Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

غورباتشوف سيرة ذاتية ومسيرة أمة على المسرح

مأساة انهيار الإمبراطورية عبر وقائع السيرة الذاتية للرئيس السوفياتي وقرينته

الرئيس السوفياتي السابق ميخائيل غورباتشوف يتلقى الترحيب خلال الاحتفال بعيد ميلاده الثمانين بقاعة ألبرت الملكية في لندن (أ ف ب)

بعد محاولات عدة بذلها الكثير من الأوساط الفنية في روسيا والبلدان الغربية، منها الولايات المتحدة للفوز بحق "مسرحة" السيرة الذاتية للرئيس السوفياتي ميخائيل غورباتشوف، توقف خيار غورباتشوف عند تشولبان خاماتوفا ويفغيني ميرونوف. قال إنهما الأكثر موهبة وقدرة على تصوير شخصيته وقرينته "رئيسا". تلك كانت بداية "مشروع" مسرحية "غورباتشوف" التي افتتح بها "مسرح الأمم" موسمه الجديد في موسكو ويحتدم حولها جدل كبير، بداية من الشكل الذي اقتصر على اثنين فقط من أهم وأشهر فناني روسيا الاتحادية، وليس نهاية بالمضمون الذي يتباين بين التركيز على السيرة الذاتية للرئيس الأسبق، والحرص على "عدم الاشتباك" مع مسيرته السياسية. 

مخرج هذا العرض المسرحي متفرد الشكل، متميز المضمون، هو ألفيس هيرمانيس عالمي القيمة والقامة. ولد عن أب لاتفي الأصل، شيوعي من لاتفيا، التي انفصلت مع جارتيها إستونيا وليتوانيا عن الاتحاد السوفياتي السابق قبيل انهياره. لكنه ورغماً عن مأساوية الأصل النشأة، حرص على أن يكون هذا العرض المسرحي بمنأى عن الجدل السياسي، قريباً من أن يكون "قصة حب"، أطاحت ظروف السياسة الكثير من وقارها واستقرارها.

قال هيرمانيس، إنه عَمَدَ إلى تناول هذه القصة من منظور حياة "حبيبين" يحملان خيالاً خصباً، ومشاعر نقية، وآمالاً وأحلاماً لا حدود لها. أراد أن يحكي على لسانيهما كيف كانت أحلام التغيير التي طالما راودتهما صوب تغيير ذلك الوجود الموجع، وإن لم يدر بخاطر أي منهما احتمال أن يكون هذا التغيير المنشود "قضية وجود"، ترتبط كل مفرداته وخيوطه بما يمكن أن يتخذاه من خطوات. وأشار إلى أنه أراد بعرضه المسرحي إبراز سمات وخصال تلك الشخصية التي لم تكتف بتغيير العالم، بل تجاوزت أطروحاته التي أوجزها تحت شعار "البيريسترويكا والغلاسنوست" (إعادة البناء والشفافية والمصارحة)، حدود التاريخ إلى جغرافية المكان. بعيداً من تطورات ومتغيرات تلك الفترة المحورية من تاريخ الوطن والعالم، أراد هيرمانيس أن يستمع المشاهد إلى تجربة هاتين الشخصيتين، بما يستطيعان معه إتيان مثل تلك الأفعال التي أصابت البشرية بالدهشة المقرونة بكثير من التساؤلات.   

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

دور غورباتشوف، لعبه ميرونوف "فنان الشعب لروسيا الاتحادية" والمدير الفني لـ"مسرح الأمم"، أما دور قرينته رئيسا ماكسيموفنا تيتارينكو-غورباتشوفا، فقد كان من نصيب خاماتوفا "فنانة الشعب" أيضاً، التترية الأصل، مثلها في ذلك مثل قرينة الرئيس. وتستند "القصة" إلى أحداث ووقائع حقيقية، لا مجال فيها لخيال أو افتعال. الكثيرون من أبطالها ومن عاصروها من شهود العيان لا يزالون على قيد الحياة، وإن ظلت تتعلق في الحلوق مرارة غياب "بطلة القصة"، على نحو مأساوي أطاح هدوء واستقرار "حبيب العمر" لما يزيد على العشرين عاماً. فقد توفيت رئيسا ماكسيموفنا متأثرة بمرض سرطان الدم في أحد مستشفيات ألمانيا عام 1999.

