Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

المغربي أبو بكر متاقي: الكتابة لم تخدم حياتي الاجتماعية

 الشاعر الذي يعيش في عزلته انتقل من حرم الجامعة إلى عالم البنائين

أبو بكر متاقي الشاعر المغربي الذي يعيش في عزلة (اندبندنت عربية)

ينتمي أبو بكر متاقي (مواليد  1972 في الوليدية) إلى صنف من الشعراء يميلون إلى "الزهد الثقافي"، إذ لا تكاد تراه في أي تجمع أدبيّ. لا ينحاز إلى أية جهة، ولا يحتمي سوى بكلماته. شاعر يكتفي بكتابة قصائده، من دون تعقّب مصائرها وصنع قنواتٍ لتداولها. فهو يلجأ غالباً إلى صفحته على "فيسبوك" لنشر شذرات متفرقة من حين لآخر، وهي صفحة محدودٌ جداً عددُ أصدقائه فيها. بعد ديوانه الأول "مساء الماء" الذي صدر نهاية التسعينيات، توقف عن النشر حوالى عقدين ثم عاد بكتابين آثر أن يُصدرهما في طبعات محدودة وخاصة: "عواطف مادية ومشتقاتها" ثم "تهافتَ المفسرّون". كما أنه سيصدر قريباً ديواناً جديداً عنوانه "تُراب".

تخرّج في كلية الآداب بعد بحث جامعي حول شعرية المكان، لكنه التحق بمكان آخر قد يبدو لكثيرين بعيداً من الأدب، إذ أصبح عاملاً في ورش البناء، وانتقلت معه قصيدته من حرم الجامعة إلى عالم البنّائين. وبين الرّمل والإسمنت صار النص يتشكل على وقع المطارق وقضبان الحديد، غير أنه نصّ يتدفق شعراً وجمالاً، وربما زادت المطارق وسواري الحديد من تماسكه. لقد استطاع أن يستثمر حياته المهنية في الكتابة على نحو فريد، مؤمناً بأن الشاعر يبقى شاعراً بغضّ النظر عن كل شرط مادي واجتماعي.

 الحوار الأول

لم يسبق لأي صحافي أو كاتب أن حاور هذا الشاعر الذي يكتب نصوصاً عميقة وناضجة. لذلك اخترنا في "اندبندنت عربية" أن نجري معه أول حوار صحافي في حياته، هو الذي انطلق شاعراً منذ ثلاثة عقود. 

حين نسأل أبو بكر متاقي "لماذا تكتب؟"، يلوذ بالصمت، غير أننا نجد الجواب حين نعود إلى قصائده: "ليس لي الآن إلا التمتمة بنفَس العزاء القديم قبالة شفتين مطبقتين"، "هذه كلمات تُكتب إخلاءً لذمتي من دَيْن خفيف".

أصدر أول مجموعة شعرية عام 1999، ولم يصدر العمل اللاحق إلا أخيراً. لذلك سألته عن سر هذه القطيعة، وإن كان الأمر يرجع  إلى إحساس بلا جدوى النشر. فأكد أن تلك القطيعة "كانت أمراً لا مفر منه". وأضاف: "حصلتُ على جائزة وطنية وتكفلت وزارة الثقافة بطبع كتابي. في تلك الفترة كان لشيء مثل هذا بعض الأهمية لدى شاب يكتب الشعر. وفي تلك الفترة أيضاً كنت أبحث عن عمل يكون للشعر فيه بعض الامتداد. كنت متفائلاً وحالماً. حين التحقت بقطاع البناء بدأت المسافة تكبر بيني وبين الأدب. هذه حياة أخرى لها إيقاعها وشروطها وشخوصها ولغاتها، ولها تبعاتها النفسية والذهنية والجسدية. حياة في الغالب يُنظر فيها للأدب بعين الازدراء. لم يكن ممكناً أن أستمر في الكتابة. كنت مجبراً على إخفاء هويتي الثقافية والتعليمية. كنت شبه خائف من السؤال الذي سيطرح عليّ بعد سنوات: أنت تكتب الشعر ولكن ماذا تفعل هناك"؟

تكاد كلمة "هناك" التي استعملها متاقي في توصيف منطقة تواجده قياساً بمناطق الشعر كما لو أنها إشارة إلى منفى ما. وهذا ما جعلني أسأله: "تخرجت في الجامعة بعد دراسة الأدب، لكنك التحقت بورشة البناء، فهل كانت تجربتك المهنية ضد الشعر أم لصالحه"؟ فكان جوابه: "نعم إن هذا (الهناك) يبدو للكثيرين بعيداً من الشعر وغير لائق بشاعر. ولأنك سألتني عن سر جنوحي للعزلة والابتعاد عن المحافل الثقافية، فإني أعتقد أن بعض الجواب يكمن هنا. إني أجد صعوبة في نزع هوية البناء في حضرة المثقفين. وأشعر أن لغتي غير لغتهم وأحلامي غير أحلامهم وهواجسي غير هواجسهم. وحين عدت للكتابة لم أشغل نفسي كثيراً بتسمية ما سأكتبه. قد يكون شعراً وقد لا يكون".

