Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الروائي البحريني فريد رمضان رصد تحولات المكان والهجرات

رحل عن 59 عاما بعد معاناة دامت سنوات وتركز مساره الإبداعي حول مفهوم الأثر العابر

الروائي والسيناريس البحريني فريد رمضان (موقع الكاتب، الصورة خاضعة لحقوق الملكية الفكرية)

رحل أمس الروائي والسيناريست البحريني فريد رمضان، عن عمر ناهز 59 عاماً، إثر مضاعفات عملية جراحية أجريت له في المعدة، وما فاقم في تأثيرها كونه عاش عمره وهو مصاب بسرطان الدم.

يقدم رمضان في مسيرته الإبداعية صورة مثالية لكاتب حاول الاشتباك مع قضايا الشأن العام عبر تناول "المسكوت عنه" إبداعياً، انطلاقاً من وعي متأصل بدور المثقف، وحاجة مجتمعه للتخلص من الأمراض الراسخة فيه، وعلى رأسها  الطائفية و"فتنة الهويات القاتلة".

حفلت مسيرة رمضان بتحولات كثيرة، سواء ما تعلق منها بالعمل المهني أو العبور من نوع أدبي إلى آخر. غير أنه أخلص للسينما في سنواته الأخيرة كسينارست ومنتج محترف ووازن بين هذا الانشغال وانشغالات أخرى بلورت رحلته الإبداعية حول مفهوم "أثر العابر". عاش رمضان سنواته كلها وهو مشدود إلى دوائر الحنين، التي كانت تأخذه دائماً إلى منازل الخطوة الأولى في "المحرق" التي ولد فيها عام 1961، وهي مدينة تتمتع بخصوصية مائزة انعكست على كتاباته. 

خطاب الحداثة

نظر رمضان إلى المكان كموئل هويات متنوعة داخل تركيبة سكانية فريدة للمجتمع البحريني. وبدأ نشر تجاربه القصصية الأولى في الصحافة البحرينية مع مطلع الثمانينيات من القرن الماضي، وهي فترة غنية أدبياً داخل البحرين بفضل الأثر الذي تركته أسرة الأدباء ومجلة "كلمات"، التي كانت تصدر عنها ويترأس تحريرها الشاعر قاسم حداد، وتراهن على تبني المقولات الداعية إلى تبني خطاب الحداثة، وتجاوز ذهنية التحريم. ونشر رمضان في عام 1984، أول مجموعة قصصية له بعنوان "البياض" وكان فيها كثير من النصوص التي استثمر فيها نوبات المرض وإقاماته المتقطعة في المستشفى فبدت أقرب إلى "برزخ" يؤطر صورة الحياة ويسعى إلى النظر عن قرب إلى تجربة "الموت" من منظور ميتافزيقي.

وبعد انتقالات مهنية، مارس فريد رمضان الصحافة الثقافية، وعمل في أغلب الصحف البحرينية، ثم كتب للإذاعة والتلفزيون برامج عدة، وساهم في حقل الإعلانات التجارية والأفلام الوثائقية. وعاد إلى الكتابة الأدبية عندما أصدر روايته الأولى "التنور، غيمة لباب البحرين" عام 1994، عن منشورات "كلمات"، التي كانت تصدرها أسرة الأدباء والكتاب. وهي سردية فريدة، تضيء خصوصية المكان وتؤرخ  لتحولاته، عبر فصول ثلاثة، (وحده لا يضيء/ ووحدهما لا يضيئان/ ووحدهم لا يضيئون)، وتجلت فيها الملامح التي رافقت كتابات رمضان لاحقاً، وأظهرت قدراته في الكتابة بلغة شعرية تقوم على "فائض بلاغي"، لا يمكن تفاديه، يمزج بين السرد الواقعي والفانتازي. 

وقد تناول النقاد غالبية أعماله تحت عناوين تراهن كلها على "شعرية القنص والقص"، وهي مسألة فسرها بالقول في أحد حواراته، "جربت الشعر، وكان يمكن أن أمضي في التجربة، وجربت القصة، ووجدت فيها نفسي، إلا أن اللغة الشعرية تتلبسني ولا تريد مغادرتي"، لهذا كانت تجربته في الكتابة امتداداً للشعر والنثر، واستجابة للشعر وللقصة معاً.

