Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

نيكيتا ميخالكوف لا يزال مثيرا للجدل

يعتبر من أهم داعمي الرئيس بوتين مع توجهات قومية واضحة في أعماله

المخرج الروسي نيكيتا ميخالكوف أمام تمثال والده الأديب سيرغي ميخالكوف (غيتي)

هو الممثل والمنتج السينمائي والمخرج العالمي صاحب الأوسكار وسعفة "مهرجان كان" الذهبية، و"الأسد الذهبي" في مهرجان فينيسيا، وعشرات الجوائز المحلية والعالمية الأخرى. وهو أيضاً الفنان المحافظ ذو التوجهات القومية المتشددة، الذي يظل متمسكاً بحنينه إلى أمجاد الاتحاد السوفياتي السابق، بالرغم من كونه سليل نبلاء ما قبل ثورة أكتوبر (تشرين الأول) الاشتراكية. وهو ثالثاً، النقابي رئيس اتحاد السينمائيين في روسيا، ورئيس مهرجان موسكو السينمائي الدولي، والسياسي المثير للجدل الذي كان ضمن المرشحين لرئاسة روسيا في تسعينيات القرن الماضي، إلى جانب رئاسته لكثير من "الصناديق الاجتماعية والفنية"، وعضويته في الغرفة الاجتماعية التي يقف وراءها الكرملين، ما يجعله واحداً ممن يحرص الرئيس الروسي فلاديمير بوتين على التواصل الدوري معهم حتى اليوم.

إنه نيكيتا ميخالكوف، الذي تجمع شخصيته شتى المتناقضات، هو سليل أسرة جمعت بين ماضي ما قبل الشيوعية بكل تناقضاته مع ثورة أكتوبر 1917، وما توصلت إليه من تغييرات أسفرت في مجملها عن ظهور الاتحاد السوفياتي السابق، بمجمل سلبياته وإيجابياته. ولد عن أبوين جمعا بين كل هذه المتناقضات أيضاً، فأبوه هو سيرغي ميخالكوف، الأديب والشاعر الذي كتب كلمات النشيد الوطني للاتحاد السوفياتي وتغنى بإنجازاته، وأمه هي ناتاليا كونتشالوفسكايا سليلة نبلاء وأشهر فناني القرن الـ 19، الفنان الروسي بيتر سوريكوف. ولذا لم يكن غريباً أن يعيش ميخالكوف طفولته وصباه بين أحضان بيت كان دوماً عامراً بالضيوف من أبرز نجوم الثقافة والفنون وعظماء العصر.

وبهذا الصدد، يتذكر ميخالكوف مدى الدهشة المفعمة بغموض الموقف، التي كانت تصيب أقرانه في المدرسة، حين كان يجيب على سؤال معلمته عن سبب تأخره في الصباح، بأنه "ظل متعلقاً حتى الثالثة صباحاً بعزف رحمانينوف وريختر ممن كانوا في ضيافة والديه بالأمس". 

تاريخ عائلته يجمع بين كل فنون العصر، فالأم تنتمي إلى عائلة كان عميدها بيتر سوريكوف، جده، الرسام الذي ذاع صيته كواحد من أبرز فناني عصره. وشقيقه من الأم، أندرون كونتشالوفسكي أحد أهم مخرجي السينما المحلية والعالمية، فضلاً عن اختيار ثلاثة من أبناء ميخالكوف وبناته لعالم أبيهم.

في السينما

استهل ميخالكوف إنجازاته الفنية بدوره في فيلم "رحلة في شوارع موسكو" للمخرج الجورجي ذائع الصيت جيورجي دانييليا، الذي عاد عليه بكثير من الشهرة، سرعان ما رشحته للعديد من الأدوار السينمائية المميزة. وبالرغم من تنوع هذه الأدوار، وما لقيته من تقدير ونجاح، قال ميخالكوف إنها لم ترض فضوله السينمائي، مؤكداً أن أفضل أدواره التي لعبها كممثل، كانت في الأفلام التي قام بإخراجها، وكذلك مع شقيقه المخرج السينمائي أندرون كونتشالوفسكي. وبالرغم من ذلك، تؤكد قائمة ما لعبه من أدوار، مدى ما حقق من نجاح مبهر مع عدد من أكبر مخرجي السينما السوفياتية، مثل إلدار ريازانوف وفيلمه "محطة لشخصين"، الذي تدور أحداثه في معظمها داخل محطة قطار، وقامت بدور البطولة معه الفنانة المشهورة لودميلا جورتشينكو الأوكرانية، والفنان الجورجي الأصل أوليج باسيلاشفيلي.