يضيف الشاعر: "أعتقد أن تجربتي في البناء كانت ضد الشعر ولصالحه في الوقت نفسه. لا تنظر إلي بدلالة ما أنت فيه، هذه الفكرة تتكرر عندي في أكثر من نص وبصيغ مختلفة. إن الأمر ليس موكولاً للآخرين للحكم عليك لكنهم يفعلون. ثم من يملك فعلاً المقدرة على تحديد ما هو مضاد للشعر وما هو في صالحه"؟

اللغة قبل العواطف

يكتشف قارئ تجربة أبو بكر متاقي أن مفردات عمله تظهر في الكثير من النصوص. وربما يكون هذا تأكيداً على تلك المقولة القديمة التي ترى أن الشاعر ابن بيئته. لهذا سألته عن منبع الكتابة لديه، وعن تلك المناطق التي تتخلق فيها قصيدته. فأكد لي أن منشأ القصيدة عنده لغوي بالدرجة الأولى. ثم تأتي العواطف المعيشة والمُفكّر فيها بعد ذلك. يشرح متاقي فكرته: "لا أؤمن بما يسمى الإلهام. هناك دور مركزي لآلية التفكير في كتابة النص. أغلب قراءاتي هي في التراث خصوصاً في النقد العربي القديم وفي علم الكلام. هذه العودة إلى الماضي تحرّر المفردة من المعنى الواحد الذي فرضه التداول اليومي لها. إنها تمرين لغوي ينصب على لحظة وجودية تعيشها الذات.لحظة وجودية استثنائية سرعان ما تتلاشى. وطبيعي أن يفضي ذلك بالنص نحو الكثافة والتشذر وابتغاء الحكمة. لا أكتب على الورق. غالباً أكون منشغلاً بالفكرة أثناء العمل. أقلّبها على جميع الوجوه الممكنة. أحاول ما أمكنني ذلك أن أخلصها من كل الشوائب".

ثمة ميل لدى هذا الشاعر إلى التكثيف والكتابة الشذرية والحكمية. فيحس القارئ كما لو أنه يسرق الوقت من انشغالات كثيرة ليكتب هذه النصوص الخاطفة. سألته إن كان ذلك  يرجع إلى طبيعة حياته اليومية. فكان رده أيضاً مكثفاً: "لي نزوع جارف للتقشف في الكلمات. الكلمات التي خبرت معانيها في حياتي اليومية لها الأولوية. الظمأ أو التعب أو العطالة أو الماء هي ليست مجرد كلمات لها دلالة. بالنسبة إلي هي كلمات حية لا أتمثلها معجمياً فقط".

عزلة الشعر

أردت أن أعرف إن كان أبو بكر متاقي يحس بأن تجربته الشعرية لم تأخذ حقها في المغرب الثقافي، وإن كان المغرب برمته مظلوماً شعرياً قياساً إلى بقية البلدان العربية، غير أن نوعاً من الإباء دفعه إلى تجاوز هذا السؤال. مما جعلني أستطرد مغيراً استفهامي: "تبدو بعيداً عن المحافل الثقافية سواء داخل بلادك أو خارجها. ما سر الجنوح إلى هذه العزلة"؟ هنا استطاع أن يقدم جواباً قصيراً يشمل الأسئلة السابقة: "لمَ أعتبر نفسي يوماً ضحية لتهميش أو إقصاء؟ لقد اقتنعت مبكراً أن حياتي الاجتماعية لن تخدمها الكتابة في شيء. المسافة التي بيني وبين المشهد الثقافي ارتضيتها لنفسي هرباً من أمور شتى. هناك مساحة من العزلة وجدت فيها ذاتي وتعرفت عليها. هذا مكسب غير مستعد للتفريط فيه".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

أخيراً طرحت على الشاعر سؤالاً قد يشغل معظم الشعراء: "العالم يتغير ويقترب باستمرار من المادة، وصراعها يبدو دائماً صراعاً مادياً. فيما لا يزال الشعراء يكتبون القصائد في زمن يبدو أنه غير شعري. هل يتعلق الأمر بالوهم أم بالأمل أم بمشاعر أخرى هي التي تدفع المرء إلى مواصلة كتابة الشعر في زمننا الراهن"؟ فكان جوابه: "ما يدفعني للكتابة هو السؤال الملح عن علاقة الذات بالآخر. بالنسبة إلى شخص اقترب من اليسار وقضى ردحاً من الزمن في قراءة أدبياته، فهو يدرك بعضاً من أسرار اللعبة: يمضي العالم وفق مشيئة مادية صرفة تغطيها من أجل التضليل، بعض المسوح الروحية هنا أو هناك".

ويضيف الشاعر: "لا أعتقد أني أكتب مدفوعاً بالأمل أو بالوهم. أكتب مدفوعاً بالحب نحو الحب، ليس في شكله القديم أو المتداول ولكن في شكله الذي يتيح لي إعادة التفكير في مسلماتي القديمة حوله. طبعاً الأمر لا يأتي من فراغ أو من تخيلات. أكتب مما وعما فاتني، ومما وعما أملكه وعما أخشى أن أفقده .الحب بمعناه الذي انتهيت إليه أتاح لي مساحة واسعة للكتابة، وسمح لي بوضع ذاتي في سياق لم أعهده من قبل، سياق تخلصت فيه من رواسب النظرة الفجائعية للحياة. تلك النظرة التي حالت مراراً دون العودة إلى الكتابة".

المزيد من ثقافة