 المكان والهجرات

وتمثل روايته "السوافح، ماء النعيم" في عام 2007، التي فازت بالجائزة الأولى في حقل الرواية البحرينية التي تمنحها وزارة الإعلام في العام نفسه، ذروة مشروعه الإبداعي من حيث امتلاكه القدرة على تقديم حكاية وتأكيد الخطاب الثقافي الذي تبناه في إبراز شعرية المكان وخصوصيته، فضلاً عن ذهابه أكثر في اتجاه التأريخ لتحولات المكان في "الفريج"، أو الحارة. وتلح الرواية بصورة رئيسة على ثراء الهويات المتنوعة ومأزقها، على الرغم من تناولها قصصاً تدور في بيئة شعبية تنطق بالحنين. وفي روايته التالية "البرزخ... نجمة في سفر"، (مسعى للنشر، 2018)، تجلت هواجسه في المراوغة الفلسفية لموضوعة (ثيمة) الموت عبر محاولته تبني مقولات صوفية وذهنية حتى وهي تتابع صياغة هويات مواطنين بحرينيين من أصول أخرى جاءوا واستقروا فيها.

وفي آخر أعماله، "المحيط الإنجليزي"، استكمل رمضان مسعاه في التقصي والبحث في تاريخ وهجرات أخرى، وراح يبحث في تاريخ تجارة الرقيق حول ساحل الخليج والمحيط الهندي والساحل الشرقي من أفريقيا إلى شبه الجزيرة العربية. وصاغ سرديته من نواة حادثة حقيقية تمثلت في غرق سفينة عربية في المحيط الهندي وهي تحمل عبيداً. ومن خلالها تناول سير أو مصائر من كانوا على سطحها، فبرز حجم الألم ومنحنيات الصراع، بحيث شكلت الحروب القبلية وتجارة الرق مساراً تاريخياً مغرياً بالتقصي. وإلى جانبه تتناول الرواية قصة اختطاف شاب بلوشي وبيعه في مطرح. وتسير الحكايتان بشكل متواز حتى تلتقيا في مسلك واحد يجمع من تبقى من شخصيات الرواية في الفصل الأخير، بعد تحولات البعض وإقاماتهم وهجراتهم، وتبدل أديان البعض الآخر من الهند ومكران وغوادر والمنامة ومطرح ومسقط وجدة ومكة، وصولاً إلى أرض القرنفل زنجبار. وهكذا ينتهي رمضان من حيث بدأ طموحه كمثقف عاش يحذر من "انفجار الهويات"، فهو لم يشيد مشروعه إجمالاً على الرصد فقط، وإنما عبر تقصي التفاعلات في مجتمع يقوم على تعدد في القوميات والأقليات والإثنيات والجنسيات المختلفة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

سيناريوهات خليجية

 

وخليجياً نالت أعمال رمضان شعبية كبيرة، ربما بفضل إصراره على مواصلة هذا الانشغال، أو بفضل سعيه لاستثمار شعبية الدراما لتجسيد خطابه وتمريره في صيغ ترفيهية سهلت وصوله للجمهور. فقد كتب سيناريوهات أنجح الأفلام البحرينية، وعلى رأسها فيلم "حكاية بحرينية"، وصولاً إلى فيلم "زائر"، وفيلم "الشجرة النائمة"، بالإضافة إلى كتابته العديد من سيناريوهات الأفلام الروائية القصصية، منها "المسافات الدائرية"، و"موت شاعر، تحية لخليل حاوي"، و"الراية"، و"البشارة"، و"قوس قزح"، و"مكان خاص جدًا".

ونالت أعماله عديداً من الجوائز، منها جائزة أفضل سيناريو في "المهرجان السينمائي الخليجي لدول مجلس التعاون". واشترك مع الفنان التشكيلي البحريني جمال عبد الرحيم، في نص "نوران"، وأصدر كتاباً مشتركاً مع الفنان عمر الراشد بعنوان "رنين الموج".

المزيد من ثقافة