Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

لماذا اختُصرت لوحة "مؤامرة جوليوس تشيفيليس" لرمبراندت؟

أنجز الفنان اللوحة الضخمة الأصلية في الوقت المحدد وقد عُلقت بالفعل وسط احتفالات صاخبة ثم لسبب مجهول أعيدت إليه كي يقلص حجمها

ما بقي من لوحة "جوليوس تشيفيلي" (1660 – 1661) (غيتي)

إذا كان المرء من المتآلفين مع فن رمبراندت والمعتادين عليه، لن يحتاج بالضرورة إلى معلومات تاريخية مدققة كي يدرك أن ثمة في لوحته "مؤامرة جوليوس تشيفيليس" شيئاً غير عادي. وهو لن يكون حتى في حاجة إلى تأمل الإسكتش المخطوط الأولي، الذي وضعه الفنان للوحة للتيقن من ذلك. فاللوحة تنطق بغرابتها بالنسبة إلى ذلك المرء، منذ يقع عليها بصره للوهلة الأولى، وتحديداً من خلال مقاييسها.

فهذه اللوحة المعلقة اليوم في متحف ستوكهولم الوطني في السويد ويُطلق عليها أحياناً عنوان "قسم الباتافيين"، تعد من أضخم لوحات الفنان الهولندي الكبيرة حجماً، إذ تبلغ في شكلها الحالي 309 سم عرضاً مقابل 196 سم ارتفاعاً. ومع ذلك لن يستغرق الأمر طويلاً بالناظر إليها، حتى يدرك أن هذا القياس غير عادي، وأن ما يشاهده إنما هو في الحقيقة القسم المتبقي من لوحة تزيد كثيراً على ذلك، عرضاً وارتفاعاً.

المشهد يفك لغزه؟

يمكننا أن نقول في النهاية، إن ثمة لغزاً قد يكشفه المشهد نفسه، إذ من غير الممكن للمشهد الأصلي الذي رسمه رمبراندت بين العامين 1661 و1662 أن تكون له تلك الأبعاد. واضح أن ثمة اختصاراً متعمداً هنا في الارتفاع بخاصة وفي عرض اللوحة أيضاً. والحال أن الإسكتش المخطوط الموقع من الفنان والمحفوظ اليوم في متحف الدولة للرسوم التخطيطية في ميونيخ بألمانيا، يؤكد ذلك من فوره. فهو على ضآلة مقاييسه يقول كيف أن اللوحة الأصلية التي رسمها رمبراندت كانت لا تقل عن خمسة أمتار ونصف المتر طولاً ومثلها عرضاً، ما يجعلها على الإطلاق أضخم لوحة رسمها الفنان في مساره.

وبعد ذلك تأتي المعلومات التاريخية التي لا بد منها لتوضيح الحكاية. وهي معلومات تؤكد بشكل قاطع أن رمبراندت هو الذي قطع أجزاء كبيرة من اللوحة في الطول وفي العرض. ولكن ليس فيما كان يشتغل بها، بل بعد إنجازها بأكثر من عام. بل بأكثر من عام من تسليمها إلى الموصين بها، وتعليقها على الجدار الذي كانت قد حُققت لتعلق عليه. أما لماذا؟ وفي أي سياق؟ ثم لماذا لم تُعد إلى مكانها بعد ذلك، وراحت تتشرد من مكان إلى آخر حتى وصلت إلى ستوكهولم؟ فأمور غامضة لا تفيدنا الوقائع التاريخية كثيراً في صددها. هذه الوقائع تفيدنا فقط بأن ما كان يسمى في ذلك الحين "إدارة مقر الدولة" في أمستردام المبني حديثاً، الذي بات القصر الهولندي الملكي بعد ذلك، كانت أوصت رمبراندت على لوحة ضخمة تعلق على أحد جدران القاعة الرئيسة مقابل عدد من لوحات ضخمة أخرى أُوصي عليها رسامون معاصرون له بهدف رسم صورة لنضالات الشعب الهولندي وأمجاده.

 

الفنان يلتزم بوعوده

أنجز رمبراندت اللوحة الضخمة الأصلية في الوقت المحدد، وقد عُلقت بالفعل وسط احتفالات صاخبة. ولقد بقيت معلقة عاماً ونيف، ثم، لسبب مجهول لم يتمكن أحد من كشف غوامضه بشكل مقنع، أُنزلت اللوحة وأُعيدت إلى الرسام كي يقلص حجمها. أما الجدار فلم يبق خالياً بل عُلقت عليه لوحة ضخمة لزميل لرمبراندت هو يورغن إيفونز في شكل مؤقت. لكن المؤقت صار دائماً، وها هي لوحة إيفونز لا تزال معلقة حتى اليوم على رغم أن رمبراندت قص لوحته وقزمها، بل لنقل شوهها من دون أن تعود أبداً إلى مكانها.

