Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

حفيدة هدى شعراوي تسرد أطيافاً من حكايات الجدة

تحكي قصة بيت العائلة الذي هدم وتكشف حقيقة المغالطات التي أحاطت برائدة تحرير المرأة

أسهمت هدى شعراوي في مجال الحركة النسائية الدولية (أ ف ب)

بمحبة زادتها سنوات الغياب عمقاً، تحكي الحفيدة عن إرثها الذي حملته بشغف. فمن يمكن أن يؤتمن على سيرة الناشطة النسوية الأبرز في التاريخ المصري والعربي هدى شعراوي (23 يونيو "حزيران" 1879 - 12 ديسمبر "كانون الأول" 1947) سوى حفيدتها سنية شعراوي. حيث ينطق قلبها قبل لسانها، وتتدفق الكلمات والحكايات والأصالة في حديثها. هنا صلة الدم وصلة العقل الراجح أيضاً.

تدرك المترجمة سنية شعراوي أنها بتوثيقها سيرة جدتها هي أيضاً تشارك في حراسة هذه الحقبة المهمة من تاريخ العمل النسائي، بالتالي نجدها تحرص على الدقة وهي تسرد حكاية العائلة من دون أن تتخلى عن مكانتها "حفيدة"، ولدت في منزل مختلف.

الجدة القوية تدلل الحفيدة

بخلاف الكتاب المهم الذي أصدرته سنية شعراوي عن جدتها، بعنوان "وكشفت وجهها"، ونشر في نسخة إنجليزية وأخرى فرنسية وكذلك إيطالية، خصتنا الكاتبة والمترجمة التي عملت في مؤسسات عالمية كبرى، بينها "اليونسكو"، ببعض المقتطفات من سيرة المناضلة المصرية الأشهر في مجال حقوق المرأة نور الهدى محمد سلطان شعراوي (هدى شعراوي).

وتكمن أهمية الكتاب في أنه يضم مذكرات كتبتها الراحلة بنفسها، إضافة إلى مجهود البحث الذي بذلته المؤلفة، الذي تضمن وثائق وصوراً تاريخية حصلت عليها أثناء مقابلاتها مع شخصيات عديدة، منها أحمد لطفي السيد ومجد الدين حفني ناصف وسيزا نبراوي وحواء وحورية إدريس وأمينة وكريمة السعيد وشريفة لطفي وآخرين وأخريات من السيدات الأجانب أيضاً، اللائي عملت معهن في مجال الحركة النسائية الدولية. كما يضم أيضاً مذكرات سعد زغلول ومحمد حسين هيكل وعبد الرحمن فهمي.

 

 

كان من الصعب أن تحدد سنية شعراوي، أستاذ الأدب الإنجليزي، نقطة بداية للحديث، لكنها اختارت مشهداً لجدتها وهي تحملها في طفولتها مدخلاً ملائماً لحالة الامتنان التي تملأ صوتها، وهي تتحدث إلى "اندبندنت عربية". تقول، "رغم أن جدتي توفيت وأنا طفلة صغيرة لم أتجاوز السنوات الثلاث، فإن هناك بعض اللقطات انطبعت في ذاكرتي. في إحدى المرات وبخني أحدهم بصوت عال، فما كان منها إلا أن أخذتني وحملتني وهدأتني، وتحدثت بوضوح لمن حولي، وطالبتهم بعدم معاملتى بهذا الأسلوب. والحقيقة هي في تلك الفترة كانت مشغولة بالقضية الفلسطينية، وكان لديها ضيوف كثر في المنزل، لكنها كانت تعبر عن حبها لنا دوماً".

قصة "وكشفت وجهها"

تفاصيل عمل هدى شعراوي المنحدرة من محافظة المنيا بصعيد مصر، الملقبة برائدة تحرير المرأة، حيث نجحت في إقناع الجامعة المصرية للمرة الأولى بتخصيص قاعات للفتيات عام 1908، وأسست قبلها جمعية لرعاية الأطفال، ترويها الحفيدة باستفاضة في كتابها الذي أصدرته أولاً بالإنجليزية "Casting off the Veil"، ثم صدر أيضاً باللغتين الفرنسية والإيطالية، بينما ترجمته إلى العربية نشوى إيهاب الأزهرى، وقدمه الناقد طارق النعمان.

وتعليقاً على تلك التجربة، خصوصاً في ما يتعلق بالعنوان الذي يبدو مغايراً قليلاً للنسخة الأصلية، حيث جاءت الإنجليزية بعنوان "وأسقطت الحجاب" تقول نشوى الأزهري، "اخترت العنوان بالعربية لأنني وجدته قريباً للمعنى المتعارف عليه، خصوصاً أن ما فعلته هدى شعراوي هو كشفها لوجهها وليس خلعاً للحجاب، حيث نزعت عنها غطاء الوجه التقليدي الذي كانت ترتديه النساء حينها، وهو بالطبع لا يشبه النقاب المتعارف عليه حالياً في شيء".

وتضيف، "حرصت على أن يكون العنوان شاعرياً، لأن الكتاب في نسخته الإنجليزية مكتوب بلغة أدبية بديعة. هو ليس سيرة ذاتية بالمعنى التقليدي، لكنه أقرب إلى الرواية". مؤكدة أنها طوال رحلة العمل على الكتاب الذي صدر عن المركز القومي للترجمة بمصر قبل عامين، كانت "مستمتعة كثيراً"، وأحبت سيرة بطلته هدى شعراوي بشكل خاص لقوة شخصيتها وتفردها.

