Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

67 ممثلا وممثلة يقدمون 40 مشهدا سينمائيا على المسرح

"سينما مصر" عرض يستدعي الماضي ليحاكم الحاضر ويعيد ترميمه مازجا الفني بالسياسي

من مسرحية "سينما مصر" (الخدمة الإعلامية للفرقة)

في العرض المسرحي "سينما مصر" الذي يقدمه المخرج خالد جلال حالياً على مسرح ساحة الهناجر بدار الأوبرا المصرية، لا شيء مجانياً في كل تفصيل من تفاصيله، على رغم أن العرض، في ظاهره، يقدم مجموعة من أشهر مشاهد السينما المصرية عبر تاريخها الطويل، مجموعة لا رابط بينها تقريباً سوى شهرتها، وهي تتراوح ما بين الكوميديا والتراجيديا والاستعراض. السؤال هنا، ما الذي فعله المخرج ليخلق قواماً متماسكاً يشكل منه عملاً يمكن نسبته، بارتياح، إلى فن المسرح، حتى لو كان مسرحاً غير تقليدي وغير معتاد؟

"سينما مصر" عرض تخرج الدفعة الثانية في مركز الإبداع الذي يشرف عليه جلال، وعادة ما تكون عروض التخرج أقرب إلى المشاهد التي يؤديها المتدربون، سواء أكانت مونولوغات أو ديالوغات، يبرز كل منهم من خلالها موهبته وتأثير التدريب الذي تلقاه. الممثلون، الذين بلغ عددهم 67 ممثلاً وممثلة، قدموا بالفعل نحو 40 مشهداً شهيراً من أفلام السينما المصرية، منها على سبيل المثال: "دعاء الكروان"، "بداية ونهاية"، "شيء من الخوف"، "زقاق المدق"، "طيور الظلام"، "سكر هانم"، "صغيرة على الحب"، "إسماعيل ياسين في الأسطول"، "الكيت كات" وغيرها.

 

كل هذه المشاهد لم تجلب لذاتها أو لاستعراض مواهب المتدربين فحسب، وإنما جرى توظيفها لخدمة الرؤية التي عمل المخرج وفقها، وهي أن السينما المصرية، يمكن أن تتعثر أو تسقط أو تقفد ذاكرتها أحياناً، لكنها أبداً لا تموت. هناك من يسعى إلى إفقادها هويتها وذاكرتها وينجح بعض الوقت، لكنه لا ينجح طوال الوقت، فالتاريخ الذي تستند إليه كفيل بإفاقتها واسترداد وعيها وذاكرتها.

"الليلة الاخيرة"

لنأخذ الفيلم المصري الشهير "الليلة الأخيرة" الذي اقتبسه يوسف السباعي، عن رواية الأميركية مارغريت لين، وأخرجه كمال الشيخ، بطولة: فاتن حمامة ومحمود مرسي وأحمد مظهر، وأنتج في عام 1963. تفقد الزوجة ذاكرتها، ويعمل الزوج على تثبيت هذا الوضع للاستفادة منه، لكن الزوجة تصر على استعادة ذاكرتها وتنجح في ذلك مستعينة بطبيب نفسي. هذا الفيلم كان العمود الفقري الذي أقام خالد جلال عرضه عليه، في عمق المسرح هناك شاشة عرض تقدم بعض المشاهد من الفيلم، وذلك قبل بداية العرض المسرحي. وتُكرر تلك المشاهد ربما لتهيئة الجمهور لما هو بصدده، فضلاً عن حرص المخرج على تقديم كلمة جاءت بمثابة المفتاح الذي يمكن للمشاهد استخدامه لتلقي العرض.

كلمة المخرج هنا لا تعد مصادرة لرأي الجمهور، لكنها مجرد استعاضة عن عدم وجود نص للعرض. نحن أمام سيناريو موضوع بعناية لتوصيل الرؤية الكلية للمخرج الذي ضرب عدة عصافير بحجر واحد كما يقولون. فهو من ناحية استعرض مواهب متدربيه وقدرتهم على أداء مشاهد سينمائية شهيرة محفورة في ذاكرة المشاهدين، وهو اختبار صعب بالتأكيد، ومن ناحية ثانية عمل على استعراض ماضي السينما المصرية، ومن ناحية ثالثة، أشار إلى أن هذا الماضي الذي تتكئ عليه يمثل دافعاً لها لاستعادة وعيها من جديد، فضلاً عن وجود بعض العلامات التي تفتح أفق التأويل وتمد الخيط على استقامته ليستبدل الوطن بالسينما. أي أن الوطن صاحب التاريخ الممتد الذي يراد له فقد هويته يمكنه أن ينهض من جديد هو الآخر. يتماس الفني هنا مع السياسي، وذلك كله في "خلطة" توازنت مقاديرها وعناصرها، من دون أن يطغى واحد منهما على الآخر.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

استعراض المواهب                       

شخصية الزوجة والزوج في الفيلم الشهير جسدت على المسرح من خلال أكثر من ممثل وممثلة. من جانب أتاح المخرج الفرصة لاستعراض مواهب أكبر عدد من المتدربين، ومن جانب آخر، أشار إلى أننا أمام أمر عام وشائع يتعلق بفكرة الصراع بين البشر وليس مقصوراً على شخصيتين فحسب. أما المشاهد المأخوذة من أفلام أخرى، فقد جاء كل منها موظفاً في مكانه ومناسباً للمشهد الذي يشخص من الفيلم الشهير، وحسب الحالة التي تمر بها البطلة من فرح أو حزن أو شك وسواه.

