Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

رحلة في مذهب الشك (الحلقة الثالثة)

ديكارت هو أول من طور المذهب الشكي وفق منهج علمي مستقل عن نظريات بروتاغوراس وبيرن والغزالي

ديكارت يحاول الوصول إلى الحقيقة اليقينية المطلقة بواسطة الفكر من خلال الواقع الموضوعي (غيتي)

في الحلقة السابقة سلطنا الضوء على شكوكية الغزالي، وكيف كانت طريقته في الوصول إلى "العلم اليقيني" الذي لا يطاله الشك قط. فالشكوك، وفق مفهومه، هي التي توصل إلى الحق. كما امتازت نظريته الشكية بمنهج علمي قويم سبق فيها فلاسفة العصر الحديث.
 
ديكارت (1596-1650) 

على الرغم من أن رينيه ديكارت هو أول من طور المذهب الشكي وفق منهج علمي جديد مستقل عن نظريات بروتاغوراس وبيرن والغزالي وغيرهم، وبذلك أدخل الفكر الفلسفي في عصره الحديث. فإن وضعه النفسي والفكري لا يختلف عن بروتاغوراس والغزالي، إذ أثارته شدة المنازعات بين الفلاسفة المدرسيين إلى درجة دفعته إلى أن يتبرم منهم أجمعين. لذلك عمد في منهجه الشكي إلى ضرورة التفرقة بين الأفكار الواضحة، التي لا يصلها الشك أبداً، مثل الكل أكبر من الجزء، أو أن الشك لا يمكنه أن يضع نفسه موضع الشك من نفسه "أنا أفكر إذاً أنا موجود". وبين الأفكار غير الواضحة التي يطالها الشك، مثل الرمزية الأسطورية أو الدينية، وما يتعلق بها تجاه الله، وفكرة الكمال الإلهي. إذ يبحث الناس ذلك من دون أن يدخلوا فيها معيار العلم في القوانين الطبيعية والرياضية.

يرى ديكارت أن المادة والروح (أو العقل) هما مكونان هذا العالم والكون بأسره. فالأولى، لا تفكر ولها كثافة وتمتد متحركة في مكان. أما الثانية، فتفكر ولها إحساس وإرادة وليس لها كثافة ومكان. كما أن هذين الحدين متنابذان ولا يؤثر أحدهما على الآخر بأي شكل كان. فالوجود إنما يتكون من هذه الثنائية المطلقة. وبذلك، فإن العالم الطبيعي هو مادة متحركة وعلى العلم اكتشاف القوانين التي تعمل فيه من أحداث وظواهر. وإذا تم تجريد الأفكار الرياضية من الواقع الموضوعي، حيث لا وجود لها إلا في العقل. فإن هذا العالم يصبح عالماً رياضياً. إذ إن معرفة الأساس الرياضي للمادة تعني الوصول إلى الحقيقة النهائية، التي هي عقلية محضة يكون مجالها في الاستدلال المنطقي والتركيب الرياضي ليس إلا.   

وإذا كان ذلك كذلك، فإنه بمقدورنا أن نصل إلى توضيح كلي للنتائج التي تترتب على المبادئ الأساسية الرياضية، التي تتكون منها الطبيعة من جهة، وإلى إثبات هذه المبادئ كونها في ذات الطبيعة نفسها من جهة أخرى. وعليه، يمكننا أن نستنتج أي جزء منها، إذ تصبح الطبيعة نظاماً منطقياً للتنبؤ وفقاً للأُسس الرياضية. 

وهكذا يؤسس ديكارت فلسفة علمية تجعل الطبيعة شيئاً مادياً، وفي الوقت نفسه تكون شيئاً مدركاً ضمن نطاق الفكر. وهو بهذا النهج يوجه ضربة قاضية إلى عقلية القرون الوسطى في أوروبا، وفلاسفتها المدرسيين الذين يرون أن الأحداث والظواهر في الطبيعة هي من تأثيرات خفية مستترة دوماً. 

ومثلما يؤكد ديكارت على علم الطبيعة وعالمها المادي، فإنه يؤكد أيضاً على العالم العقلي المتسامي معها، إذ تكون العقول في هذا العالم الموضوعي حقائق لا يصلها الشك البتة. فالعقل هو "جوهر مفكر" خاصيته تكمن في التفكير فقط. فإذا قال قائل: أنا أفكر فيجب أن أكون موجوداً، ويقصد أنه موجود في حالة السير أو الأكل، فحسب رأي ديكارت، أنه بمقدورنا التفكير في السير من دون أن نسير، وأن نفكر في الأكل من دون أن نأكل، إلا أننا لا نقدر أبداً أن نفكر في التفكير من دون أن نفكر. وهنا، تكون ثمة قضية واحدة لا يمكن أن تخضع إلى الشك التام، إذ كل فرد له يقين تام عن طريق الحدس المباشر في وجود فكره الخالص. فعندما يرى ديكارت إمكان إثبات وجود الله، فإن ذلك يكون إثباتاً قوياً إلى الأنا نفسها التي تجنب الإنسان الشك التام. 