 

أين منزل هدى شعراوي؟

عاشت سنية مع جدتها ووالدتها وأخواتها في منزل هُدِم في واقعة استقبلتها الأسرة بحزن بالغ، مؤكدة أن وزارة الثقافة نفذت قرار الهدم في مطلع ستينيات القرن الماضي، وشرعت في إنشاء فندق بدلاً منه، وهو ما اعتبرته "انتقاماً سياسياً" من الأب، حيث كان والدها من الذين تنبأوا بانتهاء الوحدة بين مصر وسوريا، بسبب قوانين الإصلاح الزراعي.

تتحدث شعراوي عن أبيها بفخر شديد، حيث كان أصغر عضو في مجلس الشيوخ قبل ثورة 1952، وتتذكر مشهد إخراجهم من المنزل الكبير وسط العاصمة المصرية القاهرة، "كنت في الخامسة عشرة من عمري تقريباً، ومن التفاصيل التي لن تُمحى من ذاكرتي، أنه بعد هدم المنزل تكونت مكانه بحيرة عميقة. وحاولت الشركة البناء مراراً، لكن الأمر كان بالغ الصعوبة، ورأى البعض هذه الصعوبة رمزاً لأسى أصحابه عندما غادروه إكراهاً. كنا نحب هذا المنزل، وتربطنا به ذكريات كثيرة مع جدتنا".

 

تولستوي يخلد العائلة

ويبدو أن حب البحث والتفتيش في الجذور موهبة تسيطر على سنية شعراوي، فقد فاجأتنا بحديثها عن جد هدى شعراوي لناحية الأم الحاج مراد، الذي كان يعيش في منطقة القوقاز، حيث ينحدر نسب السيدة إقبال والدة هدى شعراوي، التي هربت من القوقاز أثناء الزحف الروسي، وتزوجت من محمد سلطان باشا، الذي بدوره، كما تؤكد سنية، جاء من قبيلة حمير في اليمن، كما أن زوج آمنة أخت سلطان باشا وأم علي شعراوي كان اسمه بحر شعراوي الذي غادر الأندلس أثناء اضطهاد المسلمين واليهود على يد محاكم التفتيش الكاثوليكية آنذاك. وبحر هذا هو من سمّى منطقة المطاهرة في محافظة المنيا جنوب مصر بهذا الاسم، وهو "الماء الطاهرة"، نظراً إلى أنه أصيب بالمرض أثناء رحلته عبر البحر المتوسط ثم نهر النيل، متجهاً إلى الصعيد، فشفي بمجرد وصوله إليها.

 

 

وبالعودة إلى الحاج مراد، تؤكد السيدة سنية أنه كان بطل إحدى روايات الروسي ليو تولستوي (9 سبتمبر "أيلول" 1828 - 20 نوفمبر "تشرين الثاني" 1910) التي صدرت بعد وفاته مباشرة، وعنوانها الأصلي "حادجي مورات"، فهو أحد المناضلين في منطقة القوقاز إبان الزحف الروسي، وكان نائباً للشيخ شامل بطل المقاومة الشركسية، قبل أن تنقلب الأمور ويقتل الحاج مراد على يد عسكري روسي، بعد أن جرى تهديده بتعذيب أفراد عائلته، وبينهم ابنته إقبال التي أنقذت وأرسلت إلى مصر، وكونت عائلتها هناك، وأيضاً أختها "جذب عاشق" التي اختطفت من العائلة، وهي صغيرة ثم بعد سنوات تزوجها علي سعد الدين بمصر، والتقت مصادفة شقيقتها إقبال والدة هدى شعراوي.

هل أنصفت الأقلام هدى شعراوي؟

المتابع تاريخ هدى شعراوي، يجد أن هناك مغالطات تتردد بشأنها، تصفها حفيدتها سنية بـ"الكاذبة والسخيفة". تقول "يحرِّف البعض سيرتها العامرة بالعمل الاجتماعي والاقتصادي والسياسي والأدبي، وتنحصر على يد هؤلاء في أمور كاذبة".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ورغم تأكيدها افتراءات تلك الأقاويل، فإنها تأبى الحديث عن حقيقة القصة تفصيلياً، وتنصف أبطال الحكاية. مبررة صمتها بأن "النميمة ليست مقبولة في الإسلام، فما بالك إذا كانت كذباً وافتراءً فيستحسن عدم الالتفات إليها".

يذكر أن هدى شعراوي تحملت كثيراً من الصعوبات، وأنفقت من مالها الشخصي على تعليم الفتيات في الخارج، بينهن السياسية كريمة والكاتبة أمينة السعيد، وكانت رائدة تأسيس المجلات المهمة المعنية بقضايا المرأة ومنها مجلة بالفرنسية.

كما كانت شعراوي معنية بشكل خاص بأن تتعلم الفتيات شتى الفنون، ولم تتجاهل رعاية الصغار صحياً ودراسياً من خلال إنشاء روضات الأطفال، وأيضاً الإسهام في إنشاء عيادات لمساعدة ذوي الحاجة في الأحياء المتواضعة، فسيرتها حاضرة في مجالات كثيرة من خلال مبادرات نوعية، تفوقت فيها على كثير من معاصريها رجالاً ونساء، وذكراها اليوم مجرد فرصة لسرد طيف بسيط من سيرتها العامرة.