تضخم الديون الاستهلاكية في الخليج يثير القلق

مصرفيون: إطلاق أوعية ادخارية متخصصة يعزز الوعي المالي للأفراد

تستحوذ السعودية وحدها على 30% من إجمالي قيمة القروض الشخصية الممنوحة للأفراد في منطقة الخليج العربي. (رويترز)

حذر مصرفيون ومطلعون على البنوك والمؤسسات المالية في منطقة الخليج من تزايد معدلات القروض الشخصية والاستهلاكية في منطقة الخليج عاما بعد آخر حتى لا تقع الأسر في دوامة الديون، علاوة على التأثيرات السلبية على الاقتصاد الكلي داعين إلى ضرورة إطلاق مشاريع ادخارية متخصصة، والتي تحقق عوائد جاذبة للأفراد وتعزز الوعي المالي والادخاري .

واقترح المصرفيون إطلاق المزيد من المنتجات الاستثمارية الادخارية المتخصصة لاستيعاب أكبر شريحة من الأفراد على مختلف مصادر دخلها واستثمار تلك الأموال في قطاعات إنتاجية مهمة.

وأوضح الخبراء في حديثهم  لـ (إندبندنت عربية) "أن غياب البرامج الادخارية في المنطقة بات يعمق الأزمة المالية للأفراد "، ودعوا إلى تثبيت وعي استهلاكي بين أفراد المجتمع، بتحركات وخطوات من الجهات الاقتصادية والمالية في المنطقة، وقالوا "إن أهمية إحداث تغيير تدريجي في النمط الاستهلاكي للأجيال الحالية من خلال التوعية المتواصلة هو الطريقة الوحيدة في التحول باتجاه الادخار، عبر قنوات مالية ربحية متخصصة وبرامج استثنائية".

وذكروا "أن الادخار على المستوى الشخصي يعد هدفا إيجابيا يعود على الأسرة بمنافع، لعل أهمها تجنب الفوائد المصرفية المرتفعة، وشركات التمويل على القروض الاستهلاكية المختلفة، والتي أصبحت جزءا من حياة الأسر".

في الوقت ذاته يشير الخبراء إلى أن فوائد البنوك على الودائع لم تعد مجزية للمودعين حالياً أمام إغراءات الاقتراض المصرفي، الأمر الذي يتطلب البحث عن فرص استثمارية بديلة.

وتتجه العديد من المصارف الخليجية إلى تقديم القروض الاستهلاكية نظرا لسرعة إنجازها وضمان الحصول على عائد مجزٍ منها في أسرع وقت ممكن.

كما تتفنن المصارف تحت مسميات جذابة وشعارات براقة من أجل إغراء العميل، فهناك قروض الزفاف وقروض السفر وقروض الدراسة، وأخرى قروض خاصة بالنساء وقروض للتعليم وغيرها، وفي النهاية جميعها عبارة عن قروض استهلاكية تؤدي نفس الغرض والنتيجة.

ووفقا لتحليل أجرته "إندبندنت عربية" استنادا إلى بيانات المصارف المركزية في دول الخليج العربية، بلغ إجمالي قيمة القروض الشخصية الممنوحة للأفراد في المنطقة 303.2 مليار دولار، واستحوذت السعودية وحدها على 30%، تلتها الإمارات بنسبة 29.3%، ثم الكويت 17.2%، وقطر 11.5 %، وعُمان 8.5 %، والبحرين 3.6 %.

وبحسب التحليل، فقد سجلت البحرين أعلى نسبة لقروض الأفراد من إجمالي الائتمان التي قدمها الجهاز المصرفي لجميع الأنشطة الاقتصادية بين دول الخليج الأخرى، بنسبة 44% ثم الكويت 43%، وعُمان 40%، فيما مثلت 23.7% في السعودية، و21.6% بالإمارات، وأخيراً قطر 13.5%..

ثقافة الاستهلاك المسيطرة

إلى ذلك قال محمد الشاذلي الخبير المصرفي في دبي " إن ثقافة الاقتراض للاستهلاك ما تزال مسيطرة بشكل عام في منطقة الخليج، ما يمثل عبئاً ماليا كبيرا على هؤلاء المقترضين والعجز، من ثم عن تسديد أقساطها نتيجة عدم الموازنة بين نسبة الإنفاق والدخل، والتي تقع مسؤوليتها على المستهلك نفسه".

