Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

هل يتحرك الاتحاد الأوروبي ضد تركيا في أزمة أرمينيا وأذربيجان؟

ستبقى العقوبات الأوروبية تدريجية وأميركا هدفها عدم عرقلة اتفاقات السلام

الصراع بين أرمينيا وأذربيجان يُدخل الاتحاد الأوروبي في اختبار ضد تركيا مجدداً (رويترز)

يجيد أردوغان لعبة نقل الأحجار، فهو بعد التصعيد في شرق المتوسط وتدخله في ليبيا، خفف من حدة اللهجة بين ليلة وضحاها، ونقل الصراع إلى جنوب القوقاز. حدة التوتر بين تركيا واليونان التي انخفضت بومضة البصر، بالتزامن مع زيارة وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو اليونان، قابلها انفجار الوضع في جنوب القوقاز وانطلاق شرارة المواجهة بين أذربيجان وأرمينيا حول إقليم ناغورنو قره باغ، جبهة كانت تنذر بالاشتعال في أي لحظة.

وعلى الرغم من أن الرئيس التركي يجيد لعبة تحريك أحجار الشطرنج، فإنه من دون أن يكون سيد الموقف، استطاع تهدئة الوضع مع اليونان قبل انعقاد القمة الأوروبية المرتقبة في الأول والثاني من أكتوبر (تشرين الأول)، بعد ما لوح الاتحاد بالعقوبات، بعد سلسلة إجراءات أعلنت في قمة "ميد 7" في أجاكسيو الأوروبي، على خلفية النزاع في شرق المتوسط، وإقدام أنقرة على التنقيب عن الغاز قبالة الشواطئ اليونانية.

وتزامن إعلان بدء مفاوضات تقنية مع اليونان مع زيارة وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو، الذي نوه عن هذه الخطوة، وزار سالونيك شمالي اليونان وجزيرة كريت، متفقداً القاعدة البحرية الأميركية في خليج سودا. وبومبيو وقع العام الماضي في أثنيا اتفاقية تعاون دفاعي تربط بلاده باليونان، تضمنت تكثيف النشاط المشترك بين البلدين.

دلالات زيارة بومبيو

الزيارة تحمل دلالات لا يمكن لأردوغان تجاهل أبعادها. فهي من جهة حملت إشارة إلى تأكيد تمسك الولايات المتحدة بمصالحها شمالي اليونان، في إطار الصراع على دول البلقان مع روسيا، ومن جهة أخرى توضيح أن قاعدة أنجرليك قد لا تبقى في تركيا. فالولايات المتحدة تملك قاعدة عسكرية في جزيرة كريت تسعى لتعزيزها. وواشنطن تدرس إمكانية نقل قاعدتها العسكرية من أنجرليك إلى كريت، وهذا الموضوع كان مدار بحث العام الماضي في دوائر صنع القرار في العاصمة الأميركية، التي بدأت تدرك أن قنابلها النووية التي وزعتها خارج أراضيها إبان الحرب الباردة، لم تعد في أمان.

وهي 50 قنبلة نووية من طراز "بي 61" خزنتها الولايات المتحدة في قاعدة أنجرليك، وتركيا حذرت من أن ذلك يخرج الولايات المتحدة من القاعدة النووية. تلك القنابل باتت في صلب عملية معقدة، تستخدم في إطار تجاذبات جيوإستراتيجية، وسحبها من تركيا قد يدفع أردوغان إلى التقرب من روسيا. وهذا ليس من مصلحة الولايات المتحدة.

