Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

متحف طرطوس من كنيسة إلى معرض للمقتنيات الأثرية التاريخية

شرع في بنائها عام 1130 واعتبرت منسكاً من مناسك الحج

كاتدرائية السيدة في طرطوس وصفت بـ"أفضل مبنى ديني محفوظ منذ الفترة الصليبية" (اندبندنت عربية)

يذكر في كتاب "تاريخ سوريا ولبنان وفلسطين" لفيليب حتي، أن الحصون كانت أبرز ما خلفه الصليبيون من الآثار في سوريا، وتجيء من بعدها الكنائس، وقد اعتمد الإفرنج على الطرازين الروماني والغوطي، واتخذوا لتزيينها الزخارف البيزنطية والسورية، وقد تحول كثير من كنائسهم بعد ذلك العهد إلى مساجد، وإحداها كاتدرائية السيدة في طرطوس، التي تُعد من أجمل هذه الكنائس، وأكملها، وأسلمها، شُرع في بنائها عام 1130، واعتبرت منسكاً من مناسك الحج، فقد كانت تشتمل على صورة رسمها، فيما يظن، القديس لوقا، وعلى مذبح يقال إن القديس بطرس قد أقام ذبيحته الإلهية والقداس الاحتفالي الأول فيه، وكرَّسها القديس بطرس باسم السيدة العذراء، وأقام فيها أولى صلواته وهو في طريقه من القدس إلى أنطاكيا، ولكون الكنيسة موقع تقدير كبير، فقد أطلق عليها اسم "كنيسة الحجاج وسيدة طرطوس".

وصفها المؤرخون بأنها "أفضل مبنى ديني محفوظ من الفترة الصليبية"، ووفقاً للروايات، فإنها تتطابق مع المكان نفسه الذي أسس فيه القديس بطرس كنيسة صغيرة، ويقول أحد الكرادلة الإيطاليين، ويُدعى الكاردينال أورسيني، إن الكنيسة الأولى التي كرَّسها القديس بطرس الرسول للسيدة العذراء لم تكن في الواقع في إيطاليا، ولكن في مدينة طرطوس بسوريا.

كنيسة صغيرة

بُنيت أنترادوس (طرطوس حالياً) على الشاطئ المقابل لجزيرة أرواد بالتعاون بين الإغريق وفينيقيي أرواد، وقام القديس بطرس في إحدى رحلاته إلى فينيقيا بتأسيس كنيسة صغيرة في طرطوس تكريماً للسيدة مريم العذراء، ثم أقيمت الكاتدرائية في ذلك الموقع بغرض حج البيزنطيين، حيث بُنيت في البداية على الطراز الرومانسكي، ثم الغوطي خلال القرن الـ12. وكانت الكنيسة تبدو وقتها على شكل قلعة بقدر ما كانت كنيسة، وكانت تحيط بهيكلها أبراج عدة نجا منها اثنان على مر الزمان.

وبحسب صبا عمران، أمينة متحف طرطوس، فقد بُنيت الكنيسة على أنقاض كنيسة بيزنطية أقدم عهداً، كانت قد بُنيت أيضاً على أنقاض أول كنيسة مريمية كُرِّست للسيدة العذراء في العالم، وعندما دمر الزلزال عام 387 مدينة طرطوس بالكامل، دمرت الكنيسة وبقي المذبح الذي اعتبر بقاؤه حدثاً عجائبياً، جعل الكنيسة مقصداً للحجاج الذين يقصدونها للزيارة والشفاء والتبارك، ولذلك سميت آنذاك كنيسة الحجاج وسيدة طرطوس.

كاتدرائية طرطوس المريمية

تتوسط الكاتدرائية مدينة طرطوس، وتُعد أهم الأبنية الباقية من كتلة الحصن الخارجي للمدينة الأسقفية القديمة، وقد حكم فرسان الهيكل المنطقة من عام 1152 حتى منتصف القرن الـ13، وعرفت المدينة عندهم باسم (Tortosa)، ويزعم أن طرطوس كانت آخر ممتلكاتهم في الشرق الأوسط (الأدنى قديماً)، حيث تمكن الصليبيون من الاحتفاظ بكنيسة طرطوس حتى بعد أن استولى صلاح الدين على المدينة في عام 1188.

