Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

انتفاضة 17 أكتوبر خرقت المحظورات وأسقطت حكومتين

الذكرى الأولى تشكل محطة تقييم وتحضير للمرحلة المقبلة خصوصاً مع عودة منطق المحاصصة ليتحكم في المشهد الحكومي

التحركات الشعبية نجحت في تسجيل خرق أو تقدم على طريق تحقيق مطالبها (أ ف ب)

تحل الذكرى الأولى لانتفاضة الشعب اللبناني بشرائحه وانتماءاته كافة على رموز السلطة بتلاوينها المتناقضة، وسط علامات استفهام كبيرة شكلت مساحة واسعة للنقاش حول النتائج التي حققتها، وما إذا كانت ترتقي في الواقع إلى مستوى طموحات اللبنانيين، وتستجيب لصرخات الشباب والشابات الذين ملأوا الساحات على مدى أشهر متواصلة، وصدحت حناجرهم مطالبة بتغيير جذري في النظام السياسي القائم، وباستعادة السيادة واستقلالية القرار والقضاء ومكافحة الفساد، من خلال إقصاء المنظومة السياسية عن الحكم، وتسليمها إلى سلطة كفء، مستقلة ونزيهة وغير مرتهنة لأجندات خارجية.

هل رفعت الانتفاضة سقف مطالبها إلى حد باتت أسيرة شعاراتها، لا سيما الشعار الذي حاكى الوجدان اللبناني المتمثل بـ"كلن يعني كلن"، (أي كل الزعماء وقادة الأحزاب والتيارات السياسية)، بحيث تجلت للمنتفضين فرصة الانقضاض على "تركيبة فاسدة متجذرة في النظام" وضاربة له ولمؤسساته الدستورية، مستفيدة من دعم وتعاطف دوليين غير مسبوقين، أو أن الانتفاضة استسهلت رفع الشعارات، غير مقيمة لأي اعتبار لعمق تجذر الطبقة السياسية الحاكمة في الدولة، وللمصالح المشتركة التي تجعلها تتحد لمواجهة شارع ثائر وغاضب وجائع، بقطع النظر عن الاختلافات في ما بينها على المشروع وعلى مقاربة بناء الدولة؟

بعد 17 أكتوبر ليس كما قبله

وما بعد 17 أكتوبر (تشرين الأول)، لم ولن يكون حتماً كما كان قبله، بإجماع من في السلطة وخارجها على المستوى السياسي والحزبي، ومن في الشارع. ولكن هل ما بعد الانتفاضة كان وسيكون أفضل أو أسوأ، وهل يمكن القول إن التحركات الشعبية نجحت في تسجيل خرق، أو تقدم على طريق تحقيق مطالبها؟

لا شك في أن الإجابة عن هذا السؤال، تفتح الباب أمام الطرح الأساس حول ماذا حققت الانتفاضة على الصعيد السياسي، وهل نجحت في تغيير موازين القوى الحاكمة، وما هو المدى الزمني الذي يضعه المظاهرون أمامهم لكي يرتقوا "من مرحلة الانتفاض إلى مرحلة الثورة؟".

من الواضح من آداء الانتفاضة في الأشهر القليلة الماضية، أن هذه الحركة الشعبية العفوية في الأساس، قد فقدت من دفعها ومن وهجها وبريقها وزخمها، والأهم من قدرتها على التأثير في المشهد السياسي. ويبين واقع التطورات الجارية منذ تأليف حكومة حسان دياب، أن الانتفاضة لم تعد قادرة على فرض شروطها أو التأثير في مسار الأمور، لا سيما في ملف تأليف الحكومة، بحيث عجزت عن فرض اسم مرشح لها، أو التوحد حول اسم أو أكثر تفرضه أو تفاوض عليه، كما لم تنجح في إقصاء رموز السلطة عن الترشح! فعادت الأمور بعد عام إلى مربعها الأول، وعاد من أسقط حكومته الثوار إلى طرح نفسه اليوم مرشحاً طبيعياً لترؤس الحكومة العتيدة.

شارع مُنهك وشعب يجوع

مع مرور الوقت وتأزم الوضع المعيشي، أُنهكت الانتفاضة في شارع جائع، فقير، عاجز عن تأمين الدواء والاستشفاء والطبابة والتعليم ولقمة العيش الكريم. والضربة القاضية جاءت بفعل انفجار المرفأ الذي أطاح ثلث عاصمته، وشرد عشرات الآلاف من العائلات التي دمرت منازلها، ما قطع ظهر الاقتصاد المنهار والمفلس. وكان لِيَد الأحزاب والسلطة بصماتها في عملية الإنهاك الممنهج. إذ دخلت الأجهزة الاستخباراتية والحزبية على خط الشارع فأرهقته وأرعبته، وأخرجته من الساحات، وفخخت قياداته، فقسمتها مجموعات وهيئات غير متناسقة وغير منسجمة. كانت الذريعة لدى هؤلاء أن الانتفاضة عابرة للطوائف والأحزاب، عفوية لا قبعة لديها، وهذا مصدر قوتها، ولكن تبين أن هذا الأمر شكل الخاصرة الضعيفة التي ضُربت منها، في ظل تعذر التواصل أو التفاوض مع قيادة معلومة، صاحبة مشروع واضح محدد.