قال ميرونوف، وأيدته تشولبان إن الحديث مع ميخائيل سيرغيفيتش (غورباتشوف) ممتع. لم يكن يهمنا نشاطه وحياته السياسية، بقدر ما كنا نريد التوغل بعيداً داخل عالمه الشخصي، ومعرفة أبعاد شخصيته من خلال "قصة الحب" التي جمعته مع "رفيقة العمر" رئيسا ماكسيموفنا. سعينا نحو العودة إلى البدايات؛ إلى الأرض التي احتضنتهما منذ الميلاد. ستافروبول جنوب روسيا، التي شب فيها وترعرع ميخائيل منذ ولادته عام 1931 عن أب مزارع كان يعمل سائقاً لأحد جرارات المزرعة التعاونية التابعة للدولة، وإحدى قرى مقاطعة ألطاي غرب سيبيريا التي ولدت فيها رئيسا عن عائلة تترية في عام 1932. "الحبيبان" عاشا حياة أبعد ما تكون عن الدعة والهدوء والرفاهية. تقلبا بين شظف عيش ما بعد الحرب العالمية الثانية بكل مآسيها وأتراحها. سنوات الطفولة والصبا تشابهتا إلى حد التطابق. أنهت رئيسا المدرسة المتوسطة بميدالية ذهبية أعطتها بعض التميز لدى التحاقها بكلية الفلسفة بأكبر جامعات الوطن، جامعة موسكو الحكومية، التي ولج ميخائيل أبواب كليتها للحقوق أيضاً متكئاً على ميدالية فضية، ووسام "الراية الحمراء" الذي حصل عليه ولم يكن تجاوز السابعة عشرة من العمر. 

لم يكتف بطلا العرض المسرحي، بما حفلت به المكتبات من كتب وذكريات كتبها الكثيرون من مساعدي ومعاصري غورباتشوف وشهود عيان العصر. جلسا إليه في "جلسات استماع"، طويلة اتسمت بالكثير من الحميمية والمصارحة. يتذكرها ميرونوف تشولبان بالكثير من الارتياح. قالا إن غورباتشوف تطرق في حديثه معهما، إلى الكثير من تفاصيل قصة "التعارف" مع قرينته، وما عاشاه من شظف عيش الحياة الجامعية، ومنها ما تعلق بعدم وجود المال الذي كان مطلوباً لتوفير ما يجب من ملابس، حتى لشراء حذاء "زفاف العروس". توقف عند الجدل الذي طالما احتدم وتشعب ليطال متاعب الحياة التي عاشاها بعد التخرج في الجامعة بـ"ستافروبول" جنوب روسيا.

قال ميرونوف، إن كلاً منهما، هو وتشولبان، كان في حاجة إلى ما يسمى بمفتاح "الشخصية المراد تصويرها". أما تشولبان فقالت إن الأمر كان بالنسبة لها أكثر صعوبة، نظراً لغياب البطلة "رئيسا"، ولتكتفي بالجلوس مع الابنة "إيرينا" التي حاولت تعويض غياب الأم. كشف كل من تشولبان وميرونوف عما استندا إليه لتبديد الغموض الذي اكتنف كثيراً من جوانب هاتين الشخصيتين التاريخيتين. قالا إنهما يحاران حتى اليوم تجاه سيل الانتقادات التي ثمة من يوجهها إلى غورباتشوف، التي تصل حد اتهامه بالخيانة. توقفا عند تناسي الملايين من أبناء الوطن أي حياة كانا يعيشانها. انتقدا الكثيرين ممن يحملون غورباتشوف مسؤولية انهيار الدولة وضياع الوطن. ومع ذلك فقد اعترفا ومعهما غورباتشوف بأن المجتمع الذي كانت تعيشه الملايين إبان سنوات حكم ستالين كان مغايراً لما تعيشه البلاد اليوم. استشهدا بما قاله غورباتشوف، إن الملايين أفرطت في البكاء حزناً على رحيل الزعيم عام 1953. استعاد ما كانت تردده الملايين من تساؤلات، "كيف ستعيش البلاد من دون ستالين؛ أبو الأمة؟".

