Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"حرائق صغيرة في كل مكان" رواية التمرد ضد عالم مهترئ

الروائية الأميركية سيليست إنج تسرد قضايا العنصرية والنسوية والتفكك الأسري

الروائية الاميركية سيليست إنج (غيتي)

من حيث تنتهي الأحداث، تبدأ رواية "حرائق صغيرة في كل مكان" للكاتبة الأميركية الشهيرة سيليست إنج .celeste n. g (دار الكرمة، القاهرة، 2020 ترجمة سها السباعي) والتي تكشف عن المشاكل الاجتماعية التي يعاني منها المجتمع الأميركي وتبدو عصية على الحل، ويتعلق بعضها بالعنصرية والآخر بالتفاوت الطبقي، وأحوال المهاجرين، والصعوبات التي يواجهها المراهقون، والتفكك الأسري، فضلاً عن القضايا النسوية.

الرواية في حبكتها ذات طابع كلاسيكي درامي تقليدي مكوّن من بداية ووسط ونهاية، وتبرز صفة الدرامية فيها منذ البداية المتوترة التي تشبه بدايات المسرح الكلاسيكي القديم. بداية تثير فضول القارئ/ المتلقي لكشف غموض حادث. فمثلاً تبدأ مسرحية "أوديب ملكاً" بمشهد تضرع الأطفال أمام قصر أوديب وهم يبكون، كي يبحث لهم عن حل في الموت الذي لا يكف عن حصدهم؛ لتتكشف بعد ذلك تدريجاً أبعاد وباء ضرب مدينة طيبة، حتى تصل الأحداث إلى نهايتها ويعرف أوديب أنه قاتل أبيه وأن البلاء بسببه.

وعلى هذه التقنية نفسها تعتمد سيليست إنج، حيث الحريق الذي يشتعل في منزل عائلة "ريتشاردسون"، والأخبار المتداولة عن أن المتسببة فيه هي "إيزابيل" البنت الصغرى لهذه العائلة. ومن هذه النقطة المتوترة تعود الأحداث إلى الوراء لكشف غموض الحادث.

هذه الدرامية التي يتمتع بها العمل ساعدت في تحويله إلى مسلسل تلفزيوني، عرض للمرة الأولى في مارس (آذار) الماضي وهو من بطولة ريس ويذرسبون وكيري واشنطن.

أحداث الرواية

تدور أحداث الرواية بين عامي 1997 و1998 في مدينة شايكر هايتس وهي أول مدينة تبنى وفق تخطيط سابق في بداية القرن العشرين، بواسطة عائلة حاولت أن تجعل منها جنة على الأرض عبر نظام صارم. أما منزل "ريتشاردسون" فكانت تستأجر "ميا" الموهوبة في التصوير إحدى شققه وتعيش معها ابنتها المراهقة "بيرل".

وعائلة "ريتشاردسون" تتكون من أب يعمل في المحاماة وأم صحافية وأربعة أبناء: "ليكسي، تريب، مودي، والصغيرة إيزي". تتعرف ابنة "ميا" على عائلة "ريتشادسون" بينما تعمل هي بدوام جزئي في منزلهم. تتشابك العلاقات بين الأسرتين إلى أن تنقلب "إلينا ريتشاردسون" على "ميا" التي وقفت في صف مهاجرة صينية تدعى "بيبي تشاو" ودلتها على عائلة "ماكولا" الذين تبنوا طفلتها التي اضطرت للتخلي عنها بسبب عوزها الشديد.

وبسبب موقف "ميا" المساند لـ"بيبي تشاو"، تطردها "إلينا" من الشقة، وما إن تعرف إيزي/ إيزبيل بما قامت به أمها مع "ميا" التي تعلقت بها بشدة، تشعل النار في منزلهم وتبدأ البحث عن الإنسانة الوحيدة التي ترتاح إليها.

عالم طبقي

تقدم الرواية عالمين مختلفين عبر طبقتين تعيشان في المدينة المرفهة نفسها، فالأم "ميا"، هي فنانة من طراز خاص، متمردة، تعتبر نفسها من الغجر الذين لا يطيب لهم الاستقرار في مكان. طافت مع ابنتها "بيرل" 46 مكاناً لم تستقرا في واحد منه، بحثاً عن أفكار إبداعية تلتقطها كاميرتها، وما إن تجد بغيتها ترحل بصحبة ابنتها إلى مكان آخر من أجل فكرة جديدة. تبحث في أعمالها عن الكمال الفني، وتمارس أعمالاً مختلفة بدوام غير كامل من أجل أن تجد وقتاً لفنها. حياتها لا يقين فيها، في مقابل حياة أخرى على النقيض تماماً في مدينة "شايكر" بنظامها الاجتماعي الصارم.

