Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

بيروت من ولاية إلى عاصمة الدولة اللبنانية

تغييرات عدة طرأت على المدينة منذ خروجها من العباءة العثمانية إلى الحضن الفرنسي

في حرب العام 1975 تحول وسط بيروت الى خط تماس لمدينة منقسمة (ويكيبيديا)

منذ منتصف القرن الثامن عشر، تطورت بيروت خلال عقود قليلة، لتتحوّل من بلدة إلى مرفأ شرق المتوسط بأكمله.

تجّار الحرير الذين كانوا يشترون إنتاج مزارعي جبل لبنان، ويصدّرونه إلى العواصم الأوروبية، كانوا أوّل من وضع أسس المرفأ، الذي "يسكن" موقعاً وسطياً بين الشمال السوري والجنوب الفلسطيني، وهو صالح لتصدير المنتج الأهم آنذاك (الحرير)، واستيراد المنتجات التي يحتاج إليها جبل لبنان ومتصرفيته، الذي كان يعامل كدولة مستقلة ذات حكم ذاتي.

تنمية بيروت

راحت بيروت تنمو وتتسع، وتكبر شيئاً فشيئاً على حساب كل المرافئ المتوسطية الأخرى كعكا وحيفا وطرطوس واللاذقية، وانتقل عدد كبير من سكان المناطق المحاذية للسكن فيها، ووصل إليها أعداد كبيرة من الأرمن والسريان والكاثوليك الهاربين من الاضطهاد العثماني في بلدانهم خلال الحرب العالمية الأولى. وارتفع عدد سكان المدينة بشكل متسارع، وسرعان ما أنشأت شركات التصدير والاستيراد، التي بدورها دفعت إلى ازدهار القطاع المصرفي وشركات تخليص المعاملات والشحن والبريد والمواصلات.

لم يكن أمام السلطات العثمانية سوى تطوير البنية التحتية لهذه المدينة المزدهرة على حين غرّة. فأنيرت شوارعها كلها بفوانيس الغاز، وعبّدت طرقاتها الرئيسة، ووُسّع المرفأ من جهاته الشرقية، وأنشئ الترامواي الذي يصل بين أحيائها البعيدة.

وأسهمت بلدية المدينة بالمحافظة التامة على نظافتها. وبدأ الميسورون من سكانها بناء القصور وفق تصاميم هي خليط الهندسة الفرنسية والعثمانية والبيئة العمرانية البيروتية القديمة. فباتت بيروت مدينة شرق المتوسط اللامعة، ومقصد التجار والسياح والسياسيين والأدباء والمثقفين والرسامين، ومحل إقامتهم.

الهوية الطائفية

في هذه الفترة، لم تكن الهوية الطائفية للمدينة محل نقاش أو مثار نزاع. فالمدن المزدهرة التي يسكنها التجار والصيارفة والسياسيون والفنانون، تضع معيار الطائفية جانباً، لكن ازدهار المدينة دفع وجهاءها وأعيانها وأثرياءها إلى الطلب من السلطان عبد الحميد الثاني السماح لمدينتهم بالانفصال عن ولاية سوريا وإنشاء ولاية مستقلة تكون مدينة بيروت مركزاً لها، وقد استجاب السلطان عبد الحميد لذلك، وأعلنت ولاية بيروت، بمقتضى الإرادة السلطانية بتاريخ 25 ديسمبر (كانون الأول) عام 1887.

وضمّت الولاية المنطقة الساحلية الممتدة من اللاذقية إلى شمال يافا، تحدّها من الشرق ولايتا حلب ودمشق، وخمسة سناجق هي: بيروت، وطرابلس الشام، وعكا، واللاذقية، وسنجق نابلس.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

رمال البلاد المتحركة

قد يعتقد البعض أن إعلان بيروت ولاية هو من قبيل إرضاء أهلها في نهايات السلطنة العثمانية، وهذا سبب، لكن الأهم هو أنها كانت تستحق الاستقلال بذاتها، بسبب المنافع التي درتها على السلطنة وقدرتها على مواءمة الالتصاق بالشرق والانفتاح على الغرب جغرافياً، واقتصادياً، وثقافياً.