تعاون ميخالكوف مع كثيرين من نجوم السينما العالمية ومنهم مارتشيلو ماستروياني في فيلم "العيون السود"، الذي فاز بالجائزة الكبرى لمهرجان موسكو السينمائي الدولي عام 1987. كما فازت كثير من أفلامه بجوائز أهم المنتديات السينمائية العالمية، وفي مقدمها "الأوسكار" عن فيلمه "المتعبون من الشمس" عام 1994، وجائزة "السعفة الذهبية" في مهرجان كان السينمائي عام 1993، و"الأسد الذهبي" في مهرجان فينيسيا السينمائي الدولي لعامي 1991عن فيلم "أورغا أرض الحب"، و2007 عن فيلم "12" الذي استعرض فيه مآسي الحرب في الشيشان، إلى جانب الجوائز المميزة لكثير من المهرجانات المحلية والدولية الأخرى.

غير أن السيرة الذاتية لميخالكوف لم تقتصر على إنتاجه السينمائي وحسب، بل تجاوزته إلى كثير من الأعمال والنشاط النقابي والإداري المهني والاجتماعي، وأيضاً السياسي الذي يقترب في بعض جوانبه من الرئيس بوتين، وهو كان أحد مندوبيه خلال الانتخابات الرئاسية الماضية.

وهناك في سيرته ومسيرته ما يتشابك مع كبار زعماء تلك العصور التي قُيض له أن يعيش مراحلها، ويعيش متاعبها وهمومها. ومن هذا المنظور يتوقف البعض عند تلك الأزمة التي تعرض لها لدى إخراجه لفيلم "رودنيا" (الأقارب). ويحكي الفيلم على نحو أقرب إلى "الميلودراما"، وإن لم يخل من مشاهد كوميدية الطابع، قصة فتاة قادمة من الأرياف اصطدمت لدى وصولها إلى العاصمة بكثير من المتاعب الاقتصادية، والمشكلات الاجتماعية الناجمة عما كان يعيشه المجتمع آنذاك من قصور وتدهور في الأوضاع المعيشية، مطلع ثمانينيات القرن الماضي. وقد أثارت هذه القصة وما تضمنته من مشاهد رأت فيها "الرقابة" تعرية لسلبيات المجتمع، وإساءة إلى النظام القائم، إلى جانب انعكاسات التدخل السوفياتي في أفغانستان، وما يتعلق بتزايد تعداد الضحايا من الجنود والضباط آنذاك، فاصطدم ميخالكوف بوزير شؤون السينما فيليب يرماش، الذي أعلن رفضه عرض الفيلم، بشكل كاد يدفع المخرج إلى التهور. وذاع أمر الخلاف وتجاوز الغرف المغلقة إلى ما وراء الأسوار، وبلغ أسماع الأمين العام للحزب الشيوعي والرجل الأول في الكرملين يوري أندروبوف، الذي طلب مشاهدة الفيلم. وكانت المفاجأة سماح أندروبوف، المعروف بتشدده ومواقفه المحافظة، بعرض الفيلم، وإن اضطر مخرجه إلى إجراء بعض التغييرات الطفيفة التي لم تنل من جوهره، وهو ما أثار في حينه كثيراً من الدهشة، وعزز مواقف ومواقع ميخالكوف في الساحة السينمائية. ومن اللافت في صدد هذا الفيلم أنه كشف عن توجه ميخالكوف نحو الدفع إلى أفلامه بكثير من النجوم الجدد الذين سرعان ما ذاع صيتهم وعلا شأنهم في عالمي السينما والمسرح، وتجاوز حدود الوطن.  

مرحلة غورباتشوف

ولم يمض من الوقت سوى سنوات معدودات، حتى جاء إلى سدة الحكم في الكرملين ميخائيل غورباتشوف ببرنامجه وسياساته التي أعلنت الانفتاح تحت شعارات "البريسترويكا والغلاسنوست" (إعادة البناء والشفافية). 

تحمس ميخالكوف كثيراً لغورباتشوف وأطروحاته، وانصرف إلى إخراج وإنتاج كثير من أفلامه التي غزا بها في وقت لاحق الأوساط السينمائية العالمية، ومنها ما أشرنا إليه سابقاً. ولم يكن ميخالكوف ليقتصر في نشاطه على الأفلام الروائية الطويلة، بل تحول إلى إخراج وإنتاج كثير من الأفلام الوثائقية التاريخية التي عكس فيها مواقفه تجاه هموم الوطن، بما تتضمنه من تراجع الاهتمام بأحوال القرية وسكانها، إلى جانب ما أصدره من كتب عكست عمق اهتماماته ووطنية مواقفه، وحرصه على إعلاء القيم والتقاليد المحافظة في فترة تظل الأكثر حرجاً في تاريخ روسيا الحديث، لاسيما ما نتج منها من انهيار الاتحاد السوفياتي، وسقوط روسيا عن "عمد وتعمد" في شباك الإدارة الأميركية واستخباراتها المركزية.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وكان ميخالكوف انصرف أيضاً خلال مسيرته المهنية إلى التصدي لكل ما يرى فيه مساساً بقيمة الوطن ومواقعه على الخريطة العالمية. ومن هنا، كان برنامجه التلفزيوني الذي اختار له اسم "بيسوغون" (طارد الأرواح الشريرة) وتتواصل حلقاته منذ عام 2014 حتى اليوم، على شاشة قناة "روسيا24" التلفزيونية الإخبارية الرسمية، بما يعني عملياً اقترابه من الموقف الرسمي للدولة. 