اشتعال الجبهة بين أذربيجان التي تدعمها تركيا، وإقليم ناغورنو قره باغ وتدعمه أرمينيا، يزيد الأمور تعقيداً. قد يكون أيضاً اختباراً على مدى قدرة الاتحاد الأوروبي على التحرك، كما حصل مع جزيرة القرم في 2010. فما يجري في القوقاز لا ينفصل كلياً عن جيوإستراتيجية أنابيب الغاز، أنقرة تسعى إلى أن تكون المركز الأساسي لتخزين وتسييل الغاز الروسي وإعادة تصديره إلى أوروبا عبر خط ساوث ستريم، الذي تحول عقب معارضة كل من بلغاريا والولايات المتحدة إلى تورك ستريم، الذي دشن أخيراً. ولا ننسى معارضة الولايات المتحدة خط "نورد ستريم" الذي أوقف العمل به، بعد أن كان في مرحلته النهائية، وكلف أوروبا تسعة مليارات يورو، فالولايات المتحدة لا يمكنها أن ترى أوروبا تستغني عن الغاز الأميركي.

فالولايات المتحدة يمكن أن تكون ضغطت لسبب أول، كما يقول إيمانويل دوبوي، أستاذ محاضر في جامعة باريس جنوب، ورئيس مركز الأمن والاستشراف، موضحاً: "ما يهم الدبلوماسية الأميركية هو ألا يأتي أي شيء من شأنه أن يعكر توقيع اتفاقات السلام، ففي هذه العملية السلمية وضع الرئيس الأميركي كل ثقله، ليظهر أنه نجح، إذ لم يتمكن أي رئيس قبله من أن يفتح الباب أمام سلسلة اتفاقات سلام مع إسرائيل في أقصر فترة زمنية".

ومن جهته يرى برتران بادي، أستاذ العلاقات الدولية في معهد العلوم السياسية في باريس، "أن ما يميز إستراتيجية أردوغان كأي لاعب متسلط تقضي بأن يناوب فترة من الضغوط إلى فترة من الهدوء، وبومبيو مرغم على أن يكون لبقاً. أنقرة تبقى إحدى آخر الدول التي تحافظ فيها على علاقات في المنطقة، إضافة إلى أن الرئيس التركي لديه نقطة لصالحه، فهو يعرف كيف يستخدم علاقاته مع روسيا. كل شيء يمكن أن يتغير في أي لحظة، المصالح المتبادلة في نطاق الطاقة، وأنابيب الغاز، وحجم العلاقات الاقتصادية، وعلاقات يبدو فيها الطرفان رابحين".

ويضيف بادي، "الدبلوماسية الأميركية في حالة ضعف لم تشهده من قبل. فهي لم تأخذ موقفاً حازماً وواضحاً، كما أن الدول الأوروبية غير موحدة، ويعتبر أن فرنسا عرضت نفسها للخطر في التصعيد والحفاظ على التوتر، أما الدولة الوحيدة القادرة على لعب دور الوسيط فهي ألمانيا". مشيراً إلى أن "تدهور الليرة التركية وهشاشة الوضع الاقتصادي ليسا وراء قرار التهدئة مع اليونان. أردوغان خرج ضعيفاً بعد فقدان الانتخابات البلدية في إسطنبول وأنقرة، لكنه كما كل القادة الأتراك يؤجج الشعور. هو يستغل الأزمة لتلميع صورته والحزب الكمالي يناصر الرئيس التركي في مسألة ترسيم الحدود. يوجد إجماع تركي حول هذه القضية".

أوروبا وسلاح العقوبات ضد تركيا

التوافق الذي برز بعد قمة السبعة "ميد 7" بين دول جنوب أوروبا في المتوسط، إذ جرى الإفصاح عن سلة إجراءات تجاه أردوغان، قد يشكل بداية. وفي هذا الشأن يقول دوبوي: "الرئيس التركي مستعد للحفاظ على الخطوط الحمراء، خصوصاً تلك التي يرسمها هو. هناك ما يشبه أو ما يمكن تسميته التوازن في الإجراءات، فمقابل المناورات البحرية رفع حظر السلاح عن قبرص، وإلى جانب ذلك تبرز سياسة الاحتواء من قبل الولايات المتحدة".

