Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

مكتبة "أورشينا" ترمم جراح سنجار

عاش كاميران كمال في مخيمات النزوح أعواماً قبل أن يعود إلى مدينته لتأسيس مشروع ثقافي

 كاميران كمال في مهرجان "اقرأ في سنجار" (اندبندنت عربية)

"يحدث أن تولد المكتبة في اللحظات الفاصلة بين الحياة والموت، وتنمو في ملاجئ الحروب المطلة على الأرض الحرام. ليس ثمة ما هو أروع من نشدان الحياة في أيام الحروب، والمكتبة بهذا المعنى هي الحياة التي تولد في ملجئ تحت الأرض"، من كتاب "النوم إلى جوار الكتب" للكاتب العراقي لؤي حمزة عباس.

أنهى دخول "تنظيم داعش" مدينة الموصل، حلم الشاب الأيزيدي كاميران كمال بإكمال دراسته في الجامعة، لكنه لم ينه شغفه بالكتب، وحلمه بإنشاء مكتبة في سنجار.

كمال كان يعيش قبل دخول "داعش" في محلة بربروش إحدى مدن سنجار القديمة، وتحول بعد دخول التنظيم الإرهابي إلى نازح في مخيم بيرسفي، يعاني مع عائلته أهوال النزوح وضياع أحلامهم.

الكتب أنقذتني

كلما ضاقت الحياة، وما أكثر ما تضيق، يتشبث الإنسان بحلمه وشغفه ليحول الشجن وسيلة للعودة إلى الحياة مجدداً، بالرغم مما يحيط به من ركام.

يقول كمال إنه عاش النزوح في المخيمات ست سنوات بعد دخول "داعش" إلى الموصل، ولم يتمكن من دخول الجامعة. لكن حبه للكتب دفعه إلى "زيادة عدد ساعات القراءة في مخيمات النزوح، فكنت أقرأ وأنا جالس في خيمتي لساعات طويلة تتجاوز سبع ساعات يومياً".

أنشأ كمال مكتبة صغيرة داخل خيمته، وللتشجيع على القراءة بدأ بنظام الاستعارة المجانية، فكان يعرض الكتب التي يقرأها عبر وسائل التواصل الاجتماعي ليشجع الناس في المخيم على استعارتها، فشهدت خيمته كثيراً من الزوار الذين يرغبون في القراءة.

"أورشينا"

يقول كمال إن "حلم إنشاء المكتبة ظل يجول في تفكيره بشكل مستمر بعد تحرير سنجار"، خصوصاً أن غالبية المشاريع التي أعيد افتتاحها في المدينة كانت تجارية، ففكر بالعودة إليها تاركاً عائلته التي تكيفت مع واقع النزوح، وبدأت بتكوين مصدر دخل عن طريق زراعة بستان قريب من المخيم.

ترك كمال المخيم ليلحق بحلمه، فهو يرى أن المدينة لا بد أن تُبنى ثقافياً قبل إعادة إعمار مبانيها، وتمكن من الحصول على دعم بسيط من معهد غوته الألماني، وبدأت مرحلة حصوله على الموافقة الرسمية لافتتاح مشروعه، وبعد كثير من خيبات الأمل حصل على موافقة بلدية سنجار لافتتاح مكتبة "أورشينا"، ومعناها أرض السلام في اللغة السريانية القديمة.

أول مكتبة في سنجار بعد التحرير

يوضح الكاتب خالد تعلو أن المشروع متنفس ثقافي ووسيلة مهمة لإيصال الكتاب إلى المدينة التي يعاني سكانها ويلات الحرب، وظروفاً اقتصادية صعبة، "فغالبية الأيزيديين يعانون ظروفاً اقتصادية صعبة جداً تصعّب عليهم شراء الكتب، في حين أن مكتبة أورشينا ستوفر لهم مختلف الكتب مجاناً".

يوضح تعلو أن سنجار كانت تضم مكتبة مركزية فيها كتب عدة، لكن بسبب الأحداث التي وقعت بعد عام 2003 لم يعد لها وجود.

دعم المشروع

حفزت تجربة كمال كُتاباً من العراق وخارجه لدعم هذا المشروع واستعادة روح المدينة ثقافياً. ويوضح الروائي العراقي سنان أنطون أن عودة الكتاب إلى سنجار يمثل انتصاراً رمزياً للحياة والأمل اللذين لا بد منهما، فالمكتبة "ليست محض رفوف وعمليات بيع وشراء، بل مؤسسة اجتماعية وثقافية مهمة، ومصب ومنبع للأفكار، ونافذة معرفية هائلة يمكن أن تتطور لتصبح مركزاً ثقافياً"، داعياً إلى دعم هذا المشروع بالتبرعات والإسهامات الفردية.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ويقول أنطون لـ "اندبندنت عربية"، إنه سعيد بحماسة وتصميم كاميران كمال لإكمال مشروعه. "أفرحتني هذه المبادرة كثيراً، خصوصاً أنها تأتي من شاب سنجاري كانت الكتب رفيقته في محنته وفي سنوات النزوح في المخيّم. فرحت بحماسته وتصميمه، وهو يريد أن يسهم في إعادة بناء ثقافة مدينته وإغناء نسيجها الاجتماعي والثقافي".

أنطون يرى أن المكتبة "لن تضمد كل جراح سنجار، ولن تعيد الموتى والأسرى، لكنها ستفتح نافذة وأفقاً".

عودة السكان

مع غياب الخطط الحكومية لدعم سنجار، وغياب الخدمات الأساسية، يعزف سكان المدينة عن العودة إلى منطقتهم، مما يشكل عائقاً أمام أي مشروع ثقافي. ويوضح الصحافي والناشط المدني سعد حمو أن عدد العائلات التي عادت إلى سنجار منذ تحريرها بلغ 23 ألف عائلة، وغالباً ما تتردد في العودة بسبب "غياب القانون وعدم توافر الخدمات الأساسية، ووجود الميليشيات في بعض المناطق".

وبالرغم من هذه التحديات، يصر كمال على المضي قدماً بمشروعه الثقافي، مؤكداً أنه مستعد لصرف آخر مبلغ من مدخراته لتحقيق حلمه برؤية مكتبة "أورشينا" في سنجار، حيث نظّم مهرجان "اقرأ في سنجار"، الذي افتتح في 5 سبتمبر (أيلول) الحالي في إحدى حدائق المدينة لاستقطاب القراء، وكان يأمل في أن يستمر أسبوعاً، إلا أن المعرض توقف بعد ظهور إصابات بفيروس كورونا.

المزيد من ثقافة