واستمر فرسان الهيكل في استخدام الكنيسة كمقر حتى عام 1291، وحصن مبنى الكنيسة بسبب التهديدات المتكررة للمدينة من قبل المماليك، إلى أن استولوا عليها وحولوها إلى مسجد، ثم تحول المبنى إلى إسطبل ومكان للتخزين، ثم ثكنة عسكرية خلال الفترة العثمانية، إلى أن تبعت عام 1922 أملاك مديرية المتاحف السورية. وفي عام 1956، نظراً للأهمية التاريخية والحضارية للكاتدرائية، حُوِّل المبنى إلى متحف محلي وطني لطرطوس واللاذقية، حيث كانتا محافظة واحدة، وما زال إلى الآن متحفاً يضم آثاراً من تلال عديدة منها تل سوكاس (العصر البرونزي المتأخر)، وتل كزل (مدينة سيميرا الفينيقية)، وسمريان، كما خصص فيها مكان بارز للمصنوعات المحلية.

ولا تزال كاتدرائية سيدة طرطوس قائمة في موقع الحرم الأصلي للسيدة العذراء المقدسة الذي كرَّسه القديس بطرس، واليوم يستخدم مبنى الكاتدرائية كمتحف وطني لمدينة طرطوس.

الوصف المعماري

تحتوي الواجهة التي تبدو أقرب للطراز الرومانسكي، على خمس فتحات نوافذ طولية تغطيها زينات معدنية، وإلى جانبيها أعمدة تنتهي بتيجان صغيرة، وفي الأعلى مرامي سهام على شكل فتحات مستطيلة، ويتوسطها باب ضخم تؤطره قولبات تُزيِّنه، وبمجرد الوصول إلى داخل الكنيسة، تبدأ معالمها بالظهور بشكل أوضح، حيث تتوزع الأقواس الرشيقة والأعمدة والسقف المقبب. فالكنيسة بُنيت على الطراز الغوطي المنبثق أصلاً من الطراز الرومانسكي، وهي على شكل بازيليك مستطيلة الشكل بارتفاع 17 متراً، ومقسمة داخلياً إلى ثلاثة أجنحة. ويبدو واضحاً في تشكليها المعماري استخدام العقد المدبب في سقف جناحها الأوسط، والعقد المتصالب المنتهي بصليب في الجناحين الجانبيين، وينقسم الجناح الرئيس شديد الارتفاع إلى أربعة معازب على شكل قناطر نصف أسطوانية، وتحد كل جناح أعمدة ذات تيجان تشبه إلى حد بعيد الطراز الكورنثي، وتشتمل زخارفها على عدد كبير من أشكال الزينة كأوراق الأشجار، والورد والأزهار الناعمة، وأحياناً الرؤوس البشرية، وينتهي الهيكل الشمالي بقبة نصف كروية، تضم طائراً أبيض يرمز إلى حمامة الروح القدس التي تشكل مع أشكال أخرى مجاورة لها، شكل صليب وتدل على الإنجيليين الأربعة متى ولوقا ومرقص ويوحنا.

معرض   

يضم المتحف معرضاً زاخراً بالتحف واللقى والمقتنيات الأثرية التاريخية، التي وُجدت في أهم مواقع الأثرية الممتدة على طول الشريط الساحلي من الأزمنة القديمة والعهود الإسلامية والحضارات الإغريقية والرومانية، وصولاً إلى معروضات الفنون الشعبية الساحلية والمحلية الحديثة.

فهناك مئات القطع الأثرية التي يعود تاريخها إلى القرنين الـ14 والـ12 قبل الميلاد، إضافة إلى كثير من المقتنيات كالتوابيت الحجرية الرخامية التي تعود إلى العهد الروماني، والنقود البرونزية والدُّمى والجرار الإغريقية والرومانية والأواني الفخارية والبرونزية والزجاجيات والتماثيل والمباخر، وقطع موزاييك تمثل آلهة الخصب وإله البحر والراعي المستريح، ولقى جنائزية خاصة بالعبادة والدفن، ومسلة للإله بعل عثر عليها في مدينة القدموس، وهي مصنوعة من حجز البازلت، وتعود إلى القرن السابع قبل الميلاد، وآثار من مدن وتلال وقلاع أثرية، فضلاً عن قطع أثرية مهمة استُعيدت بعد أن كانت معدة للتهريب.

وتُعد واجهة أوغاريت مملكة رأس شمرا، وواجهة تل سوكاس ومكتشفات مملكة عمريت، من أهم معروضات المتحف القديمة.

كما تحيط بالمتحف حديقة خضراء تمثل متحفاً تاريخياً في الهواء الطلق، تمثل زيارته متعة خاصة بين جمال الطبيعة ونقائها وحضور التاريخ في زواياها المختلفة، والجدير ذكره أن معظم المتاحف الكبرى في سوريا أغلقت في وقت اشتعال الحرب فيها، كتدبير احترازي حفاظاً على مقتنياتها ونقلت إلى أماكن آمنة، ومنها متحف طرطوس الذي أعيد افتتاحه وعاد لاستقبال الزوار مجدداً عام 2018 خلال مهرجان الثقافة في طرطوس.