Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

لبنان ورقة ثمينة بيد إيران

"الإغاثة" لم تتحوّل فعلاً سياسياً وموازين القوى لا تساعد في التغيير

دمار ناجم عن انفجار في ميناء بيروت بالقرب من وسط المدينة (رويترز)

لم يغيِّر الانفجار الذي دمَّرَ بيروت، ولا الحُكْم الذي أصدرته المحكمة الدولية الخاصة بلبنان، في الواقع السياسي الذي يعيشه البلد. وعلى عكس المتوقّع، فقد ازدادت القوى المتحكّمة باللبنانيين، صلافةً وتجبّراً، وتحوّل الاهتمام الدولي الإنساني بالكارثة التي حلَّت بالسكان إلى جدولٍ يجري تحديثه يومياً بعدد الطائرات والبواخر الآتية إلى البلد المنكوب وحجم حمولتها من مواد الإغاثة.

كانت جموع اللبنانيين تأمل في أن يضع حكم المحكمة الدولية في قضية اغتيال رئيس الوزراء الأسبق رفيق الحريري ورفاقه وعشرات المواطنين الآخرين، حدّاً لحالة الهروب من العقاب. وكانت تعتبر، وهي على حقّ، أن ما قبل انفجار الرابع من أغسطس (آب) هو غير ما بعده، إلّا أنّ ما حصل كشف عن عمق المأزق الداخلي واستعصاء التقدّم ولو خطوة واحدة على طريق إخراج البلد من أزماته المتراكمة.

لم يكن قرار المحكمة إدانة عنصر في "حزب الله" هو سليم عياش على قدر توقّعات اللبنانيين الذين وثقوا بها ولا على قدْرِ مخاوفهم. كان هؤلاء ينتظرون نتائج أشمل تصدر عن هذه السلطة القضائية الدولية توضح ما جرى قبل 15 عاماً وتكشف عن شبكة المخطّطين والمرتكبين. صحيحٌ أن ليست من صلاحيات المحكمة إدانة دولٍ ومنظمات، وهذا كان شرط روسيا للقبول بتمريرها في مجلس الأمن، إلّا أنّ اكتفاءها بإدانة عنصر وحيد ينتمي إلى "حزب الله"، استناداً إلى تحقيقات الضابط اللبناني وسام عيد، الذي جرى اغتياله لاحقاً، بشأن حركة الاتصالات الهاتفية، جعل حكمها النهائي ضئيلاً مُقارنة بطولِ المدة التي استغرقها عملها من جهة وبشحِّ الأدلّة من جهة أُخرى، خصوصاً مع إسقاط التهم عن شركاء مفترضين بينهم مصطفى بدر الدين الذي قُتل في سوريا.

لم يكن القرار على قدر التوقّعات ولا على قدر المخاوف، فهو لو ذهب إلى إدانة مباشرة لأسماء معروفة في "حزب الله"، كما تردّدت تقديرات قبل صدوره، لكان المزيد من التوتّر الداخلي قد ساد البلاد، وربما أدّى إلى صدامات مذهبية.

وفي كلّ الأحوال خرج "حزب الله"، ومن ورائه النظام السوري بأقل الخسائر. فالنظام خارج دائرة الاتهام على الرغم من الإشارة إليه وإلى الحزب بوصفهما من "المستفيدين"، والحزب الذي اكتفى قرار المحكمة بإدانة أحد عناصره، كان أعلن منذ زمن بعيد أن المحكمة لا تعنيه على الرغم من أنها قامت بطلب رسمي من الدولة اللبنانية وبقرار من مجلس الأمن الدولي.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

لقد رحّب ميشال عون، رئيس الجمهورية بقرار المحكمة على الرغم من انتقاده "العدالة المتأخرة" ومثله فعل رئيس الحكومة المستقيلة حسان دياب، وكان يُفترض بـ"حزب الله" أن يحترمه، تعبيراً عن التزامه بقرار دولته، لكن الحزب الذي يهيمن على الدولة يختار ما يناسبه، فهو يتربّع على بقاياها ويخوض حروبه الخارجية كيفما يشاء وليس من حقّ أحد أن يسائله.

تلقّف مؤيدو المحكمة من اللبنانيين الحكم الصادر عنها بالقبول والرضى، فهم إلى معرفتهم المسبقة بحدودها، اعتبروا إدانتها لشخص محدّد معروف بانتمائه الحزبي إنجازاً للعدالة، بعد عقود من التجهيل في قضايا اغتيالات كبرى شهدها لبنان. وذهب بعضهم إلى توقّع متابعة دولية للقرار باعتباره صادراً عن هيئة أنشأها مجلس الأمن الدولي، ويعكس هذا الموقف الاعتراف بضعف المؤسسات اللبنانية التي يُفترض أن تجلب المتهم، بقدر ما يعكس ضعف القوى السيادية اللبنانية المعترضة على سياسة "حزب الله" وسيطرة هذا الحزب على مفاصل الحياة السياسية.

وبرز هذا الضعف، خصوصاً في أعقاب كارثة تفجير بيروت، حيث وجد مئات ألوف المواطنين أنفسهم خارج أي حماية، ينتظرون الإغاثة من هيئات مدنية ومن دول عربية وأجنبية. ومثلما بُذِلَ جهد منقطع النظير لتقزيم المحكمة الدولية، بُذِلَ جهد مماثل لتقزيم البعد السياسي للانفجار "النووي" الذي لحق ببيروت.

صحيحٌ أن حكومة "حزب الله" اضطُرت إلى تقديم استقالتها إزاء ضخامة الحدث، إلّا أنّها أمعنت في تضييع المسؤولية عن الانفجار الذي تتحمّل مسؤوليته، إلى جانب قوى تناوبت على الحكم وسمحت بتخزين المتفجرات وشرّعت المرافىء والمعابر أمام السلاح غير الشرعي. أما "حزب الله" الذي يقود هذه الحالة السائدة ويستفيد منها، فلم يتّهم إسرائيل بقيامها بضربة محتملة كانت هدّدت بها مراراً، وارتاحت هي إلى تبرئتها وعرضت تقديم المساعدة، فيما رفض المهيمنون على القرار اللبناني أي تحقيق دولي طالب به المتضرّرون الذين لا يثقون كلياً بتحقيق محلّي، يعرفون سلفاً أنه لن يطال المسؤولين الحقيقيين.

عند هذه النقطة، وعلى الرغم من الحضور الدولي الكثيف إلى بيروت، بدا أن الأمور تراوح مكانها، فحكم المحكمة الدولية في قضية الحريري زاد في تنمّر "حزب الله" وداعميه، وانفجار بيروت جرى اختصاره بتحقيقات قضائية انطلقت ببطء وبعد تعثّر، فيما قيام حكومة بديلة وُضِع في ثلاجة الانتظار.

في الأغلب، وهذا أمر يثير الحزن في لبنان وبين الحريصين عليه، لن يحصل التغيير الذي تمنّاه منافسو 17 أكتوبر (تشرين الأول) ومعهم المتمسّكون بالعدالة وضحايا 4 أغسطس، فميزان القوى الداخلي المائل لصالح "حزب الله" يجعل لبنان ورقة ثمينة في يد إيران، والقوى الدولية والعربية لا تبدو مستعجلة لحسمٍ يُخْرِجُ لبنان من مأزقه السياسي... والحصيلة المتوقّعة، بقاء حكومة تصريف الأعمال إلى أمدٍ طويل.

المزيد من آراء