يبدو أنه لم يعد للشارع كلمته بعدما عاد القرار إلى ملعب السلطة بقواها وأحزابها. فعاد منطق المحاصصة ليتحكم بالمشهد الحكومي، في حالة من الإنكار الكامل لكل حقبة ما بعد 17 أكتوبر، ولكل وجع الناس وصرختهم. ووجه المحتجون اتهامات لبعض هذه القوى بأنهم أسهموا في شكل مبطن بإشعال الشارع كـ"حزب الكتائب" و"القوات اللبنانية" أو "الحزب التقدمي الاشتراكي" في إحدى المراحل، لتعود وتنسحب بناء لحسابات خاصة. كما أن بعض آخر أو من هؤلاء أيضاً، ركب الموجة واستغلها لاستعادة شعبية أو قواعد خرجت عن الخط، لكن الأخطر أن بعضاً آخر يمثله ثنائي حركة "أمل" و"حزب الله" قطع دابر الحراك بعدما استشعر الخطر داخل بيئته، بسبب خرق المحظورات، والتجرّؤ على الانتفاض في وجه الحزب. ولهذا الأمر دلالاته المهمة التي ستتبلور نتائجها داخل قواعد الحزب وفي صناديق الاقتراع عند حلول الاستحقاق الانتخابي.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وفي حسابات الربح والخسارة، حصيلة وازنة بين ما تحقق وما أخفقت الانتفاضة في تحقيقه. قد لا يكون الثوار نجحوا في تغيير قواعد اللعبة، لكنهم دخلوا لاعباً فيها، وإن من دون فاعلية كبرى في الوقت الراهن، ونجحوا في تعرية الطبقة السياسية وكشفها وفضحها، وتمكنوا من فتح ملفات فساد عجزت عقود من الزمن عن الاقتراب منها. وها هي اليوم تسلك طريقها في القضاء أمام المجتمع الدولي الذي وقف متضامناً وداعماً. وجاء التعاطف الدولي، لا سيما الأميركي والأوروبي، والفرنسي على وجه التحديد المتبني لمطالب الشارع بحكومة مستقلة وقضاء مستقل واستعادة الأموال المنهوبة، ومكافحة الفساد وإرساء الإصلاحات المالية والاقتصادية المطلوبة، ليؤكد أن القطار وُضع على السكة وأن مسار فكفكة منظومة الفساد قد بدأ، وأن موازين القوى، على الرغم من استمرارها على حالها، بدأت تتفكك وتتخلخل التحالفات في ما بينها. فحلفاء الأمس خصوم اليوم، ولم يعد أي فريق يركن أو يثق بحليفه. صحيح أن الفضل في ذلك لم يكن للثورة بل للعوامل والمتغيرات الداخلية والإقليمية والدولية، ولكن الثورة شكلت شرارة لها ودافعاً ضاغطاً في اتجاهها.

قوة ثالثة

هل تنسجم القراءة السياسية هذه مع رأي المنتفضين؟ يوافق الناشط السياسي فريد فخر الدين الرأي بأن الانتفاضة "لم ترق بعد إلى مستوى الثورة بمفهومها الواسع، لكنها حتماً شكلت ظاهرة غير مسبوقة في تاريخ الحراك السياسي الشعبي. قد لا تكون حققت بعد في شكل ملموس تغييرات على مستوى ميزان القوى السياسية، ولكنها بلا شك أحدثت خللاً فيه، على الرغم من أن منظومة الحكم التقليدية متجذّرة في السلطة وتتوزع مكاسبه ومناصبه ونفوذه. لكنها من المؤكد سجلت إنجازات ملموسة يتحسسها المواطن الذي بات يشعر ربما للمرة الأولى، أنه قادر على أن يكون شريكاً في تصويب القرار، ليس من باب التمثيل التقليدي في البرلمان". ويقول إنها المرة الأولى التي تفرض شرائح مجتمعية نفسها كقوة ثالثة حقيقية تخرق الاصطفاف السياسي الحاد بين الأحزاب والتيارات والقوى السياسية التقليدية، والتي تجلت منذ عام 2005 بما عرف بتحالفي 8 و14 مارس (آذار). هذه القوة نجحت في أن تفرض نفسها وحضورها على الداخل كما على المجتمع الدولي، على الرغم من كل الانتقادات التي تعرضت لها قياداتها حيال تشتتها وعجزها عن التوحد تحت مظلة جامعة واحدة، إلى جانب الاستهدافات وعمليات الترهيب النفسي والجسدي التي تعرضت لها كادراتها. وهذا في حد ذاته تغيير في المشهد السياسي".