عائلة "ريتشاردسون" باستثناء "إيزابيل"، تؤمن بأهمية التزام ذلك النظام الصارم، ما أعطى النص حيوية كبيرة في الصراع الدائر ما بين المنطقين في الحياة أو هذين العالمين المختلفين، عالم فقير مهمش يكبت ويقهر، وبين عالم غني قوي يمتلك كل مفاتيح القوى التي تسمح له بقهر الفئة الأولى، إلا أن هذه الفئة استطاعت في النهاية أن تنتصر في معاركها بالحيلة.

المهاجرة الصينية تنجح في اختطاف ابنتها من منزل الأسرة الأميركية الغنية التي حكمت لها المحكمة بتبني الطفلة رغم وجود أمها وتفر بها عائدة إلى الصين، والإبنة الصغيرة تحرق منزل أهلها الذين يمثلون هذا العالم المتغطرس الذي لا يقبل الاختلاف ويعتبره تمرداً.

وبمنطق الرواية، فإن النيران التي تشتعل في الغابات ليست شراً، ولكنها فرصة كي تنشأ حياة أخرى أقوى في هذه الأرض بعد أن سمّدها رماد النباتات المحروقة، وكذلك ترى "إيزابيل" في إحراق منزل أهلها فرصة من أجل حياة جديدة تنمو من الرماد.

وتعكس هذه الرواية تشظي هوية المجتمع الأميركي، والذي يتجلى في عنصرية البيض ضد السود والآسيويين وغيرهم، وسبق أن عالجت سيليست إنج، الإشكالية ذاتها في روايتها الأولى "كل شيء لم أخبرك به"، وهي في هذا الصدد تحيلنا إلى العديد من الأعمال الأميركية التي ناقشت هذه القضية، ومن بينها راوية كاثرين ستوكيت "المساعدة"، والتي تحولت إلى فيلم بالاسم نفسه عام 2011.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

انتصار التمرد

وتجسد هذه الرواية كذلك قيمة التمرد على تلك العنصرية وعلى القواعد الصارمة التي يطلب من الناس التزامها من دون نقاش. وهذا التمرد تمثله "ميا" الفنانة المتمردة التي هجرت أهلها من أجل الالتحاق بكلية الفنون الجميلة وتتلمذت على يد ألمع أساتذة التصوير وشهد لها الجميع بموهبتها الفذة، إلا أن مادية المجتمع اضطرتها لترك الجامعة بعد منع المنحة الدراسية عنها بدعوى تقليل النفقات. ودفعتها تلك الظروف القاسية إلى القبول بأن تؤجر رحمها لأسرة عرضت عليها مبلغاً كبيراً مقابل أن تمنحهم طفلة، إلا أنها تهرب من تنفيذ الاتفاق وتعيش مع ابنتها حياة الرحالة. أما أيقونة التمرد الثانية فهي "إيزي" التي ترسمها الرواية بهذه الصورة حتى وهي في بطن أمها، إذ صاحب إنجابها كثير من المتاعب على عكس إخوتها الآخرين الذين كانت تنجبهم بسهولة. "إيزي" المراهقة تشعر بعدم الانسجام مع عائلتها، وحين تلفظت مدرسة الموسيقى بعنصرية تجاه زميلة سمراء لها في صف تعليم الكمان ما كان منها إلا أن انتفضت وكسرت عصا الكمان وألقتها في وجهها وانصرفت عن الفصل، ففصلت من المدرسة لأيام، ولم تجد من يحتضن تمردها هذا سوى "ميا" وودت لو تكون هي أمها.

ولا يغيب عن رواية "حرائق صغيرة في كل مكان" الطابع النسوي، فـ"ميا" رفضت أن تترك ابنتها، والمهاجرة الصينية تخلت عن الحلم الأميركي واختطفت ابنتها وعادت إلى بلادها، وهناك حالتان تعانيان من عدم القدرة على الإنجاب وتتحرقان شوقاً إليه، الأولى ولدت من دون رحم، والثانية رحمها غير مضياف ولا يكتمل لها حمل أبداً، وطلب التبني قد يأخذ سنوات حتى يتم، وفي مقابل هذا هناك الفتيات اللاتي يجهضن أنفسهن كما فعلت "إليكسي" لأن الإنجاب سيعطلها عن استكمال دراستها.

وأخيراً، فإن "حرائق صغيرة في كل مكان" هي الرواية الثانية لسيليست إنج (1980) صدرت عام 2017، وترجمت إلى أكثر من ثلاثين لغة.

المزيد من ثقافة