود الفردي". (جمهورية أفلاطون، طبعة إنجليزية). لذلك، يحاول العقل إدراك هذه المُثل من دون الاستعانة بالحواس، وذلك بطلب العلم الكامل والمعاني الكلية والماهيات والصور المفارقة من خلال التأمل والنظر والاستقراء والتحليل.

فإذا أردنا، على سبيل المثال، أن ندرك مفهوم الجمال، علينا أن نبدأ جزئياً من شخص أو شيء جميل، ويكون الوصول إلى المعرفة بواسطة الجدل الصاعد، وهو الانتقال من المحسوس إلى المعقول، فالعقل يستند إلى العلوم الجزئية ليصل إلى المبادئ، والجدل الهابط هو عملية عكسية في فهم الموجودات من أعلى إلى أسفل.

ولكن هذا النهج المعرفي تشوبه تفاوتات في تبيان بعض المبادئ المنطقية العامة، خصوصاً أن أفلاطون ينظر إلى المقولات على أنها حقائق فعلية لا مجرد تصورات ذهنية خالصة، لذلك، تعد نظرية المعرفة عند أفلاطون ذات صبغة ماورائية أكثر منها منطقية.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ويرى أفلاطون أن مصدر المدركات الكلية هو العالم المثالي، فالمعرفة الحقة هي أن نعقل المثاليات، إنها حقائق كلية ثابتة ومستقلة عن الإنسان، ومصدر لوجود الأشياء في العالم المحسوس وعلة له، فالأنفس البشرية كانت في العالم العلوي أو المثالي ثم هبطت إلى العالم السفلي وحلت في الأجسام، فإذا رأت شيئاً جميلاً على الأرض تذكرت مثال الجمال في عالم المُثل، بل كل ما هو موجود في العالم الطبيعي من حيوانات ونباتات وجمادات وعلل وصفات لها مُثل أيضاً، وهذه المثاليات أو الصور العلوية هي معان مجردة خالدة، والأشياء المادية تتشبه بها لأنها ناقصة وفانية. مثال، إن عمل الفضيلة للفرد مدته الزمنية قصيرة، غير أن الفضيلة هي حقيقة سرمدية، وهذا التشبه لا يعني بالموجود المادي أن يبلغ الكمال، فالكمال للنماذج المثالية فحسب، وهي معاييرنا الدائمة، إنها النماذج الحقيقية للوجود، وبحصول صورها في أذهاننا نكتسب العلم والمعرفة.

هكذا، فالمدركات الكلية لا تدرك بالحس بل بالعقل، والمثل هي جوهر الأشياء كلها، ولا يحدها زمان ومكان، ولا تتركب من شيء، فهي جواهر كلية بسيطة، ومثال الإنسان ليس الكائن الجزئي الناقص، وإنما هو الحقيقة الكلية العامة الكاملة لكل إنسان، وبذلك هي مصدر المعرفة والوجود وعلة كل شيء، منها الأخلاق والسلوك.

وفي محاورة "السفسطائي"، أشار أفلاطون إلى وجود خمسة أنواع عليا تؤدي عملية التأليف والربط بين المثل، وهي، الحركة والسكون والوجود والهوية والغيرية، فمثال الحركة يتصف بالوجود والذاتية لأنها هي ذاتها موجودة، لكنها غير مثال السكون والأنواع الأخرى. فكل شيء من حيث هو يشارك في الوجود، كونه هو غير الأشياء الأخرى يشارك في الغيرية. إن قابلية المثل لأن يشارك ويتفاعل بعضها مع بعض، منحت نظرية أفلاطون صورة واضحة أكثر، لا سيما أنه يرى المعرفة حدسية تستند إلى استرجاع الذاكرة في العالم المجرد أو المثالي.

أما عند أرسطوطاليس (384-322 ق.م)، فتبدأ المعرفة من الإحساس المباشر تجاه هذا العالم الخارجي، وهذا الإدراك المباشر يخص الإنسان والحيوان معاً، فالإنسان يملك إدراكاً باطنياً يحاول من خلاله أن يجرد من الصورة المادية ما تبقى في ذاكرته وخبرته، لذلك تصبح معرفته تجريدية، ذهنية، تحفظ جواهر الأشياء بعدما تزيل منها صفاتها المحدودة، فينطبع بها تماماً، بحيث تنتقل الصورة الحسية إلى الوجود بالفعل، كما العين في الألوان واللسان في التذوق والأنف في الشم...

بمعنى ثان، إن الحواس الخمس هي نافذة الجسم المفتوحة على الواقع الخارجي، والإحساس المباشر بأي شيء حاضر في الحال يوصف بأنه جزئي، وبذلك تعد التجربة الحسية المباشرة مصدر كل معرفة، وعلى الرغم من أن أرسطو يوافق أستاذه أفلاطون، في التفريق بين الظن واليقين، وأن المعرفة الحسية هي ظنية، بينما المعرفة الحقيقية تصل إلى الدرجة اليقينية، لكنه يخالفه في شأن الحدس، فالمعرفة تذكرية إرادية وليست حدسية، لأن الإنسان يريد أن يعرف من غير جهد في التذكر، ودور الإرادة هو أن تجعل الإنسان يستدعي أفكاره بصور متشابهة.

وحتى بالنسبة إلى الفكر، فإن أرسطو يحدده في تحصيل المعرفة، إذ إن "الفكر يظهر في كل ما يقولونه لإثبات أو دحض نقطة معينة، أو إعلان بعض القضايا الكلية". (في الشعر، طبعة إنجليزية).

في أي حال، فإن الحس عند أرسطو بالغ الأهمية، والموقف نفسه لدى أفلاطون وسقراط، لأن الحس يعطينا المادة الخام للمعرفة، ولكنها ليست مترابطة ومنسقة، بل يعطينا إياها معلومات مفككة لا صلة بينها، فيعمل العقل على تنظيم المعلومات وربطها ببعضها بعضاً، إذ إن "العقل هو أعلى شيء فينا، والأشياء التي يدركها هي أسمى ما يمكن معرفته". (الأخلاق، طبعة إنجليزية).

كما أن العقل موجود بالقوة، ثم من خلال عملية التجريد يبدأ الإنسان بتحصيل المعرفة من المجرد إلى الحسي، وليس العكس، والمعقولات لا وجود لها إلا في الذهن، وهنا أرسطو أيضاً، يخالف نظرية أفلاطون المثالية، فالذهن ليس صفحة بيضاء خالية من أي شيء عليها، وإنما تتضمن استعداداً ما للمعرفة يرتبط بطبيعة الذهن ذاتها، ويظهر هذا الاستعداد في صورة البديهيات الأولى.

ويقول أرسطو إن انتقال العقل من القوة إلى الفعل يتم عن طريق العقل الفعال، وهو عقل بالجوهر، وعقل النفوس البشرية جمعاء، ويتصل بعقولنا الفردية ويجعلنا ندرك المعقولات، وإذا ضعف العقل عند الشيخوخة فسبب ذلك كون القوى المدركة مثل الحواس أصابها الوهن، وبذلك صار على العقل أن يتحمل عبء هذه المرحلة لا أكثر.

صفوة القول، إن المعرفة الحقة تكمن في هذا العالم المادي، وليس في العالم المثالي، وكذلك الإدراك الحسي ليس عملية جسمية فحسب، بل نفسية أيضاً. وبذلك يخالف أرسطو رأي أفلاطون في مفاصل مهمة في نظرية المعرفة.

المزيد من آراء