تلك الفترة كانت كالرمال المتحركة، لا يعرف لها شكل. والعالم كله في حالة غليان. أوروبا الخارجة من الحرب الأولى تريد السيطرة على إرث السلطنة المريضة. والأوروبيون يطمحون إلى تقسيم هذه المنطقة وفق احتياجات أو اتفاقات أو مصالح يُرجعها البعض إلى الخريطة التي وضعها نابوليون بونابرت حين غزا الشرق، ولم يتمكّن من تثبيت تقسيماته بعد انهيار جيشه، بسبب الأمراض التي أصابته في مصر وفي أثناء حصار عكا.

ويعتبر البعض الآخر أن التقاسم الإنجليزي الفرنسي وفق سايكس -بيكو جاء على أساس توزّع النفط في المنطقة، أمّا الأكثر مغالاة فيعتبرون أن التقسيم الذي لا تُفهم مراميه جغرافياً، يمكن فهمه سياسياً، إذ إنه ترك بين البلدان الوليدة خلافات حدودية ما زالت قائمة حتى الآن.

أمّا على المستوى اللبناني، فإن رسم الحدود اللبنانية، حسب أكثرية المؤرخين، فقد جاء لصالح متصرفية جبل لبنان اقتصادياً، أي ضم الأطراف ومدينة بيروت إليه، لتأمين المياه من الأنهار الجنوبية والشمالية، وتأمين الحبوب والخضراوات من سهل البقاع، ولتأمين منفذ بحري عبر المرفأ البيروتي المزدهر، ما دفع الجنرالات الفرنسية إلى حط رحالهم في بيروت منذ وصولهم إلى الشواطئ اللبنانية، واتخاذهم من قصر الصنوبر مقراً لهم.

في السابع من أكتوبر (تشرين الأول) عام 1918، دخل الحلفاء إلى لبنان، الإنجليز عبر الساحل من فلسطين باتجاه بيروت، وأنزل الفرنسيون وحدات من الجيش في المدينة.

وما كاد الفرنسيون يدخلون بيروت حتى اعترضوا على الحكم العربي، وأنزل دي بياباب العلم العربي، ورفع الفرنسي، وغادر شكري الأيوبي بيروت على أن يبقى جميل بك في بيروت، بوصفه معتمداً عربياً لدى الفرنسيين.

الأساطير الرسمية

كانت الأمور تجري من دون الأخذ برأي سكان بيروت على اختلاف طوائفهم. وبدا الفرنسيون كأنهم ينتدبون المدينة وينزعونها من كونها ولاية مستقلة بذاتها، بينما السكان من جميع الطوائف المسيحية والمسلمة منقسمون عموماً في مواقفهم تجاه نزع العلم العربي ورفع الفرنسي على السراي العثماني.

وكان بعضهم القليل يرغب في البقاء بولاية مستقلة هي أشبه بدولة (مساحتها أكبر من مساحة لبنان الكبير الذي سيُعلن لاحقاً)، بينما يرى آخرون مصلحة كبيرة في الانضمام إلى متصرفية جبل لبنان، حيث زراعة الحرير المزدهرة، والطريق الموّصلة نحو البقاع والبرّ العربي في سوريا والأردن والعراق.

لكن، في مجمل الأحوال، لم تشهد بيروت اعتراضاً كبيراً على ضمها إلى لبنان الكبير كالذي شهدته طرابلس في الشمال، وبعض المناطق في جبل عامل جنوباً.

هكذا انتهت ولاية بيروت العثمانية التي استمرت نحو 30 سنة، وأصبحت مدينة بيروت بعدها عاصمة للدولة، التي ستسمّى في ما بعد بدولة لبنان الكبير.

بيروت في زمن الانتداب

كانت الإرساليات الأجنبية قد سبقت الجيوش إلى لبنان، فأنشئت الجامعات والمعاهد والمدارس التي أسهمت في جعل بيروت مركزاً تعليمياً أساسياً في الشرق.

وكان ازدهار التعليم والسياحة وقطاع الخدمات من فنادق ومصارف ومنتجعات تترافق مع الازدهار المالي، وتطور الحياة السياسية اللبنانية مع إنشاء البرلمان، وتعيين رئيس للجمهورية يعيّن بدوره رئيساً للوزراء.