ويكشف فخر الدين عن مساعٍ جدية وحثيثة لإنشاء جبهة جديدة أو ما يشبه مجلس قيادة. وبقطع النظر عن مدى نجاح هذه المساعي أو فشلها، لكنها حتماً واعدة بالنسبة إلى المستقبل. قد تكون لا تزال في مهدها، ولكن وتيرة نموها وتطورها سريعة، منبثقة ومستندة على إرث السابع عشر من أكتوبر 2019.

ويتوقف فخر الدين عند الاستقالات النيابية، التي انضم أصحابها إلى صفوف الانتفاضة من خلال التشاور أو التنسيق أو التواصل لإنتاج رؤية سياسية جديدة لبناء الدولة. وهذا خرق مهم على مستوى السلطة التشريعية التمثيلية للناس وبات موجوداً، وسيستمر ويتطور وتُحصد نتائجه في الانتخابات النيابية المقبلة من أجل إعادة إنتاج طبقة سياسية أكثر تمثيلاً للناس، منبثقة من رحم الانتفاضة. ربما التغيير لن يكون كاسحاً أو كبيراً ولكنه حتماً حاصل. والتعويل لن يكون على الناخبين التقليديين الذين اعتادوا على تجديد البيعة لقيادتهم وزعاماتهم التقليدية، بل هو على أكثرية صامتة أو غير مهتمة، لم تشارك سابقاً في الانتخابات، والمطلوب اليوم العمل على تحفيزها للتعبير عن رأيها وإيصال صوتها".

الجيش ضمانة

ولا يقلل الناشط السياسي من أهمية ظاهرة تلمّسها المتظاهرون في الساحات، وهي صلابة الجيش وقوته، والقدرة على التعويل عليه، على الرغم من بعض الانتهاكات التي حصلت في بعض الساحات، ولكنها لا تعني عدم التزام المؤسسة العسكرية حماية المواطنين. وهذا الأمر سيتطور في ظل الأزمة المالية والاقتصادية التي ضربت القدرة الشرائية لرواتب العسكريين، ودفعتهم ليضمّوا صوتهم إلى صوت الناس في المطالبة بالحق في العيش الكريم ووقف الهدر.

شرعة الحقوق الأساسية للمواطنين

ويكشف المتحدث أن الذكرى الأولى للانتفاضة تشكل حتماً محطة تقييم وتحضير للمرحلة المقبلة. وعليه، يشير إلى أن مجموعات عدة تضافرت جهودها من أجل الوصول إلى تحقيق مركزية في المطالب وتوزيعها ضمن ثلاثة محاور أساسية، المحور السياسي، المحور الاقتصادي، وقائمة الحقوق الأساسية للمواطنين.

في الشق السياسي، يرتكز العمل على بلورة خارطة طريق، خصوصاً أن الملف الحساس والشائك الذي يتناوله هو موضوع سلاح "حزب الله"، في ظل تباين حاد في الآراء بين من يدعو إلى أن يكون هذا الموضوع في سلّم الأولويات، بينما يشدد الرأي المخالف على ضرورة إبقائه خارج النقاش.

أما بالنسبة إلى قائمة الحقوق فهي، إعادة التأكيد على سلطة الشعب خلال انتخابات ديمقراطية تجري في وقتها، واستفتاءات مباشرة، والحق في الترشح للمنصب العام والشفافية وعدم التمديد، والحق في الحصول على المعلومات والمساءلة وإدارة المال العام والدين العام، وحماية الملكية الخاصة والخصوصية وحرية التعبير، وحق الشعب في التعليم العام والخدمات الاجتماعية والفرص الاقتصادية والأجور العادلة والضرائب المنصفة، والحق في توافر الخدمات الأساسية من دون انقطاع، والنقل العام، والبنية التحتية بتكلفة مقبولة، والحق ببيئة صحية وحدائق عامة وشواطئ نظيفة ومواقع أثرية محفوظة، والمساواة في المعاملة لشؤون الأحوال الشخصية بغض النظر عن الجنس أو العرق أو الدين، والحق في الإجراءات القانونية والتمثيل القضائي للشعب والتنفيذ السريع للقوانين، والحق في العيش بآمان وسلام وعدالة تحت حماية الدولة وحق الدفاع عن النفس، وأخيراً يجب أن تكون الحقوق الجماعية منبثقة من ولأجل الشعب اللبناني.