وبين أن "نسبة القروض الشخصية والاستهلاكية في منطقة الخليج عموماً تتزايد عاما بعد آخر في ظل العروض المغرية من جانب البنوك لاستمالة وتشجيع العملاء على الاقتراض" ، مطالباً بأهمية توعية الأفراد بمساوئها وعواقبها، وضرورة التشجيع على الادخار واستثمار الأموال في مشاريع تنموية تعود على الفرد والمجتمع بالخير والفائدة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ولفت الشاذلي إلى "أن هناك آثاراً سلبية نتيجة ارتفاع القروض الاستهلاكية على مستوى الاقتصاد الكلي للدولة يظهر تأثيرها المباشر على المشاريع التنموية، إضافة إلى استخدامها في شراء مستلزمات كمالية غير ضرورية يتم استيرادها من الخارج، ما يؤدي إلى حدوث عجز في الميزان التجاري للدولة نتيجة لزيادة الواردات عن الصادرات".

ارتفاع معدلات القروض مع تنوع الاحتياجات

من جهته قال أمجد نصر، الخبير المصرفي والمستشار التمويل الإسلامي في دبي "إن هناك أربعة عوامل رئيسة تلعب دوراً في زيادة معدلات القروض الشخصية والاستهلاكية بشكل عام، أبرزها النمو السكاني المضطرد ودخول قوى عاملة جديدة في الأسواق، وتنوع احتياجات الأفراد وكثرة المغريات الاستهلاكية بالإضافة إلى التسهيلات المقدمة للحصول على الائتمان".

وطالب بأهمية قيام الأفراد بالحكمة في إدارة أموالهم وتحقيق الموازنة بين الدخل والإنفاق والتمويل، وألا يكون اللجوء إلى الاقتراض إلا للضرورة الملحة وللحالات الطارئة، مثل العلاج، أو صيانة المنزل، أو بناء مسكن جديد، أو تغطية مصاريف الأسرة، أو تسديد الرسوم الدراسية، علاوة على تكثيف جهود التوعية بأهمية الادخار بين أوساط المستهلكين وترسيخ ثقافة التوفير والاستثمار لدى الأجيال المقبلة.

ودعا إلى ضرورة إطلاق المزيد من المنتجات الاستثمارية الادخارية المتخصصة لاستيعاب أكبر شريحة من الأفراد على مختلف مصادر دخلهم، لافتاً إلى أن تلك البرامج يمكن أن تغطي برامج التقاعد والتعليم والصحة التي تتميز بأنها ذات فترات زمنية طويلة بالإضافة إلى مرونتها في توفير المبالغ اللازمة للمستفيدين عند الحاجة.

ولفت الخبير المصرفي إلى "أن المصارف المركزية تتدخل أحيانا عبر وضع القوانين والتشريعات الملزمة واللوائح الخاصة بهدف تشجيع الاستثمار والادخار وضمان توفر السيولة النقدية، بحيث تقوم برفع نسب الفائدة على القروض من أجل تحجيم ارتفاع القروض الاستهلاكية وتفرض نسبة معينة يجب على البنوك التجارية الالتزام بها في مقابل الودائع، ولكن تحديد الأسعار والعملاء تقع مسؤوليتها على البنك".

السلوك الاجتماعي هو الأساس

ومن جهته قال المصرفي الكويتي علي الموسى "إن ثقافة الادخار بما تشكله من مفهوم استراتيجي تعتبر مهمة، سواء كانت على مستويات الأفراد أو الهيئات والمؤسسات وكذلك بالنسبة إلى الحكومات"، موضحاً أن الادخار سلوك اجتماعي تحرص الدول على نشره بين مواطنيها، لدعم الخطط الاقتصادية على المدى الطويل.

ولفت إلى "أن تراجع شهية الأفراد للادخار يحمل تأثيرات سلبية على الملاءة المالية للمصارف ويحجم قدرتها على تمويل النشاطات الاقتصادية المختلفة"، مشيرا إلى ضرورة انتهاج أساليب غير تقليدية للتوعية بأهمية الادخار، والتي يجب أن تشمل التوعية بالمدارس والجامعات.

و قال الموسى "إن القروض الشخصية في الكويت تشمل قروضاً استهلاكية في حدود المليار دينار ومدتها قصيرة، لكن الديون المقسطة والتي غالبها في (الإسكان) تمثل الثقل الأكبر، فهي بقيمة  12 مليار دينار، وهي مقسطة لفترة طويلة ومريحة ".

ولدى سؤاله عن تقييمه لبرامج الادخار في الكويت، أجاب الخبير الموسى " تفتقد الكويت لثقافة الادخار وكذلك مجتمعات المنطقة العربية عموما ، فلا يوجد تشجيع ولا توجيه على الرغم من التوسع في الاقتراض وفقا لأحكام الشريعة الإسلامية".

 يشار إلى أن السنوات السابقة التي شهدت ارتفاعاً قياسياً في معدلات التضخم، تركت آثاراً سلبية على مواطني الخليج فيما يتعلق بالتوفير والادخار المالي، ولكن مع تراجع معدلات التضخم إلى مستويات منخفضة نسبياً فإن هناك فرصة أفضل أمام الأسر والأفراد لتعزيز الادخار

المزيد من اقتصاد