لم يكن المواطنون يعرفون غيره. قال إن أحداً كائناً من كان، لم يكن يتصور أن غورباتشوف سوف يتولى بعد قرابة ثلاثة عقود مسؤولية إدارة وحكم هذا الوطن. ولم يكن ثمة من يتصور أن يخلص أحد ممن خلفوا ستالين في الكرملين إلى ضرورة التغيير. وإن أشارا إلى أن غورباتشوف هذا الشاب الريفي الأصل "المجبول" على الصراحة والصدق والحديث المباشر، يمكن أن يتحول إلى الدهاء والكذب، على اعتبار أن ذلك من "بديهيات العمل السياسي". 

وننقل عن وكالة أنباء "تاس" ما ذكره الناطق باسم مخرج العرض المسرحي هيرمانيس حول: إن "العرض المسرحي لا يتطرق إلى السياسة، بل يحكي قصة العلاقات الحميمية التي ربطت بين رئيسا وميخائيل غورباتشوف وحبهما وما راودهما من آمال وخيبة أمل". لكن تلك العلاقات استطاعت تغيير بلادهما والعالم أجمع".

وأضاف، "إن المخرج حذف عمداً من مسرحيته أعوام 1985–1991 حين كان ميخائيل غورباتشوف يتولى منصب الأمين العام للحزب الشيوعي السوفياتي ورئيس الاتحاد السوفياتي وركز على أيام الطفولة والشباب والعلاقات العائلية ومرض زوجة غورباتشوف ووفاتها، لتجنب تقييمات ومواقف متباينة من شخصية ميخائيل غورباتشوف لا تزال قائمة في المجتمع الروسي".

وكان ميرونوف وتشولبان خاماتوفا، تطرقا في حديثهما حول استعداداتهما وفي معرض بحثهما عن "مدخل الشخصية"، إلى مذكرات و"تصرفات" عدد من مساعدي غورباتشوف ورفاقه، ومنهم من تطرق سلباً إلى نشاط غورباتشوف وما قام به من تغييرات. ومن هؤلاء أناتولي تشيرنياييف مساعد الأمين العام للحزب الشيوعي، وألكسندر ياكوفليف عضو المكتب السياسي للحزب الشيوعي الذي قال فلاديمير كريوتشكوف رئيس لجنة أمن الدولة "كي جي بي" إنه عثر على وثائق تدينه بالعمالة للاستخبارات المركزية الأميركية. وبهذه المناسبة نشير إلى الجدل الذي يحتدم حول أن ياكوفليف هو صاحب فكرة "البيريسترويكا والغلاسنوست"، وما يمكن أن تتسم به من أشكال "الثورات الملونة"، التي طالما زعزعت استقرار الكثير من بلدان الفضاء السوفياتي السابق منذ مطلع القرن الحالي. وبهذا الصدد نشير إلى ما يتداولونه داخل روسيا وخارجها من اتهامات يكيلونها لميخائيل غورباتشوف حول ضعفه وتخاذله أمام الضغوط الأوروبية، ولكونه المسؤول عن انهيار الدولة وعدم الدفاع عن مصالح الوطن، وهو ما قال غورباتشوف إنه يتذكره دوماً مقروناً بما قاله "صديق مصري" كان يريد منه أن يستخدم القائد الأعلى للقوات المسلحة السوفياتية سلطاته لإنقاذ الوطن، ما كان يعني الانزلاق بالبلاد إلى "حرب أهلية دموية".

أما عن "الصديق المصري" فهو "كاتب هذه السطور" الذي توجه إليه في اجتماعه الأخير الذي عقده بفندق "بريزدنت" التابع لإدارة الكرملين في 25 ديسمبر (كانون الأول) 1991 أي في اليوم التالي لإعلانه التنحي عن رئاسة الاتحاد السوفياتي، مع عدد محدود من مساعديه وأصدقائه والصحافيين ممن سبق ورافقوه في رحلاته الخارجية، بسؤاله حول "مسؤوليته تجاه سقوط الدولة وعدم محاولة إنقاذ الوطن، وعدم استخدام سلطاته كـ"قائد أعلى للقوات المسلحة السوفياتية" لإنقاذ الوطن. وذلك ما توثقه مذكراته التي أصدرها غورباتشوف تحت عنوان "الحياة والإصلاحات" من جزءين في موسكو عام 1994.

المزيد من ثقافة