ذكر عام 67 جاء على لسان إحدى الشخصيات، وعدد الممثلات والممثلين كان 67، فهل قصد المخرج استخدام الرقم كإحدى العلامات التي يؤكد رؤيته من خلالها؟ ربما قصد إلى ذلك، وربما جاء الأمر عفوياً. لكن الرقم في كل الأحوال يمكن الاستناد إليه كعلامة على منعطف خطير مرت به مصر ومرت به بالتالي فنونها وآدابها التي عكست عمق الأزمة الحادة التي واجهت مصر والوطن العربي عقب نكسة ذلك العام.

حضور النوستالجيا

بشكل عام، فإن العرض بمشاهده واعتماده بشكل أساسي على أحداث فيلم "الليلة الأخيرة" كخيط يربط بين تلك المشاهد، لا يمكن النظر إليه باعتباره عرضاً "نوستالجياً"، وإن كانت النوستالجيا حاضرة باستمرار. لكن الحنين إلى الماضي هنا كان بمثابة الرغبة في دفع الحاضر وإصلاحه وإعادة ترميمه بعد أن تداعت أركانه أو كادت. عرض مرن ذكي، يمرر أفكاره بسلاسة ومن دون خطابة أو افتعال، عرض مصنوع بذكاء، كأنك عثرت على بعض الأشياء المتناثرة والمهملة رغم قيمتها المهمة، وشكلت من ذلك كله لوحة فنية فيها من الإبهار والبهجة. وهذا ما يعيد إحياء قيمة هذه المتناثرات وإمكانية النفخ في روحها من جديد لتستعيد كامل تألقها.

التمثيل في العرض كان هو الاختيار الأصعب الذي لجأ إليه المخرج، نحن أمام مشاهد أداها نجوم كبار مثل: فاتن حمامة، ومحمود مرسي، وسعاد حسني، وأحمد مظهر، وعمر الشريف، وسناء جميل، ويحيى شاهين، وزينات صدقي، وماري منيب، وعادل إمام، ومحمود عبدالعزيز، وعبدالفتاح القصري، ونجيب الريحاني وسواهم، فكيف يستطيع ممثل أو ممثلة انتهى للتو من تدريبه أن يضع نفسه في مقارنة - هي بالتأكيد ليست في صالحه - مع أمثال هؤلاء المشاهير؟ وهل سنكون بإزاء فقرات لتقليد الفنانين، أم ستكون ثمة إضافة نوعية يقدمها الممثلون تجعل الأمر يتجاوز فكرة الاستعارة إلى فكرة الإبداع؟

 

في أغلب الأحوال نجح كثير من الممثلين في إضفاء لمسات خاصة على أدائهم، ألمحت إلى تجاوز الاستعارة إلى الإبداع، ووفق المخرج في اختيار كل متدرب لأداء مشهد بعينه، حيث كانت المواصفات الجسدية متطابقة إلى حد كبير مع الشخصيات التي أدوها، ولعب المكياج دوراً مهماً في تقريب التشابهات بين هؤلاء وأولئك.

أن يكون لديك 67 ممثلة وممثلاً يقدمون 40 مشهداً سينمائياً شهيراً، ويلعب كل منهم أكثر من دور ويستمر ذلك على مدى ساعتين من دون ارتباكات تؤثر على إيقاع العرض وتدفقه، خاصة أن عملية تغيير المشاهد تتطلب بعض الوقت، فتلك مهمة صعبة ومغامرة كبرى. وقد أقدم عليها خالد جلال ونجح فيها معلناً عن ميلاد عشرات المواهب الجديدة استحق لأجلها، ولأجل من سبق وتخرجوا في مركز الإبداع، لقب "صانع النجوم".

في المشهد الأخير تتجمع الممثلات اللاتي لعبن دور الزوجة الفاقدة الذاكرة مرتديات الزي الفرعوني، ويحاصرن الممثلين الذين لعبوا دور الزوج المستفيد من فقد زوجته لذاكرتها ويرددن "أنت تعرف أنا مين... أنا لي أصل وحضارة" ليعلن عن استعادتهن لذاكرتهن. وعلى جانبي المسرح، الذي كان بلا ديكورات تقريباً، تنزع ستائر سوداء لتظهر من خلفها صور أفيشات الأفلام المصرية وكأنه التاريخ الذي يطل مجدداً دافعاً أصحابه إلى استعادة هويتهم وذاكرتهم.

المزيد من ثقافة