ويستهدف هذا البرنامج بالدرجة الأولى "تفنيد ودحض ما تردده الأوساط المناهضة لتوجهات بوتين وسياساته، فيما يعرّج في بعض حلقاته لاستعادة كثير من مشاهد تاريخ الماضي القريب والبعيد على حد سواء، على نحو يتسق مع ما يملكه من قدرات فنية وثقافية يسخرها لتأصيل توجهاته القومية التي تتسم بكثير من التشدد"، وذلك للرد على ما يصفه بـ "الأكاذيب الشمولية" في الساحة الإعلامية الروسية. 

ولعل اختياره اسم "بيسوغون" لبرنامجه الأسبوعي، يمكن أن يكون تفسيراً لكثير من توجهات هذا البرنامج وأهدافه.

العلاقة مع بوتين

ويتوقف المراقبون عندما حققه هذا البرنامج من نجاح خلال السنوات القلية الماضية، بالرغم من قصر مساحته الزمنية، إذ لا تتعدى أكثر من 30 دقيقة، واعتماده على الحديث الفردي (المونولوغ)، فضلاً عن أنه يستقطب اهتمام الأوساط الإعلامية والسياسية بما يثيره من مواضيع يتواصل حولها الجدل، ويجعلها محور كثير من البرامج الحوارية. 

ويتعمد ميخالكوف في برنامجه نقد وإدانة عدد من أبرز نجوم الساحة الروسية الفنية والإعلامية، لما يتخذونه من مواقف سياسية مناقضة لسياسات الكرملين. ومن هذا المنظور، يمكن تفسير حرص ميخالكوف على الانضمام إلى تلك القائمة التي تضم قرابة 500 من أبرز ممثلي الأوساط السياسية والاجتماعية والثقافية، بما في ذلك نجوم السينما والمسرح، ممن بعثوا عام 2014 برسالة إلى بوتين، أعربوا فيها عن تأييدهم ودعمهم لما اتخذه من قرارات وخطوات لضم "شبه جزيرة القرم"، ودعم فصائل المقاومة في جنوب شرقي أوكرانيا، ما أسفر ضمناً عن وضعه وزملائه في القائمة السوداء التي أقرتها أوكرانيا لكل من يؤيد سياسات بوتين في المنطقة.

وفي حديثه مع فلاديمير سولوفيوف، المذيع اليهودي الروسي المعروف بعلاقاته الوثيقة مع الكرملين، في إطار برنامجه واسع الانتشار "أمسية مع سولوفيوف" على شاشة الإخبارية الرسمية "روسيا1"، هذا الأسبوع، قال ميخالكوف إن "هذه الفترة كانت علامة فارقة في تاريخ الوطن". واستطرد المخرج الروسي الذي قدم له بوتين وسام "بطل العمل"، أحد أرفع أوسمة الدولة بمناسبة بلوغه الـ 75، في تعداد ما شهدته الدولة من كوارث ومآس، ألقت بتبعاتها على كاهل الرئيس الأسبق بوريس يلتسين. 

وبالرغم من تراكم المشكلات التي تواجه رئيس الدولة خلال الأشهر الماضية، سواء بسبب تفاقم انتشار وباء كورونا، وتعاظم ضحايا موجته الثانية، فضلاً عما تواجهه روسيا من مشكلات إقليمية، فقد حرص بوتين على الاتصال بميخالكوف لتهنئته وإبلاغه بمنحه أحد أرفع أوسمة الدولة، فيما وعده بلقاء قريب يتبادلان فيه الرأي حول مختلف قضايا المرحلة. ومن منظور التحية والتقدير المتبادلين، أغرق ميخالكوف في تعداد مآثر بوتين، وما فعله من أجل إنقاذ الوطن من براثن ما لحق به من هوان عاشه على أيدي سلفيه ميخائيل غورباتشوف وبوريس يلتسين.

المزيد من ثقافة