منذ ذلك الحين يجتهد الباحثون لمعرفة الأسباب الحقيقية التي تفسر ما حدث للوحة، ولماذا أُنزلت ولم تعد أبداً إلى مكانها، ولكن من دون طائل! مهما يكن فإن الباحثين عجزوا كذلك عن العثور على بقية أجزاء اللوحة، حتى وإن كان بعضهم قد لجأ إلى استخدام الأشعة إكس في القرن العشرين، لمعرفة ما إذا كان الرسام قد استخدم الأجزاء المقطوعة (وهي كبيرة الحجم على أية حال)، كي يرسم فوقها بعض لوحات لاحقة له. وهنا أيضاً لم تسفر الجهود عن نتيجة. وهكذا بقيت اللوحة التي نشاهدها اليوم يتيمة مقطعة الأجزاء يبدو أن علينا أن نتقبلها كما هي بكل ما تحمله من إساءة إلى تركيبية فن رمبراندت. ولكن ما هي هذه اللوحة وماذا تصور؟

ثورة أتت بنورها من ذاتها!

هذه اللوحة التي تعد من أعمال رمبراندت الأخيرة، وتبقى في نهاية الأمر عصية على التحليل، تصور مشهداً يحدد بداية ثورة اندلعت في عام 69 بعد السيد المسيح ضد الاحتلال الروماني، قامت بها مجموعات من قبائل "بربرية" من الشعوب الباتافية التي تعد جذور الشعب الهولندي. وكانت بزعامة قائد من أولئك البربر الباتافيين يحمل اسماً لاتينياً هو جوليوس تشيفيليس. وجوليوس هذا هو الشخص الواقف في صدر اللوحة من ناحية اليسار حاملاً لحيته المهيبة وسيفه الحازم، وقد أحاطت به سيوف مساعديه في قسم ولاء تقول لنا كتب التاريخ أنه القسم الذي أعلن بداية الثورة. ما يعني طبعاً أن اللوحة أتت لتسجل تلك اللحظة التاريخية المنطبعة عادة في ذاكرة الهولنديين، مشكّلة نقطة مفصلية في تاريخهم.

من الواضح على أية حال أن رمبراندت لم يختر أن يرسم المشهد من تلقائه، بل أوصي عليه بالتأكيد، ومن هنا ما يُفترض بأن التوصية كانت سياسية، ومن ثم كان إنزال اللوحة سياسياً، والوعد بإعادتها ثم التراجع عن ذلك سياسيان أيضاً. بيد أن التفسير الأقرب إلى المنطق هو أن المسؤولين السياسيين في أمستردام وبعد سجالات دامت عاماً وبضعة أسابيع، انتهى بهم الأمر إلى عدم فهم ما أراد رمبراندت قوله فيها، فأنزلوها آملين منه تعديلها فاختصرها وانتهى الأمر عند ذلك، وقد ظل جوهر المشهد غامضاً، بالتالي جرى رفضها نهائياً.

يبقى أن نتنبه بالمقارنة بين اللوحة التي بدا من غريب أمرها أن الضوء فيها يبدو منبعثاً من الطاولة، التي يدور المشهد من حولها ليغمر كل ما يحيط بالطاولة في لعبة تلوينية مدهشة بقدر ما هي غريبة عن أسلوب رمبراندت المعتاد، وبيّن التخطيط الأولي لها الموجود اليوم في ميونيخ، أن ما اقتطعه الفنان من لوحته إنما هو الأجزاء التي تدل على المكان الذي يدور المشهد فيه. من حول الطاولة والأشخاص المحيطين بها، لم يعد ثمة حراس ولا أبنية ولا أشجار ولا ديكورات. ما بقي هو الطاولة وأقرب المحيطين بها، وكأن أصحاب الشأن رفضوا أن يدل رمبراندت في عمله الأصلي على أي إشارة طوبوغرافية عن ارتباط القسم بالثورة والثورة بمكانها الحقيقي.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

شكسبيرية ما...

مهما يكن لن يفوت الباحثين لاحقاً ربط هذه اللوحة بالأسلوب الشكسبيري، لا سيما بشخصيتي الملك لير وماكبث آخذين اللوحة دليلاً على أن رمبراندت قد قرأ شكسبير، متسائلين في الوقت نفسه عما جعل الفنان يصر على أن يجعل بطل اللوحة أعور وغريب النظرة، مع أن ليس في تاريخه المعروف ما يشير إلى ذلك. ونعرف أن التساؤل حول هذه النقطة يأتي دائماً ليزيد من ألغاز هذه اللوحة، التي سيقال دائماً إن من غرائب أمرها كذلك، أن الفنان اختار للتعبير عن حدث تاريخي مجيد، التركيز على عواطف الشخصيات وأحاسيسهم بدلاً من التركيز على الحدث نفسه... وفي نهاية الأمر يمكننا أن نقول إن كل تلك الألغاز، السابقة حتى على اختصار اللوحة، بدت غير قادرة على الوصول إلى أذهان السياسيين، الذي كانوا قد أرادوا من رمبراندت أن يرسم لوحة تاريخية بطولية لا أكثر ولا أقل!

رسم رمبراندت (1606 – 1669) هذه اللوحة خلال الأعوام الأخيرة من حياته، وفي الوقت الذي كان ينجز فيه اثنتين من أهم لوحاته، "بورتريه نقباء مصانع الأغطية" و"بورتريه الإسكندر" كما كان يعاني من العسر، ومن مآسى عائلية وصلت ذروتها مع موت واحد من أولاده حينها...

المزيد من ثقافة