Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

تخريب "غامض" لقطع أثرية في جزيرة المتاحف في برلين

هجوم وصف بـ"الأكبر من نوعه في تاريخ ألمانيا" إذ تعرضت لرش سائل يشبه الزيت ترك عليها علامات مرئية

شهد موقع جزيرة المتاحف الشهير في برلين هجوماً وصف بأنه "الأكبر من نوعه في تاريخ ألمانيا"، حيث جرى رشّ قطع أثرية وفنية تضمها المتاحف الخمسة التي تعدّها "يونيسكو" أحد مراكز التراث العالمي، بسائل يشبه الزيت ترك عليها علامات مرئية.

حوالى 70 قطعة أثرية من معروضات المتاحف تعرّضت للتخريب يوم الثالث من أكتوبر (تشرين الأول)، الذي يتزامن مع يوم الوحدة الألمانية، واستغرق الأمر أكثر من أسبوعين إلى حين الإعلان عنه. فقد نشرت الشرطة الجنائية الألمانية تفاصيل الهجوم بعد مرور 17 يوماً من قيام شخص مجهول بتخريب القطع الأثرية التي كان من أبرزها تابوت حجري مصري وعدد من التماثيل ومجموعة أعمال فنية تعود إلى القرن الـ 19.

وتحدثت تقارير إعلامية ألمانية عن احتمالية أن يكون الجناة ينتمون إلى اليمين المتطرف ولا يعرف سرّ التكتّم على الحادثة، بينما أكدت الشرطة أن المسألة ظلت طيّ الكتمان ولم يعلن عنها للعامة ولوسائل الإعلام إلا في هذا التوقيت المتأخر لأسباب استراتيجية.

وبعد المعاينة والفحص، تبيّن أنه جرى رشّ عشرات القطع بسائل زيتي ترك عليها آثاراً مرئية وأحدث فيها أضراراً متفاوتة، إلا أن معظمها يعتبر سطحياً.

أهم المتاحف التي تعرضت للهجوم

ويأتي على رأس المتاحف التي تعرّضت للهجوم، متحف "بيرغامون"، الذي يحتوي على مذبح بيرغامون الشهير والذي أقامه الملك يومينس الثاني في القرن الثاني قبل الميلاد، ومتحف برلين الجديد الذي يحوي تمثالاً نصفياً للملكة الفرعونية نفرتيتي ويعدّ من أشهر قطع الآثار في العالم وأكثرها قيمة.

وجدير بالذكر أن جزيرة المتاحف كانت قد استهدفت بهجوم سابق في مارس (آذار) 2017، حين سرقت عملة معدنية ذهبية ضخمة تقدّر قيمتها بأربعة ملايين دولار من متحف بوده.

ما هو الدافع؟

لم يتضح حتى الآن الدافع وراء هذا الهجوم وهل هناك أسباب لتزامنه مع ذكرى اتحاد ألمانيا، إلا أن وسائل إعلام محلية كانت قد سلّطت الضوء على نشر الناشط أتيلا هيلدمان بعض الرسائل عبر مواقع التواصل الاجتماعي، تتضمن مزاعم حول ما وصفه "بممارسات الظلام" التي تقع حول هيكل بيرغامون العظيم. وفي أغسطس (آب) الماضي أثناء فترة إغلاق المتحف بسبب "كوفيد-19"، وصف هيلدمان هيكل بيرغامون بأنه "معقل الشيطانيين الدوليين ومجرمي كورونا"، إذ يعتبر أن الجائحة مجرد مؤامرة، وكان قد شارك في تظاهرات مناهضة لإجراءات الحكومة الألمانية المتعلّقة بفرض قيود للحدّ من تفشي الوباء مع مؤيدين لهذا التوجه.

ويظل التساؤل عن أسباب هذا الهجوم، وما إذا كان عملاً تخريبياً لغرض محدد أو وراءه جماعة معيّنة تحاول توصيل رسالة ما من خلاله، هو مجرد تكهنات وليس هناك رأي حاسم وقاطع حتى الآن، وهو غالباً ما ستسفر عنه التحقيقات التي ستجريها الشرطة الألمانية في الفترة المقبلة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

أمر متعارف عليه منذ العصور القديمة

ويرى بسام الشماع، الباحث في الآثار المصرية من جانبه، أن "محاولات تدمير الآثار أو تشويهها ليست جديدة وإنما قديمة قدم التاريخ، وحدثت منذ عهد الفراعنة والرومان وكثير من الحضارات السابقة، إذ كان يصار إلى تدمير القطعة الأثرية أو تعريضها للتشويه رغبة في نشر فكر جديد أو خلال الحروب، ويعتبر أكبر تدمير حصل قديماً هو حريق مكتبة الإسكندرية، بكل ما كانت تحمله من كنوز فكرية خسرها العالم أجمع. فالأمر شائع ومعروف وعادة ما يقوم به أشخاص إما بسبب رفضهم لفكر أو توجّه معيّن فيحاولون تدميره أو تشويهه كشكل من أشكال الرفض، وقد ينفّذه بعض الأشخاص من ذوي الاضطرابات النفسية والعقلية".