لكن، الحرية السياسة البيروتية كانت دائماً محل مراقبة وسيطرة من قِبل سلطات الانتداب، وهذا الأمر ينطبق على الصحف البيروتية الشهيرة آنذاك. ولم يتح حكم الانتداب لأي تجمع سياسي أن يصبح حزباً كبيراً، وكانت التكتلات السياسية تدور حول أشخاص، مثل كتلة إميل إده، أو "الكتلة الوطنية"، وكتلة بشارة الخوري أي "الكتلة الدستورية".

وانحصر نشاط الكتلتين في أروقة المجلس النيابي وقاعاته، وكان هدف المنافسة بينهما كسب مقعد نيابي أو وزاري، توطئة للفوز برئاسة الوزارة أو الجمهورية.

هذا على الصعيد السياسي البرلماني. لكن كان هناك تغييرات أيضاً على الصعيد الموسيقي في عهد الانتداب. وعرفَت المدينة افتتاح أماكن جديدة للإنتاج والاستهلاك الموسيقيّ اعتمدت على تقليد الملاهي الباريسيّة، كملهيي "كوكب الشرق" و"الباريزيانا" وغيرهما.

وبات بالإمكان دخول مرابع التسلية والاستهلاك عبر شراء التذاكر، ويمكن استهلاك المآكل والمشارب في أثناء حضور العروض. وكتبت الباحثة في تاريخ الحياة الثقافية في بيروت خلال عصر النهضة، ديانا عبّاني، في مقالة "غناء بيروت زمن الانتداب" (مجلة بدايات، العدد 23 -24 -2019)، أن تذوّق الموسيقى في تلك الفترة لم يبق محصوراً بالاحتفالات الرسمية والخاصة والشعبية، بل ربط بالنشاط الاقتصادي.

بالتالي قدّمت هذه الأماكن أشكالاً جديدةً من الترفيه، وأعادت تشكيل المشهد الفني والثقافي مسهّلة انفتاح المدينة على العالم. ولعب رجال الأعمال من مالكي المسارح والملاهي وشركات التسجيل دوراً كبيراً في عالم الترفيه، عبر دمجه في الأعمال التجارية العابرة حدود المدينة، والمتّصلة بسائر أنحاء العالم عبر شبكة علاقات ثقافية ومالية.

والتغييرات التي طرأت على بيروت منذ خروجها من العباءة العثمانية إلى عباءة الفرنسيين، وتحوّلها إلى عاصمة مركزية للدولة الوليدة، طالت أيضاً العمران، فمع بداية عهد الانتداب الفرنسي عام 1920، وإعلان نشوء دولة لبنان الكبير، أسقط المنتدبون فوق النسيج المبني في المدينة التقليدية، تنظيماً مدينياً أهم مكوِّناته الشوارع العريضة المستقيمة، والأنماط المعمارية الكولونيالية.

ودخلت وسائل النقل الحديثة كالترامواي الكهربائي والسيارات، منذ العقد الأول من القرن الـ 20.

وانتشرت أيضاً العمارة النيوكلاسيكية (أوروزدي باك)، والعمارة النيوعثمانية (مبنى بلدية بيروت، ومبنى البرلمان). ومع توسُّع المدينة السريع، وجدنا أنماطاً مذهلة بتنوّعها من العمارة الكولونيالية، تنتشر في مناطق بعيدة نسبياً عن مركز المدينة التاريخي، في القنطاري، تحديداً في شوارع سبيرز، ومي زيادة، وكليمنصو. كما وجدناها تنتشر بسرعة أيضاً، في الصيفي، والمدّور، والجميزة.

وبرأي الباحث المعماري والمهندس رهيف فياض فإن عوامل عدة كانت في أساس هذا التوسُّع السريع للمدينة، وانتشار العمارة الكولونيالية أهمها العامل الاقتصادي الذي تجلَّى في تزايد دور مرفأ بيروت في التجارة، واستقرار الأرستوقراطية التجارية بجوار المدينة التاريخية، وفي زحمة التجّار الأجانب، والمبشِّرين، ومؤسسي الجامعات، ومراكز الاستشراق في المدينة، وفي نزوح العائلاتِ الثرية إلى بيروت عام 1860 من دمشق وحلب، ومن زحلة، وفي نزوح البورجوازية الريفية الصغيرة من الجبل إليها.