ولا يخفِ فخر الدين في المقابل، عجز الانتفاضة "عن بناء هيكلية تنظيمية، ولكنه يعزو ذلك إلى عامل الوقت الضيّق وإلى المصاعب والألغام التي فخخت طريق الثوار، إن من قبل السلطة والأجهزة، أو نتيجة الوضع الاقتصادي والمالي والاجتماعي، الذي يضيّق الخناق على اللبنانيين، فضلاً عن تفشي جائحة كورونا التي فرضت قيود التباعد والحجر".

وبالنسبة إلى عناوين وشعارات المتظاهرين في الذكرى الأولى للانتفاضة، يؤكد فخر الدين أن كل المجموعات "ستلتزم الشعارات الأساسية المتصلة باستقلالية القضاء وحكومة المستقلين، واسترداد الأموال المنهوبة، وسيضاف مطلب التحقيق في انفجار المرفأ. ويشير إلى أن الثوار أدركوا أن تحقيق الإنجازات يتطلب تحديد الأهداف والمطالب ضمن برنامج عمل وخارطة طريق هادفة".

المرأة قائدة الثورة

من عمق الأزمة الاقتصادية التي كانت السبب وراء إيقاف مؤسستها الصغيرة عن العمل، خرجت الناشطة رلى حلبي إلى الشارع، ولم تترك ساحاته. اليوم وبعد عام، لا تزال مؤمنة بأهدافها ورسالتها، وتعبّر بكل ثقة عن قناعتها بأن الانتفاضة، على الرغم من كل ما واجهته لضربها وقمعها وإسكات صوتها، صمدت وتمكنت من فرض صوتها. ولم يكن الإنجاز الوحيد للانتفاضة في رأيها، يستهدف المنظومة السياسية التي أجبرتها على إعادة النظر في أدائها وحركتها ونشاطها، بل الأهم أنها خلقت حالة من الوعي لدى المواطنين، فأصبحت لديهم القدرة والصوت والسلطة على المتابعة والمراقبة والمساءلة والمحاسبة، وهذا لم يكن يحصل سابقاً، وإن حصل فبدرجات متفاوتة وخجولة ومحدودة زمنياً.

لا تقلل حلبي من أهمية العوامل التي استجدت وضغطت على الحراك الشعبي، وأفقدته شيئاً من ديناميته من دون أن يؤثر على زخمه، بدءاً من الأزمة المالية التي كانت ربما واحدة من أبرز الأسباب التي دفعت الناس إلى الشارع، ولكن تفاقمها جعلها تتقدم على ما عداها من أولويات، بما أن الأسر باتت منشغلة بتأمين احتياجاتها بنفسها، أضف إلى ذلك أزمة كورونا التي كان لها التأثير الأكبر في كسر حلقة التحركات والتظاهرات والاعتصامات، ثم كان انفجار مرفأ بيروت، الذي على كارثيته، أثبت للمشككين في الثورة وأهدافها عقم أهل السلطة وعدم اهتمامهم بشعبهم.

لا يمكن إغفال العامل الأنثوي الذي أكسب الثورة رونقاً مختلفاً، ولكنه ترك أثراً هاماً في الحياة السياسية، بحيث برزت نساء من رحم المعاناة، وليس بواقع الوراثة السياسية، وهذا العامل مهم جداً ويجب البناء عليه في مشهد الحياة السياسية في المرحلة المقبلة.

لا تفقد الناشطة الأمل بالثورة وبما حققته وما يمكن أن تحققه. فالطريق في رأيها لا يزال طويلاً ومحفوفاً بالألغام، لكن الزخم لا يزال أيضاً موجوداً في القلوب والعقول، وإن لم يترجم في الساحات أخيراً.

تحدي الصبر والاستمرار

القراءات في النتائج السياسية للثورة، ساعدت على تحديد التحديات وعناوين المرحلة المقبلة، التي اختصرتها أوساط عدد من المجموعات بثلاثة:

- القدرة على الصمود والاستمرار وعدم فقدان الزخم، لا سيما في أوساط الناس، وهذا يتطلب خطاباً عقلانياً قابلاً للتحقق بعيداً عن الشعارات الشعبوية وانزلاق قيادات الثورة في لعبة المصالح والسياسة والنفوذ، ما يتطلب استطرادات بعض من التواضع والنضوج في التفكير السياسي.

- توحيد المجموعات تحت مظلة تنسيقية أو تواصلية واحدة تنجح في توحيد الأهداف والمطالب والخطاب، لأن المرحلة اليوم أصبحت للعمل السياسي والاستثمار في ما حققه الشارع.

- عدم التراجع أمام الاستهداف وحملات الترهيب، ووضع خارطة طريق تحدد التوجهات المستقبلية.