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

يقول ديكارت "إن مفهومي عن الله الأسمى، الأبدي، المطلق، الكلي العلم، الكلي القدرة، والخالق لجميع الأجسام، من دون شك هو أعظم كائن لهذا الواقع من الأفكار لهذه الجواهر المحددة المدركة". (كتابات فلسفية، طبعة إنجليزية).

ويقدم ديكارت ثلاثة براهين لإثبات وجود الله:

البرهان الأول: أنا أمتلك فكرة الكمال ولكني غير كامل، وهذه الفكرة لا يمكن لها أن تأتي من تأثير نفسي لأني مخلوق ناقص، لذا لا بد لها أن تكون من الكائن الكامل وهو الله. إذاً فإن الله موجود.

البرهان الثاني: أنا موجود، وأمتلك فكرة الكمال ولكني غير كامل، وبما أني لا أقدر أن أخلق نفسي في وجودي، لذلك فإن امتلاكي لهذه الفكرة يأتيني من خالقي الإله الكامل.

البرهان الثالث: بما أن الوجود كمال، فيجب إذاً أن يكون الوجود من خصائص الكمال المطلق، وهو الله.

ومن خلال هذه البراهين يحافظ ديكارت على مذهبه الشكي اتجاه العقل، وبين مطلب البرهان العلمي الذي كان يطالب به، والذي يمكن تحقيقه بواسطة بحث نقدي مستقل يرتكز أساساً على العقل ثم التجربة. لذلك، فمن "الضروري استنتاج ذلك من الحقيقة وهي أنا موجود وتلك فكرة الله تكون فيّ، إذاً وجود الله واضح الإثبات". (مشروع بحث المجرد، طبعة الإنجليزية). 

إن ديكارت يحاول الوصول إلى الحقيقة اليقينية المطلقة بواسطة الفكر من خلال الواقع الموضوعي، الذي هو مجال الحقائق الاحتمالية والتقريبية التي لا يمكن البت فيها بشكل يقيني إلا بالعقل. ومن هنا، فإن الشك بالنسبة إلى ديكارت عبارة عن عملية نظرية بحتة أو فكري تجريدي خالص. فهو يشك في العالم الخارجي وفقاً للتجريد من هذا العالم، إذ يستخلص الأفكار الرياضية من عالم الموضوعات الفيزيائية، فيجعل طبيعة العالم المادي ذا مجال رياضي له بنية منطقية هي مبادئ بديهية في حد ذاتها، ولذلك ليست في العالم صفة ما لا يمكن استنتاجها منه. كما أن ديكارت وهو في عملية الشك التي يجريها في منهجه على كل شيء موجود، استثنى منها الفكر أو الشك، إذ لا يمكنه أن يشك في شكه. صحيح أن ديكارت لم يكن يشك لمجرد الشك، بل من أجل الوصول إلى اليقين، ولهذا لم يعكس منهجه الشكوكي على شكه، وكما قال "يوجد شيء واحد لا يمكن أن أشك فيه، وهو أنني أشك". 

وكتب في رسالة جوابية للأب بوردين جاء فيها "يجب علينا ألا نعتقد أن مذهب الشكوكية هامد منذ أمد، إن نجاحه اليوم أكثر من أي وقت مضى، تقريباً كل الذين لهم مقدرة مميزة عن الآخرين ولا يجدون ما يرضيهم في الفلسفة، ولا يرون حقيقة أخرى، فإنهم يتخذون من الشكية ملجأً لهم". (تاريخ مذهب الشك، طبعة إنجليزية).

وبحسب تصور ديكارت، فإن الموضوع الذي تقف عنده عملية الشك يكون هو البداية الصحيحة، التي يجب أن تنطلق منها الفلسفة. وأكد أن هذه البداية هي جلية واضحة بذاتها بالنسبة إلى العقل، كونها حقيقة يقينية ومطلقة. ومن هنا، يضع ديكارت حداً لشكوكه بمحض إرادته من جانب، ومن اليقين الذي يصله بفكره الشكي من جانب آخر. وهو بذلك أرسى التشكل الممكن في البداية المطلقة للفلسفة، ولكن من مبدأ أن "الحقيقة ذاتية" ليس إلا. وعلى هذا الأساس الذاتي يضع أربعة قواعد تمكننا من أن نتحقق من الحقيقة.

القاعدة الأولى: ألا نقبل أي شيء على أنه حق من دون أن يتبين لنا بالبداهة أنه كذلك. وأن نتجنب العجلة في إصدار الحكم أو الظن، إلا بعد أن يتراءى للذهن أنه واضح جلي لا يصله الشك أبداً.