وبتخفيف حدة اللهجة قبل انعقاد القمة الأوروبية، هل يمكن القول إن أردوغان استطاع سحب البساط من تحت أقدام الأوروبيين؟ يجيب دوبوي "هو لاعب ماهر قد يكون ارتأى التركيز على منطقة جغرافية أخرى، لما يجري في السنغال ومالي والنيجر، ولا ننسى أن تركيا انفتحت على أفريقيا عبر فتح 26 سفارة والتبادل التجاري يعادل 24 مليار يورو سنوياً. الرئيس التركي أعلن في باماكو خلال زيارته في 2018 أنه سيضاعف بأربعة أضعاف الاستثمارات التركية حتى عام 2030".

وأضاف "تركيا تسعى لفرض سيطرتها في المناطق الأفريقية الناطقة بالفرنسية التي كانت مستعمرات فرنسية سابقاً. مالي والسنغال والنيجر. هذه الأزمة جاءت كهبة لتركيا التي تريد إبراز دورها كقوة إقليمية. كما لا يجب تقليل أهمية تكثيف روسيا من نشر سفنها الحربية في البحر المتوسط، وهي بدورها لا تريد أن تكون مهمشة، تركيا بإمكانها وقف مرمرة والبوسفور، وروسيا تبقى مراقبة".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ويرى دوبوي أن أردوغان "سيلعب بكل ما لديه، سيبحث عن تعويض مالي كما حدث مع المهاجرين، إذ استطاع الحصول على ستة مليارات يورو، مقابل ألا يقوم بأي شيء حيال أزمة اللاجئين الذين يستعملهم كورقة ابتزاز. كما أن منطقة القوقاز مهمة جداً، وانفجار الوضع خير دليل على ذلك. وما يحصل في أذربيجان يذكرنا بما جرى في 2008 في جورجيا، المجموعة الدولية لن تختار أذربيجان، كما لا يمكن تشديد العقوبات على روسيا وتركيا في الوقت عينه يمكن تخفيفها عن روسيا وتشديدها على تركيا".

وتابع: "العقوبات تبقى تدريجية، إذ قد تبدأ ضد شركات صغيرة، وهي لا تطال مثلاً (بوتاس)، لنظهر أن بإمكاننا الذهاب أبعد من ذلك"، مشيراً إلى أن "إعادة إثارة النزاع في قره باغ هو نوع من اختبار سرعة وقدرة أوروبا على التحرك كما حدث في جزيرة القرم. طريقة لدغدغة البلدان التي تعتبرها مسؤولة، وبما أن ماكرون بدا ضعيفاً في ليبيا، حيث أتى الحل بين تركيا وروسيا، يجري فتح جبهة أخرى وجزيرة كاستل ديل ريزو يمكن أن تشكل حجة مقنعة، فهي تبعد خمسة كيلومترات عن الشواطئ التركية، وهذا التصعيد شبيه بما حدث في 2017 نفس المواجهة".

من يملك الحل؟

وحسب برتران بادي فإنه "لا يجب الانجرار وراء التصريحات، كل ما يبحث عنه أردوغان هو إعادة تلميع صورته داخلياً، وأن يحصل على الاعتراف بكونه يمثل قوة إقليمية، وأن يكون شريكاً في إيجاد الحلول، والخطأ الإستراتيجي للغرب أنهم لم يكتفوا فقط بتجاهل هذا الشيء، لكنهم أيضاً يعارضونه ويتصدون له. بوتين فهم ذلك ولعب اللعبة، وقمة أستانة جاءت على هذا الأساس".

ويشير إلى أن مصلحة حلف الأطلسي تقضي بأن تبقى تركيا "ضمن الحلف، فهذه الأخيرة قد تأخذ باب الخروج، وأوروبا ليس لديها وسيلة الدفاع عن نفسها، ومن الممكن أن يجري اتخاذ أي قرارات حازمة خلال القمة، وحلول الوساطة ضئيلة، والأزمة في شرق المتوسط قديمة، ولا ننسى ما حدث في قبرص. إذ أخذت الأزمة التركية في حينها أبعاداً عسكرية. نحن ندفع ثمن معاهدات السلام السيئة في المنطقة".

المزيد من تقارير