ويضيف "هناك وقائع كثيرة لمتاحف عالمية سرقت أو جرى الاعتداء عليها مثل الحادثة الشهيرة في متحف بوسطن بالولايات المتحدة في التسعينات، حين نفّذت عملية سطو عن طريق أشخاص يرتدون زيّ الشرطة بشكل أقرب لوقائع الكوميديا في أفلام السينما، وسرقت وقتها قطع قيّمة منها لوحات لرامبرانت. وهناك واقعة أخرى في متحف اللوفر حينما سرقت "الجيوكاندا" عن طريق التعاون مع أحد العاملين في المتحف، ثم أعيدت. وهي وقائع مثبتة ومعروفة. والواقعة الخاصة بمتحف بيرغامون عندما سرقت العملة الذهبية منذ سنوات عدة وغيرها الكثير من الحوادث".

أساليب التأمين

ويردف الشماع "على الرغم من اعتقاد البعض أن وضع القطع الأثرية في المتاحف هو الوسيلة الأكثر أماناً، حيث لا يمكن أن يلحق بها الضرر مع كل الإجراءات المشددة التي تتّخذ لحمايتها وللحفاظ عليها على اعتبار أنها تعكس التراث الحضاري والإنساني، إلا أن الحادثة أخيراً في ألمانيا تثير التساؤلات وتتّسم بقدر كبير من الغرابة. فمن ناحية، لماذا التكتّم على الأمر طوال هذه المدة، ومن ناحية أخرى، أين أنظمة الأمن وكاميرات المراقبة التي ترصد كل زوار المتحف وتتيح التعرّف عليهم بسهولة في مثل هذه الحالة؟ ولماذا لم تنطلق صافرات الإنذار حينما تم الاقتراب من عشرات القطع الأثرية والاعتداء عليها، فهي ليست مجرد قطعة أو قطعتين إنما عدد كبير في مجمّع للمتاحف يعدّ من الأهم في العالم، ويفترض أن يكون تأمينه على أعلى مستوى ممكن، باعتباره يضم قطعاً أثرية من كل الحضارات، بعضها لا يقدّر بثمن".

ويتابع، "كانت هناك مقولة قديمة لأحد علماء الآثار بأن المتاحف هي أماكن خطيرة. فعلى الرغم من قيمتها وأهميتها، إلا أنها تجمع كنوزاً من التراث الإنساني في مكان واحد، فهذا من ناحية له قيمة عظيمة، ولكن في الوقت ذاته، قد يسهّل وجودها في مكان محدّد على اللصوص سرقتها أو قد تدمّر بفعل حريق أو كارثة طبيعية، فتكون الخسارة كبيرة جداً. ومن هنا وجب اتخاذ أعلى وأقصى درجات الحماية للحفاظ على مثل هذه الكنوز".

تمثال نفرتيتي

ومن أهم القطع التي تضمها جزيرة المتاحف الواقعة في العاصمة الألمانية برلين، التمثال النصفي للملكة نفرتيتي الذي يعدّ قطعة رئيسة في هذا المتحف. وعنه، يشرح الشماع، "اكتشف في منطقة تل العمارنة في محافظة المنيا في السادس من ديسمبر (كانون الأول) عام 1912، وعثر عليه منقّب آثار ألماني يدعى  Ludwig Porchardt، وأخرجه من بين أطلال تل العمارنة رجل مصري من المنطقة، التي كانت عاصمة مصر والمدينة الأولى في عهد إخناتون الذي بدّل العاصمة ونقلها من طيبة إلى تل العمارنة لتغييره للإله الرسمي للدولة من آمون إلى آتون. ونفرتيتي كانت زوجته التي لها ألقاب عظيمة في مصر القديمة منها الزوجة العظيمة للملك، سيدة الأرضين (الشمال والجنوب) ويعني اسمها (نفرت / إيتي) الجميلة أتت".

ويضيف، "عام 1920، تم إهداء تمثال نفرتيتي النصفي إلى متحف برلين. فآنذاك كان يحصل منقّبو الآثار الأجانب على نسبة من الآثار المكتشفة، وعرض للمرة الأولى في المتحف عام 1924، وقد أبدع تمثال نفرتيتي الشهير فنان مصري قديم يدعى جحوتي مس أو تحتمس، ويلاحظ أن إنسان العين اليسرى غير موجود ولا يعرف السبب في ذلك، فهل سقط أو لم يكتمل، إلا أنه يعدّ واحداً من أشهر القطع الأثرية المصرية في العالم".

سحر الحضارة المصرية

ويقول الشماع إنه لطالما كان للقطع الأثرية المصرية اهتمام وسحر خاص، عندما تكون موجودة في أي مكان أو متحف داخل مصر، ووجود قطعة أثرية مصرية في أي متحف يكسبه أهمية وشهرة، لكن في الوقت ذاته، لا بد من العمل على قضية استرداد تلك الآثار المعروضة في الخارج، من نواحٍ عدة في مقدمتها العلاقات الدبلوماسية للقاهرة.

ويضيف، "في الفترة المقبلة، ستشهد البلاد افتتاح المتحف المصري الكبير، ويمكن أن تنفّذ فيه قاعة لعرض مستنسخات من أهم الآثار الموجودة في الخارج ضمن حملة لإعادتها، فالآثار المصرية مكانها موطنها، خصوصاً بعدما يفتتح المتحف الكبير الذي سيكون من أهم متاحف العالم".

المزيد من منوعات