القاعدة الثانية: أن نعمد إلى تجزئة المعضلات إلى أقسام، ما يلزم وما يمكن منها، وذلك بغية الواجب لهذه المعضلات.

القاعدة الثالثة: أن نسوق أفكارنا بشكل ترتيبي يبدأ من السهل ويصل إلى الصعب في معرفة الأشياء، وذلك بافتراض وجود نظام الترتيب، حتى لو لم يكن بين هذه الأشياء ما يخضع للتنظيم.

القاعدة الرابعة: أن نجري العديد والكثير من الإحصاءات والمراجعات الشاملة في كل مجال نبحث فيه، لكي تجعلنا على ثقة من أننا لم نهمل شيئاً ما. 

ولكن إذا كانت الحقيقة عند ديكارت هي ذاتية، ووضع لها أربع قواعد تجنبنا الشك، وتصلنا إلى اليقين، فكيف إذاً يعمل العقل فيها، وما وسائل العقل الذاتية في تحقيق ذلك؟

وفق رأي ديكارت، فإن عقلنا يملك وسيلتين تمكنانه من الارتقاء إلى "معرفة الحقيقة" ألا وهما الحدس والاستنتاج. فالأولى، يعني بها ديكارت الإدراك الفكري الواضح والمميز، بحيث لا يبقى للشك أي مجال فيه، إنه إدراك بديهي صادر عن الفكر نفسه، وناشئ عن أنوار العقل وحدها، إذ بمقدور كل فرد أن يتبين بالحدس أنه كائن موجود ويفكر، فيدرك بالبداهة الذاتية، أن للمثلث ثلاثة أضلاع وأن الكرة سطح واحد، وهكذا. أما الثانية، فإنها العملية التي نستخلص بواسطتها النتائج الناجمة بالضرورة عن معرفتنا لشيء مؤكد. فهناك كثير من الأشياء ليست بديهية بذاتها، غير أنها تحمل طابع اليقين شريطة أن يستنتجها سير الفكر المستمر والمتواصل من مبادئ صحيحة سليمة خالية من الشك. فإذا كان خواص المثلث هي: الزوايا، الأضلاع، الشكل، الامتداد، فإن الاستنتاج يبرهن على ضرورة القضايا المستخلصة منطقياً من هذه العناصر البسيطة، وهو الذي يثبت أنها صحيحة بالضرورة. وإذا كان الحدس يحتاج إلى بداهة حاضرة ماثلة، فإن الاستنتاج يستمد يقينه من الذاكرة، فنعرف بذلك أن القضايا الأولى الصادرة مباشرة عن المبادئ بأنها عبر الحدس والاستنتاج.

وعليه، فإن المبادئ نفسها تُعرَف عن طريق الحدس، وهي التي تمدنا بالحقائق الحدسية الأولية في الماورائيات. أما النتائج البعيدة، فعن طريق الاستنتاج الذي يُعَرفنا بالمبادئ الأساسية في تعليل الطبيعة. وإذا كان هذا هكذا، فإن ديكارت يصل بفلسفته الشكية المنهجية إلى دور وأهمية التجربة، التي هي وحدها تجعلنا قادرين على تبيان هذا العالم. إلا أن ديكارت يرى أن توافق نتائج فرضية مفسرة مع التجربة لا يعني إبعاد الشك عنها وإنها تخلق اليقين التام، لأن التوافق هنا لا يثبت تماماً القيمة المطلقة الخاصة لهذه الفرضية. والسبب فيما يراه، أننا لا نتمكن أبداً من التأكد من عدم وجود افتراض آخر من شأنه تفسير الوقائع المقحومة مثل هذه الفرضية، إلا أنه يخلق يقيناً معنوياً قد تكون له قوة معينة، لأن قوة اليقين تزداد بازدياد عدد الظاهرات التي تسمح الفرضية بتفسيرها في آن.

ومع أن ديكارت يعتمد على بعض القضايا الحدسية كونها تمدنا بالحقائق الماورائية، إلا أن قيمة نجاحها ومدى إثبات قوة اليقين فيها لا تكون إلا عن طريق الشك المنهجي. وهنا ديكارت، يسير على منوال الغزالي بفحص المحسوسات والعقليات فشك فيهما، وأثبت عجزهما في تحصيل المعرفة اليقينية. فالحواس تُحرف الصفات والعلاقات المُدركة، فلا يمكن أن نصدق تأكيدات حواسنا، والعقل أيضاً لا يمكن الركون إليه دوماً. فهناك من يخطأ في المحاكمات الرياضية، فلماذا لا تكون محاكمتنا خطأً حينما نعتقد أننا نجري محاكمة صحيحة؟ ويصل ديكارت إلى القول إن التجربة الذاتية الخاصة هي وحدها الموصلة إلى المعرفة اليقينية. فالحقيقة إن هي إلا ذاتية بحتة، ولهذا نطق جملته الشهيرة: "أنا أفكر إذاً أنا موجود".

المزيد من آراء